"النموذج التونسي"

"النموذج التونسي"

الدستور التونسي الجديد دليل على "أن الإسلام يتماشى تماماً مع الديموقراطية"، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند François Hollande. "إذا استطاعت تونس إظهار أنّ الديمقراطية والإسلام يستطيعان التعايش معاً، فسوف يكتسب الطريق التونسي أهمية تاريخية وكونية"، اعتبر رئيس البرلمان الألماني نوربرت لامرت Norbert Lammert.

عبارات سريعة مرّت في خطابات السياسيين المشاركين في الاحتفال الذي أقامته رئاسة الجمهورية التونسية لمناسبة المصادقة على الدستور الجديد. منذ نجاح الثورة التونسية وصعود حركة النهضة تتالت الإشارات التي تدلّ على الرضى الفرنسي عن المتغيّرات أو، أقلّه، على عدم الامتعاض منها. فكما قال، قبل سنتين، وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه Alain Juppé: "حزب النهضة في تونس ينتمي إلى الإسلاميين الذين ليس لفرنسا معهم أيّة مشكلة".

اعلان


الثناء على "النموذج التونسي" ليس جديداً تماماً. بُعيد سقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي، زار رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تونس. ذهب ليقول إن"الإسلام والديمقراطية لا يتعارضان" وإنهما "يمكن أن يسيرا معاً". حينها، كان أردوغان مزهوّاً بتمدّد "النموذج التركي". تغيّرت الخارطة السياسية لدول الربيع العربي كثيراً منذ ذلك الحين إلى الآن. "النموذج التركي" نفسه تعرّض للاهتزاز. الآن، من الممكن أن نشهد تصاعداً في الغزل بـ"النموذج التونسي". يحتاج الغرب إلى مثال قابل للمديح ويُستخدم كوصفة قابلة للتعميم حيث تدعو الحاجة، وصفة تُبعد عن الواصف تهمة الإسلاموفوبيا حين يوجّه الانتقادات اللاذعة إلى بعض التيارات الإسلامية المتشددة.

الديمقراطية كآلية حكم

لا يمكن الحديث عن "النموذج التونسي" دون التطرق إلى فكر زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي. مما لا شك فيه أنه صاحب رؤى تجديدية في الفكر السياسي الإسلامي. معه، صارت مصطلحات الديمقراطية، الانتخابات، خيار الشعب، المجتمع المدني، حقوق الإنسان، ترد بشكل تلقائي لا يثير الغرابة في الخطاب الإسلامي "الحديث".

استطاع الغنوشي بناء صورة للإسلاميّ مقبولة من خصومه الإيديولوجيين. لم تكن هذه المهمّة سهلة. لإنجازها لجأ إلى أساليب عدّة. قام بتفكيك التلازم بين العلمانية والديمقراطية (هناك علمانيات ديكتاتورية) وبين الدين والديمقراطية بقوله إن الدين "قد يتخذ أساساً لتسويغ أنظمة ثيوقراطية ديكتاتورية". إذن، كل شيء مرتبط بطبيعة الطرح، علمانياً كان أم إسلامياً ولا يمكن الحكم مسبقاً انطلاقاً من تعميمات.

لم يكتفِ الغنوشي بهذا، بل عمل على بناء إطار فكري توفيقي بين الإسلام والديمقراطية. في كتابه "الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام" ضمّن مفهوم  الديمقراطية احترام "حق الاختلاف" وممارسة الحريات الإنسانية "بشكل علني منظم". واقعيته تظهر في اعتباره أن الديمقراطية "هي جملة من التسويات والترتيبات الحسنة التي تتوافق عليها النخب المختلفة من أجل إدارة الشأن العام بشكل توافقي بعيداً عن القهر وعلى أساس المساواة في المواطنة حقوقاً وواجبات".

هنا ندخل إلى صلب فهم الغنوشي للديمقراطية. هو لا يرى فيها تياراً فكرياً بل ينظر إليها كمجموعة من الآليات التي تساعد في إدارة المجتمع بشكل لا يدفع المختلفين إلى التصادم وتسمح في تسيير شؤون المجتمع على هدى قناعات الأغلبية. وهنا يكرّر الحديث المعروف عن المقارنة بين الديمقراطية والشورى التي تحدّث عنها الإسلام. إذن الديمقراطية هي مجموعة آليات عمل تحقّق الشورى في المجتمع الحديث.

