الانتخابات الرئاسية في الجزائر، هل من جديد؟

الانتخابات الرئاسية في الجزائر، هل من جديد؟

تعرف الجزائريون على أسماء المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تجري في 17 أبريل المقبل. خمسة منهم سبق أن خاضوا التجربة السياسية نفسها في مواجهة الرئيس بوتفليقة، في حين دخل مرشح واحد السباق للمرة الأولى، هو عبد العزيز بلعيد البالغ من العمر 51 عاماً، بعدما قضى فترة طويلة من حياته على رأس منظمة اتحاد الشبيبة التي كانت تابعة للحزب الواحد قبل إقرار التعددية السياسية في البلاد عام 1988. المرشحون الستة هم، عبد العزيز بوتفليقة، 77 عاماً، المنتهية ولايته والذي بقي في سدة الرئاسة 15 عاماً، وقام بتعديل مثير للجدل للدستور سنة 2008 حيث ألغى فيه تحديد عدد العهدات الرئاسية ليتيح لنفسه عهدة ثالثة. علي بن فليس،  70 عاماً، كان رئيس حكومة ومن المقربين من بوتفليقة قبل أن يدب الخلاف بينهما في انتخابات الرئاسة عام 2004، ولويزة حنون، 60 عاماً، زعيمة الحزب الوحيد في العالم العربي (حزب العمال) ذي التوجه التروتسكي، وعلي فوزي رباعين، 59 عاماً، المنحدر من عائلة ثورية والذي يرأس حزباً سمّاه عهد 54 نسبة إلى السنة التي انطلقت فيها ثورة التحرير الوطني الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وقد بنى حياته السياسية على أساس الوفاء لقيمها ومبادئها. من نفس الفئة هناك المرشح موسى تواتي، 61 عاماً، الذي عمل طويلاً كأمين عام لمنظمة أبناء الشهداء، وأسس حزب الجبهة الوطنية الجزائرية.

الانتخابات الرئاسية في الجزائر .. هل من جديد؟

اعلان


أسماء المرشحين تكاد لا تحمل جديداً بالنسبة لغالبية الجزائريين الذين تقل أعمار نسبة كبيرة منهم عن الأربعين سنة، وأصغر المرشحين يبدو سابقاً بأجيال لمن بلغ السن القانونية للانتخاب (18 سنة).

يبلغ عدد الناخبين الجزائريين من الجنسين 22.8 مليون شخص بحسب وزارة الداخلية، لكن نسبة كبيرة من هذا العدد ستكون بعيدة عن صناديق الانتخاب يوم 17 أبريل القادم. لطالما كانت نسبة المشاركة المتدنية في الاستحقاقات السابقة هاجساً للسلطات التي تريد أن تحصن شرعيتها من خلال المشاركة الواسعة للناخبين والناخبات. عام 1999، وهي السنة التي تولى فيها بوتفليقة مهام رئاسة الجمهورية للمرة الأولى، لم تزد نسبة المشاركة عن 60.25 بالمئة من إجمالي المسجلين، وتراجعت إلى 58.07 بالمئة في رئاسية أبريل 2004، وفي رئاسية 2009 ارتفعت النسبة إلى 74.11 بالمئة وفيها احتلت المرشحة لويزة حنون المرتبة الثانية بـ600 ألف صوت مقابل 13 مليون صوت تقريباً لبوتفليقة. لكن المشهد السياسي في الجزائر هذه المرة يشهد حركية أخرى تتمثل في سعي فئات واسعة من النشطاء السياسيين إلى منع حصول الرئيس بوتفليقة على عهدة رابعة جديدة، بينما يقول مؤيدوه أنه لا يوجد في الدستور الجزائري ما يمنع الرئيس، المتدهورة صحته، من الترشح لطلب عهدة جديدة من الشعب.

