أوباما للسعوديين: نحبّكم ولكن…

أوباما للسعوديين: نحبّكم ولكن…

"سنعزز بعضاً من أهم علاقاتنا في الشرق الأوسط"، قالت مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي، سوزان رايس، تعليقاً على زيارة باراك أوباما إلى السعودية يوم الغد. علاقة الغرام بين القوة العظمى والمملكة تمرّ حالياً بأزمة حادة، وأوباما سيحاول إصلاح بعض ما انكسر.

يختلف التعاطي الأميركي الرسمي مع أزمة العلاقات الثنائية كثيراً عن تعاطي بعض صقور صانعي الرأي معها. الأخيرون يستهزئون بالمملكة. في بدايات المرحلة العلنية للخلاف كتب فريد زكريا في مجلة "تايم" مقالاً بعنوان: "السعوديون غاضبون؟ يا للخسارة!". زكريا ذكّر بوصف وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون للسعودية بأنها "القاعدة المالية الأساسية للإرهاب" ليخلص إلى القول إنه لا يمكن اعتبار غضب دولة كالسعودية مؤشراً على تبنّي أميركا لسياسات خاطئة. رسمياً، أميركا لا تريد أن تتخلى عن علاقتها الاستراتيجية بالمملكة، لذلك يحرص دبلوماسيوها على استخدام لغة ناعمة معها.

الغضب السعودي

كان لافتاً رفض المملكة تسلّم مقعد في مجلس الأمن الدولي في 18 أكتوبر الماضي. القرار السعودي المفاجئ أتى بعد أيام من رفض وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل إلقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة. قال السعوديون بصوت عال: نحن ممتعضون بشدّة. بعدها بأيام، ولكي تكتمل الرسالة أعلن مدير الاستخبارات بندر بن سلطان "أن المملكة تدرس تحولاً رئيسياً عن الولايات المتحدة". تصريحات بندر سرّبها ديبلوماسيون أوروبيون إلى صحيفة "وول ستريت جورنال" ووكالة "رويترز".

أتت هذه التسريبات لتوضح ما هو واضح. السعودية غير راضية عن التعاطي الأميركي مع الأزمة السورية. بندر أشار إلى أن السعودية تفكّر في وقف التعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية بصدد تدريب معارضين سوريين، وأنها ستتوجه إلى تركيز تعاونها مع فرنسا والأردن. رسالة بندر استكملها الأمير تركي الفيصل في مقابلة أجرتها معه "واشنطن بوست" حين اعتبر أن سياسات أوباما تجاه كل من سوريا وإيران "خاطئة وجديرة بالرثاء وباعثة على خيبة الأمل".

شكّل التراجع الأميركي عن توجيه ضربة للنظام السوري رداً على استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة، في 21 أغسطس الماضي، خيبة أمل للسعوديين. كانوا يعوّلون على ذلك كثيراً لإسقاط النظام وإحداث تغيير استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. منذ إسقاط الرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين والسعوديون يرغبون في تغيير نظام الحكم في سوريا بهدف إعادة التوازن الاستراتيجي – الطائفي إلى المنطقة. بعد الانتخابات النيابية العراقية عام 2010، لم تدعم أميركا حليف السعودية أياد علاوي لتسلم منصب رئاسة الحكومة، رغم أن كتلته حصدت أكبر عدد من المقاعد. سقط العراق بين فكّي إيران وتحقق عملياً ما أسماه الملك الأردني بـ"الهلال الشيعي".

مسألة إسقاط النظام السوري حيوية بالنسبة إلى السعوديين. لا يستطيعون الاكتفاء بالمعارضة الناعمة للنظام وبخطوات مثل إغلاق السفارة السورية في واشنطن والقنصليات التابعة لها، والذي اتخذته أميركا مؤخراً. المسألة أعقد من حصرها بعدم الرضى عن شخصية بندر بن سلطان الذي وصفه جون كيري بأنه "مشكلة"، والترويج لفكرة أن حلول الأمير محمد بن نايف مكانه سينهي الخلاف.