الإسلام المعتدل

في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، يعتبر الغنوشي أن "الديمقراطية ليست أن تختار معارضيك وإنما أن تروض نفسك على الحوار والتفاهم معهم". الأهم من ذلك هو أنه يتحدث عن الحركات الإسلامية كإحدى القوى الاجتماعية الفاعلة ويضعها على قدم المساواة مع التيارات الأخرى وهو بهذا يبتعد عن عموم الحركات الإسلاميّة التي تدّعي امتلاك الحق في مواجهة خصومها الخاطئين. برأيه، الحركة الإسلامية لا تحتكر تفسير الإسلام ولها، إسوة بغيرها، الحق في الدعاية لبرنامجها أمام الحَكَم الأخير الذي هو الشعب، ما يفترض تمتّع الأخير بحرية اختيار ما يستهويه من برامج.

هنا يواجه الغنوشي معضلة يصعب على الإسلاميين حلّها. فإذا كان يقول بمدنية السلطة فهو يقول أيضاً بـ"عُلويّة الشريعة". فماذا لو أوصل الشعب إلى السلطة فريقاً سياسياً لا يقيم اعتباراً للشريعة؟ هل سترضى الحركة الإسلامية بـ"التعدّي" على الشريعة أم أنها ستقول: هذه هي الديمقراطية التي نحترم؟ لا جواب. فالبناء الفكري للاعتدال الإسلامي يفترض أن الحركة الإسلامية ستنتشر، ولكنه لا يلتفت إلى احتمال تراجعها بعد هذا الانتشار!

الرؤية الفكرية المعتدلة التي صاغها الغنوشي تقاطعت مع أفكار العلمانيين المعتدلين. هذا ما يوضحه نموذج الرئيس التونسي الحالي، رئيس حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، المنصف المرزوقي، على سبيل المثال. لم يكن التحالف بينه وبين حركة النهضة تحالفاً تكتيكياً فقط. في كتابه "ابتكار الديمقراطية/ دروس من التجربة التونسية" الصادر باللغة الفرنسية، يتجاوز المرزوقي ثنائية إسلامي ـ علماني التقليدية ليتحدث عن إمكانية الالتقاء مع الإسلاميين الذين تعلموا من تجارب الماضي بهدف صناعة "النموذج الديمقراطي المبتكر".

النموذج الذي يمتدحه الرئيس التونسي لا يتأسس على "استنساخ" الديمقراطية الغربية، بل تتم صناعته محلياً مع الأخذ بالاعتبار الخصوصية الثقافية التونسية. رغم أن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة لم يُعلن القطيعة مع الإسلام، بل كانيتحدث عن ضرورة "عصرنته" إلا أنه لم يستطع، في التطبيق، أكثر من استنساخ الوصفات الغربية. المرزوقي يبحث عن شي آخر يسمّيه "ابتكاراً" وهذا جديد في أوساط العلمانيين.

على يمين النهضة

لا تعاني حركة النهضة من الأحكام المسبقة التي يطلقها العلمانيون الكلاسيكيون فقط. بل هي تتأذّى أيضاً من الإسلاميين التقليديين وخاصة بحُلّتهم السلفية. فـ"جماعة أنصار الشريعة" قامت، خلال الفترة السابقة على الانتخابات، بتوزيع كتيّب عنوانه "صنم الديمقراطية" اعتبرت فيه أن الديمقراطية شرك. كذلك، أعادت نشر فتوى للشيخ السلفي أبو المنذر الشنقيطي يعتبر فيها أن برنامج حركة النهضة مخالف للتوحيد وأن زعيمه "زنديق".

تحدّي الأفكار الإسلامية غير المتوافقة مع الحكم الديمقراطي ليس فقط تحدياً تواجهه حركة النهضة في البيئة الخارجية. حقيقة الأمر أن هذا جزء من سجال داخلي داخل الحركة نفسها حتى أن بعض التونسيين يتحدث عن لغة قيادات النهضة "الحديثة" التي تُشيح الأنظار عن لغة جمهورها التقليدية. كوادر حركة النهضة لا يكوّنون أفكارهم انطلاقاً من كتابات الغنوشي فقط. هم يتكوّنون فكرياً بفعل قراءاتهم التي تتناول كلّ منظري جماعة الإخوان المسلمين ويعيشون كل التجاذبات التي تعرفها هذه الجماعة بين منفتحين ومتشددين.

