عندما كان بشار الأسد هو الشعب!

عندما كان بشار الأسد هو الشعب!

التاريخ: 28/5/2007. طبيعة الموضوع: "شؤون محلية". الناشر: "صحيفة الثورة". العنوان: "الجماهير: صوّتنا للأمل والمستقبل". هو موضوع من 2645 كلمة فقط لا غير نُشر بمناسبة الاستفتاء على التجديد للرئيس السوري بشار الأسد. موضوع "عادي" كان السوريون يقرأون المئات مثله. رغم ذلك، هو يُفسّر كل ما كان يحصل هناك!

الرئيس المؤلّه!

"تحولت مدن الوطن أمس إلى لوحة لوّنتها أطياف المجتمع بشرائحه المختلفة فأظهرت للعالم سورية القوية بإرادتها... بصمودها... بتضامن الجماهير حول قائدٍ وعد فوفى، يرفع هامات أبناء الأمة عالية بمواقفه المشرفة، بذر الأرض بالخير فغمرت السهول والتلال بالغلال ولهذا صوت أبناء الوطن لأنفسهم، صوتوا لقائد أحبوه مؤكدين أن السنوات السبع القادمة هي سنوات لمتابعة بناء سورية الخير والعطاء". هكذا يبدأ الموضوع!

لم تنقضِ أربع سنوات من هذه السنوات السبع حتى بدأت الثورة السورية. هناك أمر غريب. نزول السوريين وتصويتهم بـ"نعم" على الاستفتاء حول التجديد للرئيس هو أمر وقع وليس كذبة. كيف تحوّلت الأمور بهذا الشكل الدراماتيكي؟ يقول البعض: إنها المؤامرة أو إنها اليد الخارجية التي عبثت بمنزل "العائلة السعيدة". ولكن هذه التفسيرات لا تُسمن ولا تُغني عن جوع. أبعد من فرضية الآلة الأمنية ـ القمعية التي تجبر الناس على التصرّف على عكس ما يريدون، لم يكن من الممكن أن تستمر علاقة السلطة بالمواطنين على ما كانت عليه.

قراءة الموضوع المنشور في صحيفة "الثورة" تكشف عن مكامن الخلل في بنية السلطة السورية. لا يظهر الرئيس السوري كقائد شعبي عادي. هو، في الصورة التي ترسمها صحافة السلطة عنه، أكثر من هذا بكثير. هو ليس من صنف البشر العاديين. صفاته تسمو إلى مرتبة شبيهة بمرتبة الإله: يبذر الأرض بالخير فتُغمر السهول والتلال بالغلال!

"السنوات القادمة ستشهد مزيداً من العطاءات"، قال وزير المالية، الدكتور محمد الحسين. "إن كلمة نعم للسيد الرئيس بشار الأسد هي نعم للعطاءات في مختلف المجالات"، قال علي أحمد منصورة محافظ السويداء. "العطاءات التي عمّت في عهد السيد الرئيس شملت جميع مناحي الحياة"، قال وزير الزراعة والإصلاح الزراعي عادل سفر. كل مناحي حياة السوريين كانت تتوقف على "عطاءات" الرئيس تماماً كما في الميثولوجيات الإغريقية!

بحسب صورة السلطة كما ترسمها هي، بواسطة إعلامها وأزلامها، عن نفسها، لا يحق للمواطنين مساءلة الرئيس عن سياساته. أساساً، هم في عرف السلطة "جماهير" لا مواطنون. دورهم في لعبة السلطة يقتصر على الهتاف بحياة الحاكم. لم يكن رئيس الجمهورية رئيساً عادياً كما قد تُفهم الكلمة في الجمهوريات الأخرى. هو نوع من الملوك التقليديين المُتعالين عن المحكومين. لذلك تتردّد كلمة "عطاءات" حين الحديث عن السياسات التي يتبعها الرئيس. هكذا يكون كل ما يتوفّر للناس نوعاً من صدقة أو حسنة تكرّم بها الملك ـ الرئيس، لا حقّاً من حقوقهم.

