كيف مهد صدام لغزو العراق 2003؟

كيف مهد صدام لغزو العراق 2003؟

احترقت بغداد. رأيناها في التاسع من أبريل، قبل أحد عشر عاماً، كتلة من الفوضى، واللهب والألم. سقطت يومها بغداد مثقلة بجراحات عقود من الدم والخوف. لم يكن أزيز الدبابات الأمريكية التي حفرت بجنازيرها شوارع المدينة سوى إعلان رسمي عن وفاة مريض كان يحتضر منذ زمن بعيد.

اعلان


متى بدأ الحريق إذن. منذ متى والنار تلتهم هذه المدينة التي اختزلت قروناً من مجد الإنسانية بين طرقاتها وعلى ضفتي نهرها الخالد. كثيرة هي الحوادث التي مرت بها بغداد، ولكن تبقى سنة 1979 علامة فارقة لا تنسى. يوم السابع عشر من يوليو استلم السيد النائب، ذلك الشاب الوسيم الذي رافق رئيس الجمهورية الستيني لسنوات، السلطة رسمياً. وكان أول ما افتتح به حكمه هو وأد تجربة الوحدة بين العراق وسوريا. استدعى واحدة من أكثر حيل القاموس السياسي العربي كلاسيكية وضرب بها عصفورين بحجر.

الرفاق يتآمرون، هكذا قال الرفيق صدام حسين، رئيس الجمهورية الجديد. ظهر على شاشة التلفزيون ليعلن المؤامرة المزعومة ويبكي على رفاقه الذين باعوا المبادئ من أجل أموال حافظ الأسد. أُعدم نصف مجلس قيادة الثورة على أيدي رفاقهم. أسس صدام لجمهورية دم جديدة. أصبح العراقيون يتنفسون الرعب مع الهواء. أعدم بدم بارد أقرب المقربين إليه، وانفرد بالسلطة حاكماً أوحد. وألقى بأول مبدأ من مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي في سلة القمامة. انتهى ربيع الوحدة مع سوريا لأنه لا يتفق مع طموح الزعيم، ولتذهب المبادئ إلى الجحيم.

بعد عام واحد، أشعل حرباً مع إيران التي كانت قد تخلصت من الشاه قبل عامين. نعم، كان الإيرانيون سكارى بانتصارهم على الشاهنشاه. وكانوا يتحدثون عن تصدير الثورة، لكنهم كانوا أضعف من أن يقوموا بذلك بالفعل. لكن صدام كان يريد الثأر لمعاهدة 1975 التي أجبر على توقيعها تحت ضغط الحرب مع المقاتلين الأكراد في الشمال. ثم جاءت برقية الخميني رداً على تهنئته بقيام الجمهورية باردة مهينة. اختتمها آية الله "بالسلام على من اتبع الهدى". لم يغفر صدام له أنه خاطبه كما كان المسلمون يخاطبون كفار قريش. تناحر الزعيمان ودفعت الشعوب الثمن. ثماني سنوات من حرب طاحنة قتلت ما يقرب من مليون شاب من كلا البلدين، إضافة إلى حرق ما يقرب من 400 مليار دولار في فوهات المدافع والأسلحة الرشاشة. انتهت الحرب بعد أن أنهكت الطرفين. تجرع الخميني السمّ وقبل وقف إطلاق النار في أغسطس 1988. خرج صدام يومها بعباءته العربية  في شوارع بغداد مزهواً بنصره في "القادسية" الجديدة. قدرنا في هذه البقعة من الأرض أن نعيش في التاريخ بأكثر مما يجب.

لم تنته قصة المدينة الأسيرة عند هذا الحد، بل تلاه أكثر فصولها إيلاماً. انطلق صدام الباحث عن مخرج من أزمة ما بعد الحرب الاقتصادية الخانقة يبحث عن حل. أو ربما يبحث عن تبرير. اتجه نظره جنوباً، الكويت والإمارات تضخان نفطاً أكثر من حصتيهما. هذان البلدان هما السبب في خفض سعر النفط. امتشق الفارس سلاح الكلمات وأنذر في يوليو 1990 "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق".

هرع العرب يحاولون رأب الصدع. طار مبارك إلى الكويت، وتدخلت الجامعة العربية والملك حسين وياسر عرفات وآخرون. أعطاهم صدام معسول الكلام، ثم أطلق حرسه الجمهوري ليلتهم جاره العربي الصغير في الثاني من أغسطس 1990. استدعي شباب العراق للخدمة العسكرية مرة أخرى، والإعدام لمن يتخاذل. لم ينس بطل القادسية بالطبع أن يؤمن حدوده الشرقية، وبجرة قلم نسي الدماء التي سالت لثماني سنوات. أعاد اتفاقية الجزائر إلى الحياة وأرسل إلى القيادة الإيرانية قائلاً: "وبهذا تحقق لكم كل ما طلبتموه".

