عودة "المباركيزم"؟

عودة "المباركيزم"؟

هناك شريط سينمائي طويل، مرهق وممل أحياناً، وفي غاية الإثارة في أحيان أخرى يدور ما بين عبارتي "ماي نيم إيز حسني مبارك" و"المتهم محمد حسني السيد مبارك". “ماي نيم إيز حسني مبارك” إجابة على سؤال تم توجيهه لمبارك عشية توليه السلطة عام 1981 بعد اغتيال السادات. دار السؤال حينها حول ما إذا كان سيسير على طريق الزعيم جمال عبد الناصر، أم الرئيس السادات؟ لم يستغرق مبارك في التفكير طويلاً وبدا كأنه قد حضر الإجابة مسبقاً، وقال "ماي نيم إذ حسني مبارك" (إسمي هو حسني مبارك) في إشارة إلى أنه سيسلك طريقاً مستقلاً يختلف عن طريق سابقَيه.

وقتها تبارت الأقلام في الصحف التابعة للدولة في الإشادة بسرعة بديهته وفكره المستقبلي الذي كان غير معروف وقتئذ، ولكن جرت العادة أن تُدبج مقالات الإشادة والمديح لإعلان الولاء واستباق النفاق.

في المقابل، كانت عبارة "أفندم أنا موجود" هي التي رد بها على القاضي الذي ناداه بإسمه مجرداً، وهو جالس في قفص المحكمة جامد الملامح في وضع نصف نائم كتمساح عجوز يراقب في كسل وتراخ القاعة التي تحفل بالبشر وصخبهم، وكأن الأمر لا يعنيه، حاله من حال ميرسيو بطل رواية الغريب لألبير كامو Albert Camus الذي جلس في محاكمته غير عابيء لا بالقاضي ولا المحامي ولا ممثل الادعاء ولا الصحافيين الذين غمروه بفلاش كاميراتهم.

ما بين أناس يلعنون عصره وآخرين يترحمون على أيامه ويرون أن الثورة قد أضرت بالبلاد، يقف مبارك اليوم في آخر صورة له مع الصحافية الكويتية فجر السعيد، واضعاً مساحيق تجميل كممثل عجوز تزوره إحدى معجباته في الكواليس. صورة تخفي سنوات من الحكم البوليسي والتكلس السياسي والتأرجح الاقتصادي، وهي تشبه الدور الذي أداه بيتر أوتول Peter O'Toole، الفنان الإيرلندي المشهور في آخر أيامه، لممثل عجوز انصرفت عنه الأضواء، لكنه يتمسك بوضع الماكياج وكأنه لا يزال يؤدي دوراً أمام الجماهير.

هل أصبح مبارك فعلاً خارج الزمان وانتهت أيامه يوم 11 فبراير بالتقاعد القسري عندما خرج عمر سليمان نائبه ومدير مخابراته ليعلن تنحيه عن السلطة وانهيار مشروع تسليم السلطة للوريث؟ يرى الكثير من المحللين أن العكس هو الصحيح، وأن دولة مبارك لا تزال حاضرة بقوة على الساحة السياسية، وأن الدولة القديمة التي أورثنا إياها هي التي تحكم، ذلك أن من يمسك اليوم بزمام الأمور على الساحة هم رجال مبارك!

من عاد اليوم ليبرز ويطفو على السطح ممتلكاً في يده وسائل إعلام مرئية ومقروءة؟ هم رجال مبارك الذين نموا وترعرعوا في كنفه، وكانوا سيوالون إبنه جمال بعد وفاته. إنها شبكة المصالح التي تجمع ما بين لواء سابق أو لاحق في الجيش أو الشرطة، وقاضٍ وضابط مخابرات ورجل أعمال في دائرة كاملة من المصالح التي يحلو للبعض أن يطلق عليها تسمية "الدولة العميقة".

المباركيزم نجح في إطفاء يوفوريا المعارضة التي بلغت ذروتها عام 1981 وانتهت باعتقال السادات لكل رموز المعارضة المصرية، حتى غصت سجونه في اعتقالات سبتمبر بأسماء مثل محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين والشيخ المحلاوي صلاح عيسى ونوال السعداوي وآخرين من مختلف ألوان الطيف السياسي. هذا المشهد الذي شهد اتحاد قوى المعارضة ضد رأس السلطة في مصر قد جعل نظام مبارك يعي الدرس جيداً فيما بعد، ويعمل على دفن المعارضة السياسية بتكنيك الموت البطيء واستخدام ذهب المُعزّ تارة وسيفه تارة أخرى، من محاصرة الأحزاب في مقراتها وتقييدها بعصا القانون قبل عصا الأمن، إلى تجنيد واستمالة وجوه يسارية وليبرالية وناصرية للعمل داخل إطار السلطة.

مشهد المعارضة في مصر كان بين أحزاب تعقد مؤتمرات تحرق فيها الشعارات مثل السجائر، وبين تيار ديني يرفع شعارات أممية وهمية، مثل تحرير القدس والأقصى والبوسنة وأحياناً الأندلس، لتحريك مشاعر الجماهير. ولم تشهد الدولة حراكاً حقيقياً إلا بعد اقتحام الشباب للمعترك السياسي وقلبهم الطاولة رأساً على عقب، على المعارضة والدولة في آن واحد بدءاً من 6 إبريل 2008 تاريخ الانتفاضة العمالية في مدينة المحلة الكبرى المصرية. واليوم بعد انسحاب الإخوان من المشهد وفشل التجربة الديموقراطية التي ولدتها الثورة بحلوها ومرها وإجهاض مشروع التغيير على يد قطبَي الصراع الرئيسيين، العسكر والإسلاميين، عادت الدولة القديمة تطل بوجهها بعد أن دفنته في الرمال قليلاً ريثما تمر العاصفة ويهدأ الصخب.

وكما عايشنا أوبريت “إخترناه” الذي غنته جوقة من خيرة مغني مصر احتفاء بمبارك وتجديداً لبيعته، نسمع اليوم “عايزينك يا سيسي”، الأغنية التي تضم جوقة جديدة بطعم ورائحة مبارك. إعلانات تأييد علاها الصدأ تطالب الفريق السيسي بالترشح، وحملات دعم ومبايعة تغزو المطبوعات والقنوات حاملة ملامح الوجوه القديمة، حيث نسمع الجملة القديمة ذاتها: "ماي نيم إيز حسني مبارك" وإن اختلفت الوجوه فيما بقي المنهج على حاله!

التعليقات

المقال التالي