الشعب شاكر النعمة!

ما هو دور الشعب؟ دور الشعب، في صورة السلطة عن نفسها، هو دور المتلقّي السلبي. كونه يتلقّى "العطاءات"، عليه أن يقدّم الطاعة لـ"باذر الأرض بالخير". حصْرُ دور الشعب بكونه متلقّياً سلبياً كان أمراً بديهياً يتكرر في الأحاديث العادية. الشعب جدّد للرئيس لأن "الشريحة الأكبر من أبناء شعبنا لن تنسى عطاءات سيد الوطن وكرمه معها"، قالت الصحافية هناء ديب.

"اليوم الوطني الذي يتلاحم فيه القائد والشعب"، بحسب وصف محافظ السويداء لنهار الاستفتاء، هو مناسبة لشكر الرئيس ـ المؤلّه على نعمته. شكر ونقطة على السطر! لنأخذ الفلاحين مثالاً. نصّ المقال يتوسّع في الحديث عنهم. لماذا صوتوا بـ"نعم"؟ الجواب: "خلال السنوات السبع الماضية حصلت هذه الشريحة الهامة على عطاءات وإنجازات كثيرة من استصلاح للأراضي وإعفاءات من بعض الديون وتأمين كل مستلزمات الانتاج وتخفيض أسعار الكهرباء للمزارعين وغيرها الكثير...". صوّتوا بنَعَم لأنهم من شاكري النِعَم أو باختصار، كانت "الطبقة العاملة تردّ الدين بكلمة نعم"، بحسب تعبير رئيس اتحاد عمال محافظة دير الزور. الرئيس يتصدّق على الشعب والشعب يشكر. هكذا كان مفهوم السلطة للعملية الانتخابية.

أكثر من ذلك، كان يتم تصوير مسألة التجديد للرئيس كخدمة يؤديها الشعب لنفسه! في لحظة الاستفتاء، يتم تجهيل الحدود بين الحاكم والمحكوم لأن ترسيمها سيكسر الصورة التي تعمّمها السلطة عن نفسها. لا يجدد الشعب للرئيس لأنه راضٍ عن سياساته. لا. بل هو، كمُمتنّ له على عطاءاته، يخدم نفسه بالتجديد له!

هذه التتمّة لصورة السلطة عن نفسها هي شرط أساسي لكي يبقى مفهوم السلطة يتحرك في اتجاه واحد: من الأعلى إلى الأسفل. شروط اللعبة كانت معممة. يخرج رئيس اتحاد الفلاحين في محافظة دير الزور ليقول: "إن كلمة نعم التي كتبتها الزنود السمر بدمائها تعني بأننا قلنا لأنفسنا نعم". وزير الزراعة عادل سفر يتحدّث عن "تلاحم القائد والشعب". عضو القيادة القطرية لحزب البعث، بسام جانبيه، يلاحظ "إجماعاً شعبياً منقطع النظير إلى درجة التماهي ما بين القائد والشعب".

download (1)

بركة السماء

في إدلب، "وبهذه المناسبة العظيمة، قرعت أجراس الكنائس بقوة وتعانق (صوت الأجراس) مع مكبرات الصوت بالمساجد معلنة كلمتها... وعاش المواطنون فرحة عارمة". ها هو الـ"كليشيه" الخاص برواية العيش المشترك التي لطالما تغنّى بها النظام السوري.