كل شيء يدعو إلى الامتعاض

لم يكن السعوديون قد استوعبوا صدمة التراجع الأميركي المذكور حين أتت الصدمة الأكبر. توصلت أميركا إلى تفاهم مع إيران حول قدراتها النووية أواخر نوفمبر. ومن هو الوسيط السرّي؟ إنها سلطنة عمان، عضو مجلس التعاون الخليجي! حدث التقارب الذي يستعصي على السعوديين فهمه مهما قدّم الأميركيون من تطمينات إليهم. فهم لا يخشون فقط من امتلاك إيران قدرات نووية عسكرية، بل هم قلقون من النفوذ الإيراني الذي يصل إلى داخل المملكة نفسها. كانوا يعوّلون على استمرار الخلاف القديم ليصل إلى لحظة تقليم أظافر إيران الخارجية.

قبل هاتين العقدتين، كانت عناصر الخلاف بين الحليفين قد بدأت تتراكم. لم تتلقَّ السعودية بإيجابية "مبادرة الشرق الأوسط الكبير" التي أطلقتها دول مجموعة الثمانية، نيابة عن أميركا، عام 2004، والتي تدعو إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. حينها ظهر الامتعاض السعودي بوضوح. شهرت المملكة سلاح "الخصوصيات الثقافية" وترأست جبهة تضم حليفيها الرئيسين، المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي. حين تغيّرت الإدارة الأميركية كانت السعودية أول دولة عربية يزورها الرئيس أوباما. ولكن من هناك توجّه إلى مصر. وفي جامعة القاهرة ألقى خطابه الشهير الذي قال فيه: "يلازمني اعتقاد راسخ بأن جميع البشر يتطلعون إلى امتلاك قدرة التعبير عن أفكارهم وآرائهم في أسلوب الحكم المتبع في بلدهم... إن هذه الأفكار ليست أفكاراً أميركية فحسب، بل هي حقوق إنسانية، وهي لذلك الحقوق التي سندعمها في كل مكان".

بعد موجة "الربيع العربي" تعمّق الاختلاف في التوجهات. سيف الديمقراطية أسقط حلفاء المملكة، بينما بقي حلفاء إيران صامدين. لا تستطيع السعودية تحمّل هذه الخسائر ولا يبدو أن أميركا تقرأ السياسة الشرق أوسطية في نفس الكتاب الذي تقرأ فيه المملكة. كانت البداية مع مصر. سقط مبارك ووصل إلى الحكم "البعبع" الذي يخيف السعودية: جماعة الإخوان المسلمين. فإذا كانت إيران هي التهديد الخارجي والخطر المحصور في المجموعات الشيعية، فإن الإخوان هم التهديد القادر على الوصول إلى عمق الدول السنّية. وحين تنفست السعودية قليلاً من الهواء بعد 3 يوليو، رأت أن حليفتها أميركا تتجه نحو معاقبة النظام الجديد من خلال امتناعها عن تزويده بطائرات "أباتشي"، في الوقت الذي لم تتردّد في دعم خصمها العراقي نوري المالكي بأحدث الأسلحة لمواجهة حلفاء المملكة في العراق.

خسائر السعودية جرّاء الربيع العربي كانت كبيرة وأميركا لا تعير أهمية إلى الأمر. رحل حليف المملكة في اليمن. أميركا تناكف السعودية قرب حدودها، في البحرين. وفي الملف الفلسطيني، لا تضع أميركا بثقلها كما يجب لحلّ أقدم الأزمات الدولية، ما قد يساعد المملكة من خلال سحب ورقة "القضية الفلسطينية" من أدوات عمل الخصوم.

قلق المملكة على مكانتها

على طريق عودته من قمة يالطا الشهيرة، التي جمعته بستالين ووينستون تشرشل، عام 1945، التقى الرئيس الأميركي تيودور روزفلت، في عرض البحر، بالملك عبد العزيز بن سعود. حينها تم إرساء أسس العلاقة بين الدولتين: السعودية تمد أميركا بالنفط والأخيرة تحمي النظام الملكي. توج اللقاء مسار سنوات من التقارب بدأ بمنح شركة "ستاندارد اويل اوف كاليفورنيا" أول امتياز للتنقيب عن النفط في السعودية، عام 1933، ومرّ بإعلان روزفلت "أن الدفاع عن السعودية يعتبر أمراً حيوياً للولايات المتحدة الأميركية".

