إيران وسوريا... تناقضات الحليفين

إيران وسوريا... تناقضات الحليفين

النظام السوري صامد بفضل الدعم الإيراني قبل أيّ شيء آخر. الحلف القائم بين هاتين الدولتين أثبت فعاليته ميدانياً. ولكن هذا التحالف بين "نظام علماني" و"دولة دينية" يتأسّس على تناقضات كثيرة حول رؤية كلّ من طرفيه للإسلام السياسي والدور المفترض به أن يلعبه في "الربيع العربي".

منذ انتصار ثورة 1979، رفع النظام الإيراني راية الإسلام السياسي. تحت هذا الشعار حاول التمدّد في الدول العربية باحثاً عن حلفاء تجمعه بهم روابط العقيدة الدينيّة. اصطدم بالعائق المذهبي ولكنه لم يكلّ يوماً عن إطلاق المبادرات التي تسعى إلى إحداث خرق في هذا الجدار.

يد القدرة الإلهية

في بدايات حراك "الربيع العربي"، رحّب الإمام علي الخامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، بالمستجدّات. اعتبر أن إرهاصات التغيير تبشّر بتحقيق "أمنية كلّ المسلمين في إيران والدول الأخرى في العالم". قرأ التطوّرات انطلاقاً من "حضور الجماهير المسلمة في الساحة والشعارات الإسلامية التي تطلقها". اعتبر أن هذين العنصرين هما أهم عناصر التطورات الجارية في المنطقة معولاً على "أن المسلمين هم صلب شعوب المنطقة ولهذا السبب فإن الشعارات الإسلامية ظاهرة وملموسة في التطورات الجارية".
استشعر الإمام قدرته ونظامه على طرح نموذج الثورة الإيرانية كنموذج يستلهمه الشباب المنتفضون. "عندما تتواجد الجماهير في الساحة كما حدث في إيران قبل 32 عاماً فإن يد القدرة الإلهية ستعزز إرادتها وعزمها وتجعل انتصارها حتمياً"، قال. حاول الخامنئي قراءة المشهد مستخدماً "شيفرة" ماورائية. أكّد أن "الشعوب هي المنتصرة في ظل الدعم الإلهي لإرادتها وستنجح في هزيمة الحكام المستبدين الفاسدين والعملاء وأميركا... وهذا هو تحقيق الوعد الإلهي... هذه هي الحقيقة الباعثة على البهجة".

إنها "الصحوة الإسلامية"

ما أجمع كثيرون على وصفه بأنه "الربيع العربي" قرّر الخامنئي تسميته بـ"الصحوة الإسلامية". اعتبر أن "هذه الحركة هي صحوة حقيقية وكذلك إسلامية وإنها جاءت نتيجة العبر الكثيرة والفهم العميق والهمم العالية للشعوب العربية خلال سنوات عدّة. ومن هذا المنطلق فإن وصف هذه الحركة بأنها ربيع عربي هو وصف قاصر". "إن ما نشهده اليوم هو خروج للإسلام من الهامش واضطلاعه بدور في المعادلات. إن الرجعيين والمستكبرين لا يريدون حتى التلفظ بمصطلح الصحوة الإسلامية"، قال.

من هنا راح آية الله يغدق نصائحه على الشباب المتجمعين في الميادين. أخبرهم أنه يجب "الاهتمام الجاد بدور الدين والإيمان بالله سبحانه وتعالى وبالمعارف القرآنية في الصحوة الإسلامية" وأكّد لهم أن "النهضة التي تستند إلى الإيمان الديني ستكون خالدة ومصانة من أيّ أذى". توقّع الخامنئي تواصل هذه الحركة "وتغيّر تاريخ الأمة الإسلامية إن شاء الله"، فـ"الصحوة الإسلامية قائمة في المنطقة ولن تنتهي على الرغم من محاولات الاستكبار، وإنها ليست مجرد حدث سياسي يأتي ويذهب بمجيء ورحيل بعض الأشخاص". مرشد الثورة أضاف: "إن أبعاد الصحوة الإسلامية ممتدة لأكثر من صعيد ومكان وستكون بداية لمعجزات... تجربة الثورة الإسلامية في إيران باتت في متناول شعوب العالم".

القومية العربية هي الحلّ

في اللغة الخطابية التي يستخدمها، يقف النظام السوري على موقف نقيض مع تطلّعات حليفه الإيراني. فالرئيس السوري بشار الأسد يعتبر أن "القومية (العربية) هي العقيدة الأشمل التي تستوعب مختلف الأطياف والاتجاهات في مواجهة الغزو الفكري والثقافي الهدام الذي يستهدف مجتمعاتنا العربية". يرفض الرئيس السوري "القبول بوجود أحزاب دينية" ويعتبر أن هكذا أحزاب ستؤدي إلى "تفتيت سوريا" كما أنه يرفض "خلط الدين بالسياسة".