كان النظام يستلب المجتمع. كان يمنع كل علاقة أفقية بين المكونات الاجتماعية. العلاقة الشرعية الوحيدة كانت علاقة ذات مسار واحد: من النظام باتجاه الناس. حتى العلاقة العكسية كانت ممنوعة. تصريحات رجال الدين تُبرز "وفاء الطوائف" لهذه العلاقة. مفتي الجمهورية الدكتور أحمد بدر حسون قال، محتفلاً بالتجديد للرئيس الأسد: "سورية التي باركتها السماء ودمشق التي خطت فيها أقدام الأنبياء تعلّمان العالم الوفاء لشابّ وهب عمره وشبابه ليقول لأبناء وطنه أنا معكم... لذلك نصوت اليوم جميعاً لأنفسنا... لو وضعت هذه الصناديق في العالم العربي لامتلأت بكلمة واحدة: نعم لك". ومن الجهة الأخرى، يصف المطران هيلاريون كبوتشي الأسد بأنه "إنسان حباه الله بصفات هي بالدرر الثمينة... فهو شاب مثقف ومتواضع وتحلى بحكمة الشيوخ وهمة الشباب... سورية نهضتها مستمدة من الله والرئيس الأسد الشجاع". وطبعاً، لا ينسى كبوتشي أن "يشكر للرئيس التضحية"!

الأسد رئيس الأمة

كان الرئيس الأسد، بحسب روايات إعلام السلطة، أكبر من سوريا. كان مصدر فخر للسوريين. كان على السوري أن يقول بينه وبين نفسه: "شكراً يا ربّي لأنك جعلتني محكوماً من بشار الأسد". نائل محفوض، رئيس محكمة النقض وعميد المعهد القضائي، اعتبر أن "هذه الـ(نعم) ليست ثلاثة حروف وإنما هي بحجم الأمة بكاملها". كيف لا و"السيد الرئيس تجاوز كونه رئيساً لسورية فأصبح زعيماً للأمة العربية"، على ما رأى أنس الزين، نائب رئيس محكمة النقض ومدير إدارة التشريع بوزارة العدل. "إن الشعب السوري يختار القائد الأسد أصالة عن نفسه ونيابة عن الأمة العربية فهو روح المقاومة العربية والجماهير في كل مكان"، بحسب الزين.

"بشار الأسد جسّد الإرادة العربية". "سياسته الحكيمة وتوجيهاته تخدم العرب جميعاً وليس سورية فقط". تعابير مختلفة على ألسنة أشخاص عدّة ولكنها مشاهد من رواية واحدة كان يتولّى مهمّة تسويقها وتنسيق تسلسل أحداثها "حملة القلم"، أي صحافيو النظام. ومن ضمن مهام هؤلاء كان بقاؤهم متأهبين للـ"التصدي للحملات الإعلامية الخارجية التي تحاول النيل من سورية".

الشعب يريد بشار

ماذا عن سلوك المواطنين السوريين في يوم الاستفتاء؟ في إدلب "عقد المواطنون في مراكز الاستفتاء حلقات الدبكة والرقص الشعبي". "أبناء حلب الشهباء" أحيوا المناسبة بـ"أعراس جماهيرية"، و"عُقدت حلقات الدبكة والرقص الشعبي" احتفالاً  بـ"أمل الأمة وصانع أمجاد حضارتها". في ريف دمشق غنّى الناس: "رش الورد وعطر الورد ما بدنا إلا بشار‏/ سورية الأسد حرة روضة دايماً للأحرار".

هكذا تكلّم إعلام النظام. ليست كل الوقائع مختلقة بالتأكيد. صحيح أن سرد المجريات ينحو نحو التعميم وتغييب أي استثناء، في قراءة شمولية للحدث، ولكن فعلاً هكذا كانت الأمور، إلى حد بعيد، في سوريا. ما الذي جرى. مؤامرة؟ حتى المؤامرة لا تستطيع أن تبني تآمرها على فراغ. ماذا حصل إذن؟ ببساطة، أراد الشعب أن يتجاوز سلبيته. أراد أن يطالب بـ"حقوق" لا بـ"عطايا". وهنا، ولهذا بالذات، انفجر النظام السوري.

التعليقات

المقال التالي