بالرغم من كون رئاسيات 17 أبريل في الجزائر هي الأولى في البلاد منذ بداية ثورات "الربيع العربي"، يبدو أن تأثيرات تلك الثورات لن تكون كبيرة على اختيارات الناخبين. شهدت الجزائر في العامين الماضيين تنظيم انتخابات محلية وبرلمانية بقيت فيهما موازين القوى بيد العائلة السياسية. مع ذلك، لثورات الربيع العربي حضورها الطاغي على الخطاب السياسي السائد في الجزائر قبيل بداية الحملات الانتخابية رسمياً البارحة. يعتبر مؤيدو الرئيس بوتفليقة أن "الجزائر في خطر ويترصدها الأعداء" وهي وسط محيط مضطرب سياسياً، الأمر الذي دفع بالوزير الأول عبد المالك سلال الذي يدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة إلى حد القول إن "البلاد تعيش وسط البراكين". في المقابل، يوظف خصوم الرئيس تداعيات الربيع العربي للقول بأنهم يعطون الجزائر فرصة للتغيير السلمي بدل الدخول في عملية تغيير عنيف ودموي مثلما عرفتها بلدان كثيرة، ويستمر التخويف بشأن ذلك من الطرفين.

عرفت الجزائر حالات قليلة من التداول السلمي على الحكم بين رؤساء الجمهورية، فالرئيس الأول أحمد بن بلة رحل في انقلاب قاده ضده وزير الدفاع هواري بومدين عام 1965، وتم انتخاب وزير الدفاع ليامين زروال في أول انتخابات رئاسية تعددية تعرفها الجزائر يوم 16 نوفمبر 1995 بنسبة 61 بالمئة من الأصوات.

يعتبر عبد العزيز بوتفليقة من أطول الرؤساء حكماً في الجزائر، بفعل الظروف الناتجة عن خروجها من رحى حرب دامية بين السلطة والإسلاميين، وتوظيفه لمسعى الوئام المدني والمصالحة الوطنية التي أنهت تلك الحرب.

كان 12 مرشحاً قد قدموا ملفاتهم للمجلس الدستوري ما بين 24 فبراير و4  مارس الحالي، ولم يتمكن نصفهم من توفير الشروط القانونية المطلوبة للترشح، وعلى رأسها جمع 600 ألف توقيع من الناخبين والناخبات المسجلين على القوائم الانتخابية.

لا تختلف الانتخابات الرئاسية في الجزائر هذه المرة عن مثيلتها التي جرت قبل عشر سنوات والتي كان فيها فريق من الشعب ومن النافذين داخل المؤسسة العسكرية يدعمون المرشح على بن فليس رئيس الحكومة "المتمرد" على بوتفليقة. لكن بن فليس لم يحصل حينها سوى على 600 ألف صوت مقابل ثمانية ملايين ونصف المليون من الأصوات لبوتفليقة، في حين لم تحصل التروتسكية لويزة حنون سوى على أكثر بقليل من مئة ألف صوت.

قالت لويزة حنون هذه المرة أنها تضع نفسها بديلاً ثالثاً أمام الناخبين، رافضة القطبية الثنائية بين بوتفليقة وبن فليس، وقد شجعها حصولها على أكثر من 600 ألف صوت في رئاسيات 2008 على التمركز كقوة على الخارطة السياسية. تخوض حنون الانتخابات الرئاسية للمرة الثالثة على التوالي، وقد عبرت عن تأييد حزبها لبرنامج الرئيس بوتفليقة، لأنها ترى أن "القوى الإمبريالية والشركات العالمية المتعددة الجنسيات تريد أن تنهب ثروات الجزائر الطبيعية" من خلال إيجاد شخصية ضعيفة على قمة هرم الرئاسة. يدافع حزب العمال التروتسكي الذي تتزعمه حنون منذ بداية التعددية السياسية في أواخر الثمانينات عن مكتسبات القطاع العام ويرفض عمليات الخصخصة، وإغلاق المنشآت الاقتصادية والخدماتية العمومية التي جرت أوائل التسعينيات بإملاءات من صندوق النقد الدولي، عندما كانت الجزائر تمر بأزمة مديونية خانقة.

الموالون لبوتفليقة يريدون تكرار سيناريو انتخابات 8 أبريل 2004، من خلال حشد الشعب خلف الرئيس الذي "أعاد لها هيبتها بين الدول" ونجح في "استعادة السلم والوئام المدني من خلال سياسة المصالحة الوطنية". أما خصوم بوتفليقة فيريدون بشتى الطرق عدم تكرار أخطاء التجربة السابقة ويحشدون الولاء لصالح بن فليس، وهو محامٍ وقاضٍ سابق، من مؤسسي الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وسبق أن تولى حقيبة وزارة العدل. أبدت تيارات وأحزاب سياسية من الإسلاميين وشخصيات علمانية تأييدها له، قائلين إنه وجه معروف يمثل الانتقال الهادىء نحو الجمهورية الثانية.

التعليقات

المقال التالي