تحمّس العرب لأبناء القرم، ولكن ماذا عنهم؟

تحمّس العرب لأبناء القرم، ولكن ماذا عنهم؟

في المواقف من أزمة ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم، انقسم العرب، كعادتهم، بين مصفّق لروسيا وبين مصفق للغرب المتحالف مع أوكرانيا. كلا الفريقين لا يتعامل مع الأزمة لا من منطلق قانوني ولا من منطلق أخلاقي. مواقفهم حول ما يجري بعيداً عنهم تتناقض مع مواقفهم تجاه قضايا مماثلة مطروحة في دولهم أو قريباً منهم.

إشكاليتان من القرم

اعلان


كل العالم تابع الأزمة التي نتجت عن الاستفتاء الذي جرى في شبه جزيرة القرم حول استقلالها عن أوكرانيا ثم عن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوقيع على معاهدة ضمّ القرم إلى الأراضي الروسية. أبعد من مسألة دلالات الاشتباك الدولي على الأرض الأوكرانية، يتضمن فعل القرميين والروس مسألتين في غاية الأهمية.

أولى المسألتين هي أن الحدث يُعيد طرح إشكالية حق تقرير المصير انطلاقاً من الجغرافيا الثقافية المعاصرة، أي من جغرافيا توزّع الأقليات (قومية، دينية...). فمنطقة القرم التي كانت تتمتع بالاستقلال الذاتي داخل أوكرانيا، منذ العام 1995 والتي تتكوّن أغلبية سكانها من السلاف (الروس) قرّرت الاستقلال والعودة إلى كنف الدولة الروسية. 93 بالمئة صوتوا بنعم، أي أن القرار أتى بأغلبية ساحقة. وهنا السؤال: هل يحق للأقليات التي تنشد تقرير المصير والاستقلال عن الدولة المركزيةـ دولة الأكثرية أن تمارس هذا الحق؟ وإذا كان طلب تقرير المصير حقّاً فمن يحق له التصويت؟ أهمْ سكان الدولة أجمعين أم أبناء الأقلية المطالبين بالاستقلال؟ تحديد المستفتين يحسم النتيجة قبل إجراء الاستفتاء. فالأكثريات تكره خسارة أجزاء من الدولة على عكس الأقليات التي تريد حكم نفسها بنفسها بعيداً عن هيمنة الأكثريات. القانون الدولي ليس حازماً حول هذه المسألة. الاعتراف بنتيجة الاستفتاء يخضع لشبكة العلاقات التي تقيمها الأقلية.

أما ثاني المسألتين فهي التساؤل حول مدى شرعية حدود الدول. عندما تشكّل الاتحاد السوفياتي كانت القرم روسية، ولكن في العام 1954، ضمّها الرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشوف إلى أوكرانيا. لم تثر المسألة أيّة مشكلة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. والسؤال هو: هل حدود الدول مقدسة؟ لا شيء في القانون الدولي يتحدث عن قدسية الحدود إلا في حالة حدوث اعتداء خارجي. لا شك في أن فتح المجال لتغيير حدود الدول سيغيّر خارطة العالم وربما ينتج عنه بعض الفوضى. ولكن، هل يحق للأقليات اجتزاء أقاليم من الدولة وإعلان استقلالها. هنا أيضاً لا جواب واضح في القانون الدولي. كل شيء يعود إلى حجم التأييد الدولي للقضية.

مشاكل العرب المشابهة

لا يهتم العرب بهاتين المسألتين رغم أهميتهما بالنسبة لهم. كثيرة هي الدول العربية التي تشهد سجالات داخلية لها علاقة بهاتين الإشكاليتين اللتين تطرحهما مسألة استقلال القرم وضمّها إلى روسيا. لا ينتبه العرب إلى أن تصفيقهم الحماسي الأعمى ربما يرتدّ عليهم في يوم من الأيام.

لنبدأ بمسألة الأكراد. الحلم التاريخي للأكراد هو بناء دولة كردية على أراضي كردستان التاريخية التي تتقاسمها أربع دول: تركيا، العراق، سوريا وإيران. هل يحق لأكراد كلّ من هذه الدول وهم يتوزعون في مناطق ذات أغلبية سكانية كردية تنظيم استفتاءات والاستقلال عن دولهم ثم التوحّد في كردستان؟ من منطلق ديمقراطي، يجب أن يكون لديهم الحق في ذلك. لمن القرار؟ هل هو للأكراد أم هو لمجموع الشعب في كل من هذه الدول؟ على من يقول بحق القرميين في القيام بما قاموا به ألا ينكر هذا الحق على الأكراد!