دستور 2014

كان لافتاً سلوك حركة النهضة خلال المرحلة الانتقالية وخاصة خلال الفترة الأخيرة من الحوار الوطني حول الدستور. قدّمت الحركة التي تمتلك أغلبية برلمانية تنازلات كثيرة من أجل التوصل إلى دستور يحظى بتوافق وطني عليه. لم تتعنّت في المطالبة بالنص على اعتبار الإسلام مصدراً أساسياً للتشريع. اكتفت بتكرار النص الوارد في دستور 1959: "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها". اعتبر زعيمها أنه في الأوضاع الانتقالية لا يمكن الاكتفاء بقرارات صادرة عن الأغلبية المطلقة. "المطلوب ليس فقط أغلبية واسعة تصل إلى الثلثين وتقترب من الإجماع، وإنما تنوّع تلك الأغلبية وتمثيلها لأهم التيارات السياسية والفكرية"، قال.

سلوك النهضة المنفتح أدى إلى خروج أصوات ممتعضة من رحم الحركة نفسها. في إحدى الجلسات اعترض بعض نواب الحركة على ما اعتبروه تعدياً على الدين الإسلامي في نص الدستور على "تحجير (تجريم) التكفير". كذلك فعل رجال دين عدّة. شاركهم اعتراضهم النائب إبراهيم القصاص، وهو ليس إسلامياً، بـ"عرض كوميدي" أدى إلى إيقاف عمل المجلس لبعض الوقت! وبعد الاتفاق على الدستور، قال النائب في المجلس التأسيسي والرئيس الأسبق لحركة النهضة، الصادق شورو، إن الدستور الجديد "جاء ليرضي كل الأطراف الداخلية والخارجية إلا الشعب" واعتبر أن أطرافاً من خارج المجلس تدخلت في عملية إقراره، فشوّهته وأدت إلى ولادته "ميتاً".

هل "النموذج التونسي" صلب؟

في كتابه "الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام"، يقول الغنوشي لخصومه: "ما ينبغي أن تصل بالبعض الروح العدمية إلى حدّ تفضيل نظام دكتاتوري زهداً في ديمقراطية ناقصة". وكأنّه يعترف بأن الديمقراطية على الطريقة الإسلامية ستبقى ناقصة بنظر غير الإسلاميين. رغم ذلك هو ينتقد ميل بعض "عتاة" العلمانية نحو تأييد الديكتاتوريات العسكرية "نكايةً" بالإسلاميين.

في الكتاب نفسه، يعتبر الغنوشي أن الحركات الإسلامية تطورت في اتجاه الديمقراطية وسط مناخات قمعية، ويتساءل: "كيف لو كانت تعيش في مناخات نقية؟". يصحّ طرح هذا السؤال نفسه على الإسلاميين أيضاً. كيف سيكون سلوك الإسلاميين "في مناخات نقيّة"؟

نجحت الحركات الإسلامية المعتدلة في بلورة مفاهيم ديمقراطية تتناسب مع صعودها، أي تتناسب مع كونها معارضة تناضل للوصول إلى السلطة. ولكن... ماذا بعد وصولها إلى السلطة؟ هل ستتقبّل فقدانها مجدداً؟ إذا قبلت بالديمقراطية وما يُمكن أن يترتّب عليها، كيف ستبرّر انكفائها عن السلطة؟ كيف ستبرّر تخليها سلمياً عن السلطة لفريق قد لا يحترم إلزامات الشريعة؟ لا أظنّ أن الحركات الإسلامية قد توصلت إلى حلّ لهذه المعضلة.

أمر آخر لا يمكن تجاهله. قبل مرحلة التوافقات السياسية التونسية التي أثمرت تخلي النهضة عن رئاسة الحكومة والاتفاق على دستور للبلاد، كانت الحركة تتبع سياسات متشدّدة، أقلّه مقارنة بانفتاحها في الأشهر الأخيرة. لا شك في أن السيناريو المصري كان حاضراً في ذهن النهضويين. انفتاح النهضة مرتبط إلى حد بعيد بإسقاط الإخوان المسلمين في مصر.

وهنا نصل إلى معضلة الحركات الإسلامية الإخوانية. هذه الحركات تنحو نحو الاعتدال حين تكون في خطر وتتجه نحو التشدّد في لحظات القوّة. لا شك في أنها تطوّرت كثيراً واستفادت من قراءاتها للأخطاء التي وقعت فيها في الماضي. ولكن يبدو أن ميزان اجتهادها لا زال، حتى اللحظة، يعمل على إيقاع موازين القوى. فهل يتجاوز "النموذج التونسي" هذه المعضلة؟

كلمات مفتاحية
الثورة التونسية

التعليقات

المقال التالي