تونس ما بعد الدستور، التنمية أم الإرهاب؟

تونس ما بعد الدستور، التنمية أم الإرهاب؟

إثر المصادقة النهائية على الدستور الجديد من قبل المجلس الوطني التأسيسي يوم  26 يناير 2014، دخلت تونس طور الجمهورية الثانية، وأثبتت بذلك، للمنطقة العربية خصوصاً، أن هناك طريقاً آخر للتعامل مع الصراعات السياسية يُسمى طريق المصالحة الوطنية، ولكن تبقى التحديات كبيرة وكثيرة، وهي تتوزع بين خطر الإرهاب وارتفاع سقف المطالب الشعبية.

الخروج من عنق الزجاجة

خلافاً لواقع بقية مجتمعات الربيع العربي (ليبيا، مصر، اليمن وسوريا) تمكنت تونس من تجاوز صراعاتها وخلافاتها بين الفرقاء السياسيين، في حين بقيت المجتمعات الأخرى عالقة في خلافاتها السياسية حيناً، والقبلية أو المذهبية حيناً آخر. بالرغم من وعورة الطريق الذي سلكته تونس، إلا أنها أسست لحقبة أخرى مختلفة عن الأولى دستورياً وسياسياً واجتماعياً، تمثلت في صياغة دستور جديد ورفض عملية الإصلاح التلفيقية التي نادت بها بعض الأطراف المحسوبة على النظام القديم.

كان ثمن ذلك التأسيس الإطاحة بأربع حكومات: حكومة "محمد الغنوشي"، ثم حكومة "الباجي قائد السيسي"، ثم بُعيد انتخابات المجلس التأسيسي أسقطت حكومة "الجبالي"، وتلتها حكومة "علي العريض". الحكومتين الأولى والثانية كان على رأسهما سياسيون انتموا إلى الحقبة الماضية، في حين كانت الحكومتان الثالثة والرابعة تابعتين لحركة النهضة الإسلامية. لم تصمد الحكومتان كثيراً أمام تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. الحكومة الخامسة (التي يترأسها السيد المهدي جمعة) كانت حصيلة الحوار الوطني الذي أتى إثر مبادرة أطلقتها بعض منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل للخروج من الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد، منذ 25 يوليو 2013 تاريخ اغتيال الحاج محمد البراهمي عضو المجلس الوطني التأسيسي. ما يمثل نقطة التحول المهمة أو “المعجزة التونسية” هو انسحاب حكومة الترويكا من الحكم، هي التي تملك الأغلبية النيابية، ما يصعب توقع حصوله في بقية مجتمعات الربيع العربي التي تنهشها الصراعات السياسية.

الدستور وما بعده

اتفق الجميع سواء في الداخل أو الخارج، من منظمات مدنية وأحزاب سياسية مختلفة وكذلك الدول والمنظمات الدولية، وأثنوا على قيمة الدستور التونسي الجديد في بناء دولة مدنية عصرية، إذ تضمن عدة بنود تهتم بالحريات العامة وحقوق الإنسان الأساسية والعدالة الاجتماعية، دون أن يخرج عن الهوية العربية الإسلامية والإطار المتوسطي- الافريقي. وعلى إثر المصادقة عليه، جاءت حكومة التكنوقراط غير المتحزبة لتكون على مسافة واحدة من كل الأحزاب السياسية، ولكي لا تتكرر تجربة الماضي. ويلاحظ المتتبع للحالة التونسية الاستثنائية أن الأوضاع بدأت تتحسن تدريجياً وأن الرؤية السياسية صارت أوضح، الأمر الذي منح تونس فرصة الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 506.7 مليون دولار أمريكي لمعالجة عجز جزئي في ميزانية 2014.

هكذا، ارتفعت قيمة العملة التونسية واستقرت الأسعار وأصبح الحديث يتناول ضرورة عقد هدنة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل يتفق فيها الطرفان على أن لا يقع الترفيع في الأجور مقابل عدم الترفيع في أسعار المواد الأساسية، وذلك لتجاوز الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن فترة ما بعد الثورة، والتي تميزت بالسقف العالي للمطالب الشعبية (التشغيل، زيادة الأجور، عدم القيام بإصلاحات هيكلية في الاقتصاد)، والتي من شأنها كذلك إذا لم تتحقق أن تضر بالفئات الفقيرة والمتوسطة.

من جهة أخرى طالبت الأحزاب السياسية والقوى الضاغطة في البلاد الحكومة الجديدة بالإسراع في تنفيذ ما جاء في خارطة الطريق المتفق عليها، وخاصة مراجعة التعيينات الحزبية في أهم مفاصل الدولة التي قامت بها حركة النهضة الإسلامية لفترة سنتين من حكمها، إضافة إلى حلّ بعض المنظمات العنيفة التي برزت على الساحة والمعروفة بولائها الفكري لحركة النهضة. كذلك طالبت الأحزاب والمنظمات المدنية بضرورة إعطاء أهمية للملف الأمني المتمثل في مقاومة الإرهاب، وقد باشرت الحكومة الجديدة بهذا الملف الصعب والخطير، إذ تمكنت من القضاء على 7 إرهابين يعتبرون من أخطر العناصر، والقبض على 4 آخرين متورطين في الاغتيالات السياسية التي شهدتها تونس (اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي)، والهجوم على السفارة الأمريكية، وترهيب الأحزاب اليسارية... وكانت في حوزتهم أسلحة تدميرية كثيرة. رداً على ذلك، قامت المجموعات الإرهابية بقتل بعضٍ من رجال الأمن وأحد المدنيين، لتعيد بذلك السيناريو الجزائري في عقد التسعينيات. ما دفع الملف الأمني ليطفو على السطح، ويضع حكومة المهدي جمعة الجديدة أمام مفارقة صعبة.

هل تهتم الحكومة الجديدة بحل المشاكل الحياتية اليومية والمتمثلة في توفير فرص عمل وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية للمواطن، وهي المطالب التي قامت لأجلها الثورة التونسية، أم يجب عليها أولاً أن تحارب الإرهاب والإرهابيين؟ ثم هل تقدر تونس على مجابهة الإرهاب بإمكانياتها الذاتية، أم أن على المجتمع الدولي التدخل ومدها بالدعم اللوجستي؟ هذا هو السؤال الأساسي، وعلى الحكومة التونسية الجديدة يقع الجواب: أيهما أولاً، التنمية والديمقراطية، أم الأمن؟

التعليقات

المقال التالي