في سوريا، إلى مسألة الأكراد يمكن الحديث عن مسائل أخرى. هل يحق للعلويين تنظيم استفتاء والاستقلال عن سوريا؟ لشهور عدّة أعطاهم الانتداب الفرنسي دولة خاصة قبل أن يعود ويضمهم إلى سوريا الكبرى. هل يحق لأهالي الجولان تنظيم استفتاء ينضمون بموجبه إلى إسرائيل؟ ماذا عن لواء الإسكندرون (إقليم هاتاي التركي). لفترة قصيرة من الزمن اعتبرته خرائط الانتداب جزءاً من سوريا. هل يحق لأهله تنظيم استفتاء لاختيار الدولة التي يريدون أن ينضمّوا إليها؟ وفي إيران هناك مسألة منطقة الأحواز (إقليم خوزستان الإيراني الذي كان يعرف باسم عربستان). أغلبية سكان هذه المنطقة هم من العرب السنّة وهم يعانون من تمييز ضدهم في إيران رغم أن أراضيهم تحتوي على معظم الثروة النفطية الإيرانية. هل يحق لهؤلاء الاستقلال وتشكيل دولة مستقلة أو الانضمام إلى العراق مثلاً؟

بين دولتي السودان وجنوب السودان تمتد على مساحة عشرة آلاف كيلومتر مربّع منطقة أبيي. حين وقع السودانيون اتفاق السلام، عام 2005، لم يحلّوا مسألة هذه المنطقة التي ينقسم سكانها بين أبناء قبيلة "دينكا نقوق" (يطالبون بالانضمام إلى جنوب السودان) وبين أبناء "قبائل المسيرية" العرب (يطالبون بالانضمام إلى السودان). بحسب اتفاق 2005، تُحلّ مسألة انتماء المنطقة من خلال استفتاء سكانها، لكن الخرطوم وجوبا اختلفتا حول لائحة السكان الذين يحق لهم الاستفتاء. طبيعة هذا الخلاف تعني أن كلاً من الدولتين يريد حسم نتيجة الاستفتاء قبل تنظيمه! منذ فترة، نظم أبناء "دينكا نقوق" استفتاء قاطعه العرب كانت نتيجته مطالبة 99.99 بالمئة منهم بالانضمام إلى جنوب السودان. الاتحاد الإفريقي اعتبر أن هذه الخطوة تهدد السلام. أهملت نتيجة الاستفتاء. إذن المسألة هي فقط مسألة رضى المجتمع الدولي.

كما في جنوب السودان كذلك في الصحراء الغربية. بحسب القانون الدولي، كان يجب أن تكون هذه المنطقة دولة مستقلة، لكن المغرب احتلتها ومنعت الصحراويين من حق تقرير مصيرهم. لا يعترف العالم بضم المغرب للصحراء، لكن الجميع يتغاضى عن هذه المسألة. عملت المغرب منذ العام 1975 على تغيير ديموغرافيا أبناء الصحراء، والآن ولدت مشكلة مستعصية. من يحق له الاستفتاء على حق تقرير مصير الشعب الصحراوي؟ هل هم الصحراويون أم هم سكان الصحراء؟ يختلف طرفا الأزمة.

جنوبيو اليمن، من ناحيتهم، يريدون الاستقلال وفكّ الوحدة اليمنية التي تشكلت بالقوة والعودة إلى ما كان عليه الحال حين انتهاء الانتداب البريطاني، أي إلى توزّع اليمنيين على دولتين. معظم الجنوبيين يريدون الاستقلال. هل لهم الحق في ذلك؟ أم أن مصير اليمن هو مسألة يستفتى فيها كل اليمنيين؟ القضايا المماثلة متعددة. كثيرون يطالبون بالحكم الذاتي، أي بأقل بقليل من الاستقلال. بعض أبناء إقليم برقة في ليبيا ينشدون ذلك. في فترة من الفترات طرح بعض شيعة العراق تأسيس ولاية عراقية شيعية. وفي فترات أخرى تعالت أصوات سنّية تطالب بالحكم الذاتي في بعض مناطق السنّة.

هل ينتبه العرب إلى هذه الإشكاليات؟ أم يظنون أن دعم بعض السياسات الدولية يشبه مسألة تشجيع فريق كرة قدم؟ لنعقّد المسألة قليلاً كي نخرج من سطحية تعاطي العرب مع مسألة القرم. قرر أبناء القرم الاستقلال. ماذا لو بعد حين قرر تتار القرم (حوالي 12 بالمئة من السكان) تنظيم استفتاء خاص بهم؟ هل لهم الحق في ذلك؟ والآن لنعدْ إلى العالم العربي. فرضاً استقل أكراد سوريا، ماذا لو قرّر عرب "غرب كردستان" تنظيم استفتاء خاص بهم؟

يمكن فهم حماسة العرب حول ما يجري في القرم. هي تعكس رغباتهم حول مستقبل علاقات القوة بين الدول الكبرى. لكن قضية حق تقرير المصير مسألة شائكة جداً ولا ينبغي التعاطي معها برعونة. على العرب أن ينتبهوا إلى هذه المسألة وأن يتعاطوا معها من خلال معايير قانونية وأخلاقية لأنها إشكالية لها صلة بطبيعة المجتمعات العربية. في العالم العربي نظائر عدّة لقضية القرم.

التعليقات

المقال التالي