شط العرب، الصراع على أرض السندباد

شط العرب، الصراع على أرض السندباد

لشطّ العرب رمزية كبيرة في الوجدان العراقي. منه ومن مدينة البصرة المطلة عليه انطلق السندباد في رحلاته المرويّة في كتاب "ألف ليلة وليلة". الفنانون العراقيون غنّوا له كما في الأغنية القديمة التي تقول: "على شط العرب تحلى أغانينا وعلى البصرة كمر ونجوم يا محلى الليالي ومحلى هالسهرة". لكل هذا، يأخد الخلاف الحدودي عليه مع إيران أبعاداً عاطفية.

من التقاء نهري دجلة والفرات يتكوّن شط العرب ويتخذ شكل نهر كبير يسير لمسافة 204 كيلومتر قبل أن يصبّ في الخليج العربي حيث مدينة الفاو. يتفاوت عرض "النهر" الذي يطلق عليه الإيرانيون إسم "أروند رود" فيبلغ كيلومتراً عند مدينة البصرة، ويصل إلى كيلومترين عند مصبّه.

الأزمة الدائمة

بعد زيارة وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري، في فبراير 2014 إلى طهران ولقائه نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، قالت الخارجية العراقية إن النقاش تطرّق إلى قضية شط العرب وأضافت: "إن الجانبين توصلا إلى تفاهمات واتفاقات حول كيفية المضي قدماً وتنفيذها وفق معاهدة 1975" و"إن المباحثات... (تُوجت) بالتوصل إلى توافقات في شأن تحديد الحدود النهرية في شط العرب بشكل يضمن مصالح وحقوق كلا الطرفين من خلال إعادة خط الحدود التالوك إلى سابق عهده". البيان أشار إلى أنه جرى تثبيت هذه التوافقات في مذكرة تفاهم مشتركة سيجري التوقيع عليها في أقرب وقت ممكن.

في السنوات الأولى بعد الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين، كان موقف الحكومة العراقية مختلفاً تماماً. على سبيل المثال، قالت الخارجية، سنة 2007، إن اتفاقية الجزائر تُعتبر ملغاة بالنسبة للحكومة واعتبرت أنه "ينبغي حل جميع المسائل العالقة بين البلدين قبل الخوض في توقيع اتفاقية جديدة أو تفعيل اتفاقية الجزائر".

تغيّر الوضع في العراق. لم تعد قرارات الحكومة تسير على إيقاع رغبات الأميركيين. وصل حلفاء إيران إلى السلطة. في لقائه الرئيس الإيراني حسن روحاني، أواخر عام 2013، دعا رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي إلى تشكيل لجنة في البلدين تتولى عملية حل الإشكالات الحدودية وتطبيق اتفاقية 1975. حينها قال خصوم المالكي إن إيران قايضت دعمها للمالكي بموافقته على اتفاقية الجزائر.

شط العرب أيّام السلطنة

في التاريخ القديم، لا توجد دلائل تاريخية تفيد بأنه كان لإيران سيادة على نصف شط العرب، وفي عهد السلطنة العثمانية كان النهر خاضعاً لسيادتها. تغيّر الوضع قليلاً منذ منتصف القرن التاسع عشر. تلخّص وثيقة بريطانية صادرة عن وزارة الخارجية/ دائرة البحوث/ قسم الشرق الأوسط، عام 1960، ما حصل من تغيّرات. حينها، وبسبب وقوع مناوشات متقطعة بين الأتراك والفرس، قرّرت بريطانيا العظمى وروسيا التدخل وتشكيل لجنة رباعية ضمتهما إلى طرفي النزاع راحت تعقد اجتماعاتها في أرضروم. اقتضى الأمر أربع سنوات لكي يتم التوقيع، عام 1847، على اتفاقية عُرفت بإسم "معاهدة أرضروم".

حددت المادة الثانية من المعاهدة الحدود على الشكل التالي: "تعترف الحكومة العثمانية، بصورة رسمية بسيادة الحكومة الفارسية التامة على مدينة المحمرة (خرمشهر) ومينائها، وجزيرة الخضر (عبادان) ومرساها والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية - أي الضفة اليسرى - من شط العرب التي تحت تصرف عشائر معترف بأنها تابعة لفارس. فضلاً عن ذلك، يحق للسفن الفارسية الملاحة في النهر المذكور بملء الحرية من محل مصب شط العرب في البحر إلى نقطة اتصال الحدود بين الجانبين". في المقابل، تنازلت الحكومة الإيرانية عن كل ادعاء أو مطالبة بإقليم ومدينة السليمانية. كذلك، تم الاتفاق على تشكيل لجنة ترسّم الحدود ولكن الخلافات بين مندوبي الحكومتين التركية والإيرانية أعاقت عمل اللجنة.

عام 1911، تم توقيع بروتوكول في طهران قضى بإنشاء هيئة تركية إيرانية كلّفت بتخطيط الحدود على أن تخضع أيّة نقاط خلافية لمحكمة التحكيم الدائمة في لاهاي. وأمام الصعوبات الناشئة، تدخلت الحكومتان البريطانية والروسية، فكانت النتيجة التوقيع على "بروتوكول القسطنطينية"، في 17 نوفمبر لعام 1913، القاضي بتشكيل هيئة رباعية تقوم بالعمل على أن يتم اعتبار كلّ نقطة يتم الاتفاق عليها "ثابتة طوال الوقت وليست محل ارتياب أو شك أو فحص أو مراجعة".

بالرغم من أن السفير الإيراني قام بتوقيع البرتوكول المذكور، إلا أن وزير الخارجية الإيرانية قال لوزير حكومة المملكة البريطانية في طهران، في 26 ديسمبر 1913، إن الحكومة الإيرانية قد وافقت على قبول تسوية الحدود التي تم التوصل إليها في القسطنطينية، بشرط المحافظة على سيادة إيران وحقوق الملاحة في شط العرب وهذا ما لم يتمّ "بسبب الصياغة السيئة للتعليمات التلغرافية المرسلة إلى السفير الإيراني". رغم الاعتراض الإيراني، واظب مندوب إيران على حضور الاجتماعات وتم التوصل، عام 1914، إلى تحديد للحدود.

وضع البرتوكول "تحت السيادة العثمانية النهر وجميع الجزر فيه" مع خضوع ذلك لشروط واستثناءات أضافت إلى مكتسبات إيران من "معاهدة أرضروم" جزر المحلة وملحقاتها، الجزر الأربع الواقعة بين شطيت ومعويه، الجزيرتان البعيدتان مانقوحي، بالإضافة إلى أيّة جزر تكون عندئذ موجودة أو ربما تتشكل بعد ذلك وتكون مرتبطة عند الماء المنخفض، إما مع جزيرة عبادان أو مع الضفة الإيرانية أسفل نهر نزيلة.

اعتبر الإيرانيون أن بروتوكول القسطنطينية ليس ملزماً لهم، لأنه لم تتم المصادقة عليه لا من الحكومة الإيرانية طبقاً للعرف الدولي، ولا من المجلس التمثيلي بحسب نص الدستور الإيراني. في مواجهة الرأي الإيراني طُرح رأي آخر مفاده أن "البروتوكول" وترسيم الحدود لم يكونا سوى خطوات تم أخذها لتنفيذ المادة الثالثة من معاهدة أرضروم التي تمت المصادقة عليها بشكل رسمي من قبل إيران. أمام هذا السجال، اعتبر المستشارون القانونيون في وزارة الخارجية البريطانية أن بروتوكول 1913 يحتاج إلى مصادقة.

اتفاق الورثة

تحوّلت فارس إلى إيران. تفككت السلطنة العثمانية ونشأت الدولة العراقية وحصلت على عضوية عصبة الأمم عام 1932. انتقلت مشاكل الآباء إلى الورثة. تتالت أعمال الاستفزاز الإيرانية في شط العرب، ما حدا بالعراق إلى عرض المسألة، عام 1935، على عصبة الأمم. لم تحسم المنظمة الدولية المسألة وطلبت من الطرفين المحافظة على "الوضع القائم".

