هل تتوقّف المفاوضات الإسرائيلية– الفلسطينية نهائياً؟

هل تتوقّف المفاوضات الإسرائيلية– الفلسطينية نهائياً؟

في يوليو 2013، بدأت مفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية برعاية أميركية. بعد فترة من التكتم الشديد حول ما يتم التداول به، راحت الأمور تتوضّح خاصة مع ظهور الخلافات بين الطرفين حول الحلول المطروحة للقضايا الرئيسية. بقي 26 يوماً من عمر المفاوضات. الأرجح هو أن يتم تمديدها ولكن، يمكن أن تتوقف نهائياً.

التصعيد الفلسطيني

قبل ثلاثة أيام، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن توقيعه على طلبات انضمام السلطة الفلسطينية إلى 15 منظمة دولية. هي خطوة أولى ستتبعها محاولات للانضمام إلى 63 منظمة دولية. "لم يبق لنا أي خيار آخر"، قال عباس مبرراً قراره الصادر رداً على إعلان إسرائيل عن عطاءات لإنشاء 700 وحدة استيطانية في مستوطنة جيلو في الضفة الغربية.

قبل بدء المفاوضات، تعهد الطرف الفلسطيني بوقف مساعيه للانضمام إلى المنظمات الدولية خلال فترة التفاوض. ولكن أيضاً تعهّد الجانب الإسرائيلي بتجميد حركة الاستيطان. الخطوة الإسرائيلية والخطوة المضادة تأتيان كتنصّل من الالتزامات الضرورية لاستمرار المفاوضات، في ظل مساعي أميركية حثيثة إلى تمديد مهلتها التي ستنتهي في 29 من الشهر الحالي.

مفاوضات على المفاوضات

في ظل الصعوبات الكبيرة التي تعيق التوصل إلى اتفاق حول حل نهائي للصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، فإن معظم ما يرشح عن المفاوضات الجارية يؤكد أن الطرفين يتفاوضان على استمرار المفاوضات أكثر من أي شيء آخر!

آخر فصول الخلاف تلكؤ إسرائيل في إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين بحسب التزامات كانت قد قدّمتها للوسيط الأميركي، والذي كان من المفترض أن يحدث في 29 من الشهر الماضي. يعارض اليمينيون المتشددون في الحكومة الإسرائيلية هذه الخطوة. الفلسطينيون يطالبون بتنفيذها كما يشترطون تجميد الاستيطان للقبول بتمديد المفاوضات. رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الرافض لتجميد الاستيطان، يفضّل إطلاق المزيد من الأسرى للالتفاف على الشروط الفلسطينية، لكن ضمن صفقة تتضمن تمديد مهلة التفاوض.

من هذه التعقيدات ترتسم معالم تسوية تمديد المفاوضات حتى العام 2015 والتي تتضمّن امتناع الفلسطينيين عن القيام بأي خطوات منفردة في الأمم المتحدة، إفراج إسرائيل عن الدفعة الرابعة من الأسرى وعن 400 معتقل فلسطيني إضافي تختارهم هي، إفراج أميركا عن الجاسوس الشهير جوناثان بولارد Jonathan Pollard، وتجميد إسرائيل الاستيطان في الضفة الغربية.

هل توجد خطة أميركية؟

في بداية المفاوضات كان الأميركيون طموحين. أرادوا التوصل إلى "اتفاق إطار" يمهّد للتوصل إلى حل نهائي. اصطدم الأميركيون بواقع الهوّة التي تفصل طرفي الصراع، فقلّصوا طموحهم إلى إنتاج وثيقة مبادئ. يرى الأميركيون أنه ينبغي التوصل إلى تسوية. الوضع الراهن بين الفلسطينيين والإسرائيليين "لن يبقى، إنه وهم"، قال وزير الخارجية الأميركية جون كيري John Kerry، في مؤتمر الأمن في ميونيخ محذراً إسرائيل من سيناريو تعاظم "حملة نزع الشرعية عنها". من ناحيته، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مقابلة مع وكالة "بلومبرغ" Bloomberg الإخبارية: "إذا لم يكن الآن، فمتى؟" مضيفاً "إن الرئيس عباس يكبر في السن. ولا جدال حول التزام عباس باللاعنف وبالعملية السلمية. ولا نعرف كيف سيكون خليفته".

رغم ذلك، لم يستطع الأميركيون إلزام الطرفين بأيّ إجراءات مجدية. تعليقاً على لقاء عباس وأوباما الأخير، قال كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات إنه "خلافاً لما كان متوقعاً، لم نخرج من هذا الاجتماع بوثيقة رسمية يقترحها الأميركيون... ما زلنا في مرحلة المباحثات".

معالم "اتفاق إطار"

أين هم الفلسطينيون والإسرائيليون من قضايا الحل النهائي؟ ما كُشف من مداولات الطرفين يوضح كيفية تفكير كلّ منهما في هذه القضايا. أهم المصادر التي توضح هذه المسائل هي المقابلة التي أجراها الرئيس عباس مع كلّ من توماس فريدمان Thomas Friedman ومدير مكتب "نيويورك تايمز" New York Times في القدس المحتلة جودي رودرن Judi Rudoren، وما نقلته الصحيفة نفسها من كلام أدلى به المبعوث الأميركي مارتن إنديك Martin Indyk خلال لقائه بقادة يهود، إضافة إلى مقالات نشرتها بعض الصحف الإسرائيلية.

حول مسألة الحدود، اتفق الطرفان على أن حدود الدولتين ستنطلق من الوضع الذي كان قائماً قبل العام 1967، على أن تشهد تعديلات عدّة إذ سيتبادلان الأراضي بينهما بشكل يضع كبرى الكتل الاستيطانية (غوش عتسيون، معاليه أدوميم، جفعات زئيف، أرييل، كادوميم، كارنس شومرون ومعاليه شومرون) داخل الدولة الإسرائيلية.