مذبحة بكل معنى الكلمة هي ما شهدته قوات الجيش العراقي بعد هجوم التحالف الدولي عليها في ربيع 1991. اختلطت الجثث بالآليات المتفحمة في طريق الموت، طريق المطلاع على الحدود الكويتية- العراقية. مئات الآلاف بين قتيل وجريح في الجزء الثاني من سلسلة الحروب العبثية. سالت دماء العراقيين مرة أخرى على أرض غريبة، ودفنوا بعيداً عن أهاليهم بدون سبب. أما القائد، فقد خرج ليحتفل بما أسماه "أم المعارك". اشتعل العراقيون بالغضب، واندلع لهيب التمرد في أرجاء عديدة من العراق، لكن الحسابات الاقليمية والدولية تدخلت لتبقي صدام في قصر الرئاسة، وتضع العراق في صندوق مغلق لسنوات طويلة.

طيلة التسعينات كان العراقيون يئنون من وطأة العقوبات. كانت قصور الرئاسة الفاخرة تتكاثر كالفطر البري، وكذلك كانت آلام الشعب ووفياته بسبب نقص الدواء والغذاء. وحتى حين أقرت اتفاقية النفط مقابل الغذاء والدواء، فإن الفساد لم يرحم قوت الفقراء. انتفخت جيوب المتنفذين من عراقيين وأجانب، ولم يبق لعامة الشعب إلا الفتات. في كل تلك السنوات لجأ صدام إلى مسميات المحافظات البيضاء والسوداء. التي لم تثر كانت بيضاء، والتي تجرأت وثارت كانت سوداء. وبدأ الشرخ بين العراقيين يزداد عمقاً سنة بعد أخرى.

حين قرر جورج بوش أن الوقت قد حان لإزالة نظام صدام، كان البلد في الواقع متهالكاً آيلاً للسقوط. فكل تلك السنوات استنزفت ما بقي من رصيد التحمل والقوة والهوية الوطنية عند الشعب. وهكذا لم تجد دبابات الأمريكان عناء كبيراً في اقتحام أسوار المدينة. لم يحمها المستعصم كما ينبغي، وتركها صدام نهباً للغزاة بما أفرغه من صبرها وجلدها على حروبه العبثية.

جذوة النار التي أشعلها تصاعدت لهباً حارقاً على أيدي الغزاة في أبريل 2003. جاؤوا من أجل النفط، أو دفاعاً عن إسرائيل، أو رغبة في إقامة نظام شرق أوسطي جديد. أياً كان السبب، فقد فشلوا في تحقيقه. لكن الديكتاتورية الخانقة فتحت الأبواب مشرعة أمام الغزاة لتسقط بغداد منهكة أمامهم. أياً كان التبرير، فإننا لا ننكر أن هناك قوى عالمية تسعى للهيمنة خدمة لمصالحها. لكن السؤال الرئيس هو: هل الخلل فيمن نعرف أنه يحوم حول الحمى ليسرق ويخرب، أم نلوم الناطور الذي فتح الأبواب على مصاريعها.

هل حصن حافظ الأسد، ومن بعده بشار، بلدهما بالديمقراطية ضد أي تدخل خارجي. هل احترم القذافي شعبه وانفق المليارات على بناء بلده وتأسيس نظام حكم عصري ليأمن شر المتآمرين. هل بنى صدام دولة مؤسسات تعبر عن الهوية الوطنية، لا الطائفية والعشائرية. لم يأت أي من هؤلاء برغبة الشعب أو بمحبته. لكنهم تحكموا برقاب أبناء بلدهم، وانشغلوا ببناء دول لهم ولعوائلهم على بقايا كرامة ومقدرات شعوبهم وكانت النتيجة هي ما نراه اليوم.

لقد وعى الشباب الذي انتفض في عدة بلدان عربية هذه الحقيقة. لكن الطريق لا يزال طويلاً، فبناء الفرعون والإله لا يزال مسيطراً على أذهان الكثيرين من أبناء العرب. ربما بحكم التعود على النظام الأبوي الذي يرعاك كطفل قاصر ويريحك في الوقت ذاته من عناء المسؤولية. الانتخابات على الأبواب في العراق ومصر وبلدان غيرها. فهل يقرأ الناخبون دروس الماضي، ويبتعدون عن إعادة إنتاج مآسيه.

يموت الطغاة ولا تموت الشعوب، لكن للطغاة القدرة على جعل الشعوب تشيخ قبل الأوان.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي