قوات الدفاع الوطني، الاستباحة باسم الوطن

قوات الدفاع الوطني، الاستباحة باسم الوطن

لفكرة "الشعب المسلح" ارتباطات إيديولوجية وظيفية بأنظمة الحكم الشمولية إذ يصبح التسلح بطاقة دخول إلى عالم السلطة والهيمنة من جهة، وإعلاناً للتبرؤ من الآخر المختلف والاستعداد لمحاربته من جهة أخرى. وهي تنشأ في أوقات الحروب والأزمات والفوضى العارمة، حينما يتراجع مفهوم المواطن (المدني) وتتضاءل قيمته إزاء حامل السلاح (الوطني).

سوريا ليست استثناءً، وكان من المتوقع أن تتشكل مثل هذه القوى ضمن طغيان مفهوم (من ليس معنا فهو ضدنا) التي روجها النظام السوري. عمل على تجييش مؤيديه (المدنيين) للتغطية على عجز جيشه النظامي، فأطلق مع بدء الحراك الشعبي ربيع 2011 "اللجان الشعبية" أو ما سمي بـ"قوات الدفاع الوطني".

اعلان


قيل يومها إن وجودها ضرورة لمساندة الجيش الذي أصبح عاجزاً عن تغطية جميع المناطق الساخنة. تعد مناطق التواجد المسيحي، العلوي، والدرزي من أكثر الأماكن التي تنتشر فيها اللجان الشعبية، وقد وصل الأمر في بعض المناطق إلى أن يُشترط الانتماء الديني أو الطائفي لقبول الشاب، أو الفتاة ضمن صفوفها.

اليوم، بعد مرور ما يقارب الثلاث سنوات، تتعالى أصوات كثيرة مطالبة بسحب سلاح هذه اللجان، لكونه انحرف عن خطته الأصلية، وبات يستخدم لنهب المدنيين واستباحة المنازل غير المسكونة، وحتى المسكونة أحياناً. ذلك مع زيادة ملحوظة لانتشار تجنيد النساء، لا سيّما أن "صورتين شخصيتين وصورة عن الهوية تكفي لتسليم أي واحد بندقية قيمتها 100 ألف ليرة سورية".

يمكن اعتبار اللجان الشعبية (قوات الدفاع الوطني) تطوراً منظّماً عن ظاهرة “الشبيحة” الأصلية، فحاجة الدولة لضبط عملية القمع، مع طول مدة الثورة، دفعها لتنظيم شبيحتها. إلا أن فرقاً يظهر بين التشبيح الارتزاقي التي ظهر بداية الحراك، وبين النهب المنظم التي يتمتع بإدارة شبه عسكرية. الشبيح العشوائي هو بالأساس مرتزق يتم تجنيده كونه ذي سوابق إجرامية، أو يتعرض للابتزاز من جهاز أمني مقابل إطلاق سراحه، أو هو شخص لا تعنيه أية هوية سياسية. هكذا يتم اختياره، ثم يتم إغراؤه بالمال. ظاهرة اللجان الشعبية المنظمة في المقابل، تعتمد أساساً على ركيزة طائفية أو حزبية متشددة، كما تعتمد على متقاعدين أمنيين وعناصر من الجيش الشعبي.

وفق صحيفة واشنطن بوست The Washington Post، بلغ عدد عناصر هذه اللجان في أغسطس الماضي حوالي 100.000، وهم اليوم أكثر عدداً وتنظيماً بلباسهم الموحد وعملهم تحت إدارة الجيش، حاملين شعارهم الخاص، لهم صلاحيات أوسع، وبإمكانهم نصب حواجز في أي مكان بمباركة حكومية ونظامية علنية.

في منطقة التضامن "جنوب دمشق" يشكل عناصر الدفاع الوطني دولة قائمة بحد ذاتها. بحسب سكان المنطقة، يأمرون ولا بد أن يطاعوا. يركلون بأقدامهم باب أي منزل بحجة التفتيش عن أشخاص مطلوبين، وقد يمنعون أي شخص من الدخول لزيارة ذويه، إذا ما كانوا مشغولين بعملية سطو. لم يتركوا بيتاً إلا واقتحموه ونهبوا كل ما فيه، بدءاً من الطعام مروراً بالثياب وصولاً إلى الأدوات المنزلية، كما أنهم قد يلجؤون لتخريب وتكسير أي شيء يعجزون عن سرقته. تحولت مهمتهم من إعادة الأمان إلى بث الرعب. يمطرون المنطقة برصاص يطول لساعات، ويطلقون قذائف هاون لا تصيب هدفها غالباً بسبب افتقارهم للخبرة العسكرية. عدا ذلك، لهم الأولوية في الحصول على الخبز والغاز والمواد التموينية، كما أنهم يُعفون من دفع فواتير الماء والكهرباء والهاتف.

أ. ز، أحد سكان حي التضامن، قال لرصيف 22 "طردوني وزوجتي وإخوتي من منزلنا، رموا ثيابنا في الخارج، منعونا من دخول المنطقة كلها، واستباحوا دمنا. هذا كله بحجة أن شقيقي الأصغر انضم لصفوف الجيش الحر. وأخيراً، أتوا بعائلة واحد من أهالي اللجان لتسكن مكاننا...".

هناك عائلات كثيرة تشكو انضمامَ أبنائها لصفوف المسلحين، خوفاً على حياتهم، بعد أن فقد الحي الكثير من شبابه، سواء في معارك على الأرض، أو إثر شجارات شخصية، أو حتى بسبب رصاصات طائشة.

تقول السيدة ر.م "فقدنا أخي الصغير بسبب سوء استخدام زميله للسلاح، فإذا برصاصة طائشة تستقر في قلبه وتودي بحياته. بالطبع لم يسمح لنا بالتصريح عن ظروف الوفاة، وقلنا إنه استشهد في معارك ما بين المخيم والتضامن كي يحصل على تعويض الشهيد، وكي لا يُحاسَب صديقه". وبما أنهم (عناصر اللجان) لا يتمتعون بأي رتب عسكرية، فإنهم يحصلون على لقب "الملازم أول شرف" بعد وفاتهم، ليصبح لقب الشهادة أسهل ما يمكن منحه لهم.

إذا انتقلنا إلى حي "جرمانا"، الذي كان من أكثر مناطق الريف الدمشقي سكاناً وتنوعاً طائفياً قبل الأزمة، نجده يحتضن اليوم أعداداً كبيرة من قوات الدفاع الوطني التي تتمتع بسلطات واسعة، لكنها أخف وطأة من بعض المناطق، كونها لا تزال مأهولة بالسكان، إضافة إلى أن مؤسسات الدولة لا تزال تؤدي وظائفها. مع ذلك، يعتبر أهالي المنطقة عناصر الدفاع الوطني سبباً لإمطار مساكنهم بالقذائف وكثرة التفجيرات.

يقول ف.خ بهذا الصدد "هم يطلقون النار أحياناً بشكل عشوائي، ويرعبون المارة. قد يستخدمونه إذا ما عجزوا عن إيجاد مكان لصف سيارة أحدهم، وربما يطلقون النار على محطة وقود كي يحصلوا على البنزين والمازوت، دون أن يلتزموا بالوقوف والانتظار في الدور كباقي المواطنين".

يتساءل البعض عن الجهة التي تمولهم؟ بعد قيام الكثير من الشركات الخاصة بتسريح موظفيها خلال الأزمة بشكل تعسفي، لجأت الحكومة السورية إلى تجنيد عشرات الآلاف لحمل السلاح ومواجهة المتظاهرين في العديد من المناطق، وقد وصل عددهم في دمشق وحدها إلى ما يقارب 12000. أكثرهم ممن لم يكملوا تعليمهم، أو ينحدرون من مستويات اجتماعية متدنية. تم تخصيص راتب شهري لكل عنصر من عناصر اللجان (15 ألف ليرة، أي ما يعادل اليوم 100 دولار) كحد وسطي، بالإضافة إلى صرف مكافآت عندما يحقق بعضهم إنجازات إضافية.

حسب بعض المصادر يتم صرف 180 مليون ليرة (مليون ومئتي ألف دولار) في دمشق وحدها على أعضاء اللجان الشعبية، أي ما يقارب 2 مليار ليرة سنوياً بينما لا يجد خريجو الجامعات أي فرصة عمل لائقة. يشاع بين سكان دمشق، أن عدداً غير قليل من نخبة رجال الأعمال السوريين المقربة من النظام هم من يدفعون الراوتب، وما الحجز على أموالهم ومنعهم من السفر، سوى العقوبة على مشاركتهم في تمويل ما سمي بـ"الجيش الاقتصادي" الذي كُلف بتمويل قوات الدفاع الوطني.

لكن، يبدو أن عناصر اللجان الشعبية لم يبقوا تحت عباءة الدولة والجيش، كما كان مخططاً لدورهم، فقد شهدت بعض المناطق تمرداً من قبل قوات الدفاع الوطني. في أواخر يوليو 2013، عندما بدأت معركة الساحل بهجوم جبهة النصرة على القرى العلوية المحيطة بمدينة اللاذقية وتم القبض على الشيخ "بدر الدين غزال" وإعدامه، جنّ جنون الأسر المقيمة في تلك القرى لعدم تطرق الإعلام السوري لهذه الحادثة، بينما ضج بها الإعلام العربي. دفع ذلك عناصر من الدفاع الوطني لإعلان استياءههم من عدم تمكن الدولة تأمين الحماية اللازمة لرموزهم وأماكن تواجدهم. حينها تم استدعاء عناصر الدفاع الوطني العلويين من العاصمة لتأمين الحماية لقراهم وجرت معارك دامية خرج على أثرها الإسلاميون من هذه القرى. هنا كانت بداية تمردهم باتخاذهم قرارات فردية، دون العودة  للدولة – النظام.

شهدت محافظة حمص بعد "جنيف2"، حادثة عصيان أخرى من قبل اللجان الشعبية الذين رفضوا قرار الدولة إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، حيث قاموا بإطلاق قذائف الهاون على قوافل المساعدات من الأحياء الموالية، الزهراء، عكرمة والأرمن.

مما لا شك فيه أنه في موازاة حديث النظام عن سلاح غير شرعي بيد المعارضة، فإن النظام نفسه يدعم ويسلح جماعات غير شرعية تميل تدريجياً للخروج على القانون، وبمعزل عن النظام نفسه أحياناً. بذلك، يعتبر الحديث عن نزع السلاح حديثاً غير جدي ويفتقر إلى المصداقية، طالما بقيت هذه الجماعات العشوائية موجودة. من اللافت ألا يتطرق أحد إلى الحديث عنها، وعن نزع سلاحها حتى من قبل أطراف المعارضة. في حال أثمرت الحلول السياسية وانتهت الأزمة السورية، ماذا سيكون مصير هذه الميليشيات، ومن سيسيطر عليها بعد أن تمردت على صانعيها؟

كلمات مفتاحية
الميليشيات سوريا

التعليقات

المقال التالي