بشكل عام، توافق اسرائيل على الانسحاب من حوالي 90 بالمئة من أراضي الضفة الغربية بعد أن كانت قد وافقت في مفاوضات سابقة على الانسحاب من حوالى 94 بالمئة منها. لا يرفض الفلسطينيون مبدأ تعديل حدود 1967. الخلاف يدور حول تحديد المناطق التي تريد إسرائيل ضمها  وحول كيفية تعويض الفلسطينيين بأراضٍ موازية أو بوسائل أخرى.

يختلف الطرفان حول شروط قبول إسرائيل بشق طريق آمن يصل الضفة الغربية بقطاع غزّة إذ تربط اسرائيل المسألة بالتطورات في القطاع. أما المستوطنون الذين ستقع منازلهم في الدولة الفلسطينية المستقبلية، وهم حوالي 25 بالمئة من المستوطنين، فإنهم سيمنحون مهلة 5 سنوات لتسوية أوضاعهم.

في ما خصّ أمن اسرائيل، تطالب الدولة العبرية ببقاء قواتها في منطقة غور الأردن لسنوات طويلة، على أن يربط سحبها بأداء الفلسطينيين في مسائل الأمن. يعتبر الفلسطينيون هذا المطلب استمراراً للاحتلال، خاصة وأن الإسرائيليين يطالبون بحقهم في مطاردة المطلوبين داخل الأراضي الفلسطينية.

في المقابل، يوافق الفلسطينيون على منح الإسرائيليين مهلة 5 سنوات للانسحاب على أن تستبدل، بعدها، القوات الإسرائيلية التي تنتشر في غور الأردن بقوات تابعة لحلف شمال الأطلسي، وكذلك الأمر بالنسبة لأي منطقة تعتبرها إسرائيل حساسة أمنياً، حتى ولو اقتضى الأمر نشر قوات دولية على كل المعابر الفلسطينية وفي القدس الشرقية.

"لتبق قوات الأطلسي لفترة طويلة، وأينما تريد، ليس فقط عند الحدود الشرقية، بل أيضاً عند الحدود الغربية، في كل مكان، لوقت طويل، وبقدر ما يتمنون"، قال الرئيس عباس حول مستقبل ضبط الأمن على حدود الدولة الفلسطينية التي ستكون منزوعة السلاح. لكن الإسرائيليين يرفضون ذلك! "الجيش الإسرائيلي فقط من يحمينا، وأنا لا أقامر بأمن الدولة اليهودية"، قال نتنياهو.

بالنسبة لوضع القدس، يعتبر الفلسطينيون أن "لا دولة دون القدس الشرقية عاصمة لها" بينما يريد الإسرائيليون الاعتراف بالقدس الكبرى عاصمة لهم. وبالنسبة لهوية إسرائيل يطالب الإسرائيليون الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية، وهذا ما يرفضه الفلسطينيون لأن صياغة مشابهة يمكن أن تمهد لاحقاً لترحيل قسم من عرب الـ48. يرون أن هذا الشرط الإسرائيلي تعسفي، فهم يعترفون بالدولة الإسرائيلية. التعنّت الإسرائيلي أثار غضب جون كيري فقام بتذكيرهم بأن "قضية يهودية الدولة حلت في العام 1947 من خلال قرار الأمم المتحدة رقم 181 والذي يذكر الدولة اليهودية أكثر من 30 أو 40 مرة".

تبقى مسألة اللاجئين الفلسطينيين. لم يعد الفلسطينيون يطالبون بحق العودة. الآن يتحدثون عن "إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين". الرئيس عباس قال مؤخراً إن "حق اللاجئ حق شخصي، وكل لاجئ يختار إما التعويض أو العودة إلى الدولة الفلسطينية، أو إلى دولة إسرائيل أو يبقى مكان مسكنه أو يهاجر، ولكن يبقى فلسطينياً".

بطبيعة الحال لن يعود اللاجئون إلى الداخل الإسرائيلي. يستطيعون العودة إلى الدولة الفلسطينية التي ستولد. وستحلّ مسألة اللاجئين إلى الدول العربية مع هذه الدول. في مقال نشرته مجلة "إيكونوميست" The Economist، قالت الصحيفة: "المؤكد، يقول مسؤولون غربيون، أنه بالسعر المناسب، المقدر حالياً بعشرات المليارات من الدولارات، سيساعد الأردنيون جون كيري في إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر استيعاب 4,5 مليون فلسطيني يعيشون في المملكة". مقابل هذا التعاطي مع اللاجئين الفلسطينيين يقدّم الأميركيون إغراء للإسرائيليين من خلال اقتراحهم التعويض على الإسرائيليين الذين هاجروا من الدول العربية إلى إسرائيل.

الآن، تعثرت المفاوضات. اليمينيون الإسرائيليون المتطرفون المشاركون في الحكومة، أي حزبا "البيت اليهودي" و"إسرائيل بيتنا" وبعض وزراء الليكود مسرورون. سيعفيهم فشل المفاوضات من تحدّي تفجير الحكومة. في الوقت عينه، خرجت أصوات فلسطينية عدّة لتقول بلاجدوى التفاوض مع إسرائيل.

ماذا سيفعل الأميركيون؟ أمام تعقيدات الوضع، على الأرجح سيبذلون مجهوداً ديبلوماسياً ضخماً ولكن ليس للتوصل إلى حل نهائي، بل للاستمرار في المسار التفاوضي. سيعيدون الطرفين إلى دوامة إجراء مفاوضات من أجل المفاوضات.

تاريخ المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية

التعليقات

المقال التالي