المملكة الآن قلقة على قيمتها الاستراتيجية بعد إعلان وكالة الطاقة الدولية أن أميركا تقترب من تحقيق اكتفاء نفطي ذاتي، وأنها ستتحوّل إلى أكبر منتج للنفط عام 2017، خاصة وأن أميركا أعلنت مرّات عدّة أن تركيزها سيكون على شرق آسيا، لا على الشرق الأوسط. في هذا الصدد تستطيع السعودية أن تطمئن إلى حقيقة أن أميركا لن تخرج من المنطقة، فمن مصلحتها الاستمرار في السيطرة على طرق النفط لأن هذا سيمنحها تأثيراً على الدول المستوردة، أي في الأسواق العالمية، ولكنها يجب أن تفهم أن أميركا لم تعد تخشى على نفسها. اهتمامها بالنفط الخارجي سيصير جزءاً من أدوات تفوقها في العالم، لا مسألة أمن قومي.

إذا أرادت السعودية البحث عن حليف استراتيجي بديل أين ستذهب؟ علاقتها بالصين تزدهر وهي تؤمن حوالي ربع احتياجاتها من النفط. روسيا ليست بحاجة إلى النفط، لكنها تستفيد من مبيعات السلاح إلى السعودية. فرنسا فرحة بالأرقام العالية لمشتريات السعودية من السلاح الفرنسي. ولكن ماذا أكثر من ذلك؟ تعرف السعودية أن لا دولة من هذه الدول تستطيع الحلول مكان الولايات المتحدة. ففرنسا إما تنكفئ أوروبياً أو تتمدد حيث يتمدد الأميركيون. لا أمل يرجى من الصين وروسيا، حليفتي النظام السوري العلنيتين والمقربتين من النظام الإيراني. إذن، إما الولايات المتحدة أو لا أحد. أساساً، السعوديون يعتقدون أن أميركا هي العالم، وهي المنظومة الدولية، وإلا ما معنى رفضهم تسلم مقعد في مجلس الأمن اعتراضاً على أميركا؟!

قلق سعودي من الإرهاب

يتخوّف السعوديون من عودة المقاتلين المتشددين من سوريا إلى أراضيهم. لم يمض وقت طويل على التجربة الأفغانية حين عاد الأفغان العرب إلى المملكة وتحدوا نظامها. ولكن ليس لأميركا علاقة بهذه المسألة. إذا عبّر السعوديون عن قلقهم من هذه المسألة يستطيع الأميركي القول لهم: هذا ما جنته أيديكم. أساساً، لأميركا انتقاداتها في هذا الخصوص. بعد اعتدءات 11 سبتمبر ارتفعت الأصوات الأميركية المنددة بـ"دعم السعودية للإرهاب". وثائق "ويكيليكس" كشفت الكثير في هذا الخصوص.

ولكن هذه مسألة مختلفة تماماً عن موضوع جماعة الإخوان المسلمين. لا يستطيع السعوديون الطلب من أميركا محاربة هذا التنظيم الواسع الانتشار، لأنها هي قررت وصفهم بالإرهاب. سبق للملك عبد الله أن استقبل الرئيس المصري السابق محمد مرسي. لا تستطيع أميركا بناء سياساتها بالاستناد إلى مزاجية السعوديين.

سيحاول الأميركيون رأب الصدع اللاحق بعلاقتهم مع السعودية. يستطيعون تقديم تطمينات كثيرة ويستطيعون التأكيد للملكة أنهم سيزودونها بأسلحة متطورة، وهذا ما فعلوه مؤخراً بموافقة البنتاغون على تطوير طائرات الأباتشي الهجومية السعودية. ولكن على السعوديين أن يفهموا المتغيّرات في الشرق الأوسط، وأن ينتبهوا إلى أن خصمهم الإيراني يدسّ أنفه مباشرة في كل الساحات التي يراها مهمة له، على عكسهم هم الذين يريدون محاربة العالم بالوكالة. أميركا مهتمة بالعلاقة مع المملكة، لكنها لن تلعب دور القوة السعودية الضاربة.

التعليقات

المقال التالي