تحركت الديبلوماسيات. أعرب الإيرانيون، في يناير 1937، عن رغبتهم في التوصل إلى اتفاق يعترف ببروتوكول عام 1913 وبترسيم الحدود لعام 1914 شريطة أن يتم التنازل عن امتداد للماء مقابل عبادان بطول 7.7 كيلومتر؛ وأن يبقى شط العرب مفتوحاً للسفن التجارية لجميع البلدان، وللسفن الحربية العراقية والإيرانية. من هذه المنطلقات وقّع الطرفان، في 4 يوليو، "اتفاقية 1937" التي أقرّت بالمطالب الإيرانية وأشارت إلى أن حدود مرفأ عبادان تصل إلى "الثالوك" ("الثالوك" أو "التالوك" Thalweg كلمة ألمانية تستخدم للإشارة إلى خط يمثل أعمق نقطة في وسط مجرى النهر الرئيسي الصالح للملاحة عند أخفض منسوب وحتى البحر). تمت المصادقة على الاتفاقية ودخلت حيّز التنفيذ عام 1938.

نهاية هدنة الأنظمة

في ظل النظام الملكي العراقي احترم الطرفان الاتفاقية التي تم التوصّل إليها. بعد تحوّل العراق إلى جمهورية، راح الشاه الإيراني يطالب بترسيم الحدود في شط العرب بالاعتماد على خط الثالوك. وقعت اشتباكات حدودية محدودة. وبعد سنة من وصول حزب البعث إلى السلطة أعلن الشاه، في 19 أبريل 1969، إلغاء معاهدة 1937، وفرضت إيران أمراً واقعاً على الملاحة في شط العرب على أساس أن خط الثالوك هو خط حدودي. وقعت اشتباكات مسلّحة بين طرفي الأزمة عام 1974. تدخل مجلس الأمن الدولي وأرسل مبعوثاً خاصاً، السفير المكسيكي لويس مينوز، وصدر القرار 348 الذي دعا الطرفين إلى التهدئة والدخول في مفاوضات ثنائية لحل الأزمة.

اتفاقية الجزائر

دخل وزير الخارجية الأميركي هنري كسينجر على خط الأزمة. كان همّه إبعاد النفوذ السوفياتي عن منطقة الخليج وضمان تدفّق النفط، وهذا لا يتحقق إذا ما استمرت الأزمة بين العراق وإيران. ترافق العمل الدولي مع وساطات عربية أدت إلى اجتماع وفدين عراقي برئاسة نائب الرئيس صدّام حسين وإيراني برئاسة الشاه محمد رضا بهلوي في الجزائر. في 6 مارس 1975، أعلن الرئيس الجزائري هواري بومدين في نهاية اجتماعات قمة دول الـ"أوبك" عن توصُّل العراق وإيران إلى اتفاق بشأن حل الخلافات بينهما وتلا بياناً مشتركاً أكّد اتفاق البلدين على "تحديد الحدود النهرية حسب خط الثالوك".

"الشاه لعب بالأكراد طويلاً إلى أن حصل على ما يريد"، قال أحد أعضاء الوفد الفرنسي. "إن الشاه... رأى أن يبيع الأكراد على حافة النهر، ولكنه استطاع أن يحول الصفقة إلى حساب جيد"، قال أحد أعضاء الوفد البريطاني. هذا ما يرد في وثيقة بريطانية لخصت اجتماعاً حول الشرق الأوسط جرى في 26 مارس 1975. ما الرابط بين هذه التصريحات وموضوع شط العرب؟ كانت التنازلات التي قدّمها نائب الرئيس العراقي صدّام حسين هي المقابل لوقف إيران دعمها لأكراد العراق الثائرين ضد النظام، تحت قيادة الملا مصطفى البرزاني، منذ 1961.

وُلدت من رحم اتفاق الجزائر لجنة وزارية ثلاثية عراقية ـ إيرانية ـ جزائرية. تشكلت ثلاثة لجان تتولى مهمات تخطيط الحدود البرية، تحديد الحدود النهرية وفق خط الثالوك، والرقابة على الحدود. وأخيراً، تم التوقيع على "معاهدة الحدود الدولية وحسن الجوار بين العراق وايران"، في بغداد، بتاريخ 13 يونيو ودخلت، هي والبروتوكولات الملحقة بها، حيّز التنفيذ في 22 يونيو  1976.

خلاصة الاتفاقية وبروتوكولاتها حول شط العرب هي الاتفاق على تخطيط الحدود "بصورة نهائية" على أساس خط الثالوك على أن يكون خط الحدود "دائماً ونهائياً لا يجوز المساس به". المادة السادسة منها تضمنت اتفاقاً على طريقة حل أيّة خلافات يمكن أن تنشأ وذلك من خلال المفاوضات، ثم طلب المساعي الحميدة ثم التحكيم ثم التقاضي أمام محكمة العدل الدولية، وتكون قراراتها ملزمة. صار شط العرب ممراً دولياً.

انقلاب صدّام

البعثي القومي العربي، صدّام حسين قدّم لإيران تنازلات لم يقم بها حتى النظام الملكي "العميل للغرب" بحسب أدبيات البعث. مع انتصار الثورة الإيرانية حاول صدّام التنصّل من التزامات العراق. في 17 سبتمبر 1980، أراد لعب دور البطل. على شاشة التلفزيون، قام بتمزيق نسخة عن الاتفاقية وطالب بعودة السيادة العراقية على كامل شط العرب. بعدها بخمسة أيام، أرسل العراق قوّاته إلى داخل الأراضي الإيرانية مفتتحاً أطول حروب القرن العشرين.

انتهت الحرب الإيرانية العراقية. هذه المرّة وجّه صدّام نظره شطر الكويت. لكي يضمن عدم تدخل إيران في حربه الجديدة، أرسل، في 15 أكتوبر 1990، رسالة إلى الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني أكد فيها أن اتفاقية الجزائر ما زالت قائمة وقدّم لإيران تنازلات إضافية، منها تنازله عن جزيرة مجنون.

والآن؟

يُعرب بعض الخبراء العراقيين عن مخاوفهم من العودة إلى الالتزام باتفاقية الجزائر دون أخذ المتغيّرات الطبيعية بعين الاعتبار. تزحف قناة شط العرب إلى داخل الأراضي العراقية لذلك سيؤدي التطبيق الحرفي للاتفاقية إلى خسارة أجزاء كبيرة من الأراضي والمياه العراقية. يقترب خط الثالوك أكثر من البرّ العراقي ما قد يُدخل ميناء خور العميقة النفطي العائم ضمن الحدود الإيرانية. يطالب الخبراء بأخذ المتغيّرات الطبيعية بعين الاعتبار والاسترشاد بمواقع الفنارات الملاحية القديمة لمدخل شط العرب والتي تم تثبيتها في متن اتفاقية الجزائر من أجل ضبط مسارات القناة.

يتعاطى العراقيون مع المسألة بمنطق عاطفي. كثيراً ما يرفعون لواء حجّة أن الحرب تُلغي المعاهدات السابقة عليها! بعضهم يدخل في مهاترات من نوع آخر كالقول إن اتفاقية الجزائر لم تنص على إلغاء ما قبلها، وبالتالي يجب المطالبة بتطبيق اتفاقية 1937! في اتفاقية الجزائر، أقرّ العراقيون والإيرانيون بأنه لا يجوز المساس بتخطيط الحدود. وفي القانون الدولي، من غير المسموح تغيير الحدود عن طريق القوّة.

اتفاقية الجزائر ملزمة للطرفين. من هنا يجب على العراقيين ضمان حقوقهم انطلاقاً منها. "بروتوكول تحديد الحدود النهرية" ينص على "بقاء خط التالوك خطاً حدودياً حتى ولو أدت تغيرات طبيعية إلى تغيير مجرى شط العرب". وينص أيضاً على أنه "ما لم يقرر الطرفان باتفاق مشترك بأن خط الحدود يجب أن يتبع من الآن فصاعداً المجرى الجديد، يجري إعادة المياه، على نفقة الطرفين، إلى المجرى كما كان عليه في سنة 1975 طبقاً لما هو مشار إليه في الخرائط المشتركة". من هنا على العراقيين الانطلاق وإن فشل طريق المفاوضات الثنائية، يستطيعون اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

كلمات مفتاحية
إيران العراق

التعليقات

المقال التالي