الاستثناء السوري!

هكذا نلاحظ التباين بين الحليفين والمتأسس على اصطفافات قديمة عرفتها الدول العربية بين الإسلاميين والعروبيين. إيران تجد نفسها قريبة من "أعداء" حليفها السوري.

عندما وصل الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي إلى سدّة الرئاسة، وجّه إليه ناشطون إيرانيون معارضون رسالة نصحوه فيها بعدم إقامة نظام ديني معللين نصيحتهم بالمصير الذي آل إليه الشعب الإيراني بسبب تحكم نظام ولاية الفقيه في تفاصيل حياته. هؤلاء الناشطون وصفهم الدكتور علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق والمستشار الأعلى لمرشد الثورة، بأنهم "عناصر منافقة معادية للثورة الإيرانية". لا غرابة في ذلك وخاصة إذا ما علمنا أن ولايتي كان قد شارك في رسالة إلى مرسي تدعوه إلى العمل على إقامة نظام ديني في مصر.

 في أحد اللقاءات، أكد ولايتي عمق الارتباط بين النظام الإيراني والإخوان المسلمين.  "نحن والإخوان أصدقاء، ونقوم بدعمهم، وهم الأقرب إلينا عقائدياً بين كافة الجماعات الإسلامية"، قال.

الرئيس السوري بشار الأسد يمتلك نظرة مختلفة تماماً حول الإخوان المسلمين. "الإخوان جماعة إرهابية في سوريا والنظام حاورهم آخر الثمانينيات وأثبتوا عدم جديتهم في العودة لحضن الوطن"، أكّد لافتاً إلى أنهم "أكثر إرهابًا من قبل". على الخط نفسه، وفي "رسالة مفتوحة" إلى النواب الأميركيين، اعتبر رئيس مجلس الشعب السوري جهاد اللحام، أن "المحرّك الأساسي للجرائم الفظيعة التي ارتكبت في 11 أيلول هو الفكر الوهابي الجهادي الذي احتضنه وموله السعوديون" وإن "الكراهية الوهابية الجهادية ولدت من رحم العقيدة الجهادية للإخوان المسلمين".

للقفز فوق هذا التباين الكبير، قرّر الإيرانيون استثناء سوريا من فعل "يد القدرة الإلهية"! كل شيء يختلف مع الاقتراب إلى الساحة السورية. هنا يصير الحليف خصماً. فمنذ البداية رسم النظام الإيراني خطاً سياسياً متناقضاً. في يونيو 2011، وصف الخامنئي الثورة السورية بـ"النسخة المزورة للثورات العربية" مؤكداً دعم إيران  للأسد. هكذا يقضي تفضيل الإيرانيين للتحالف مع قريبهم المذهبي على السردية الإيرانية الإسلامية العامة.

نظريتان إلى مصر

منذ اندلاع الانتفاضة المصرية ضد نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، راح الإيرانيون يتحدثون عن "الصحوة الإسلامية" قاصدين مدّ نفوذهم إلى ساحات الانتفاضات.

أحداث 3 يوليو 2013 وقلب حكم الإخوان المسلمين لم تسعد الإيرانيين. كيف قرأوها؟ "لو رُفع شعار محاربة إسرائيل في مصر، ولم يتم الإصغاء إلى الوعود الأميركية، لما كان بالإمكان الآن إطلاق سراح الديكتاتور أو احتمال تنفيذ حكم الإعدام بمن فاز برأي الناس"، قال الخامنئي مشيراً إلى أن الحكومة المصرية فقدت تأييد كثيرين بسبب عدم التزامها بالثوابت والأصول. لمعرفة ما هي هذه الأصول يمكن الذهاب إلى خطاب آخر للمرشد الأعلى ينوّه فيه بقيام الشعب الإيراني، بعد انتصار الثورة، بـ"اقتلاع جذور المستكبرين في الداخل". في الخطاب نفسه، انتقد الخامنئي ضمنياً الإخوان المسلمين. قال: "على النقيض من بعض الدول، لم يترك الشعب الإيراني هذا العمل ناقصاً في منتصفه ليعاني من تبعاته". إذن، برأي الإمام، فشل إخوان مصر لأنهم لم يطبقوا الديكتاتورية الدينية بدرجة كافية.

القراءة السورية لسقوط الإخوان في مصر متناقضة تماماً وتذكّر بالتباين الإيراني ـ السوري حول انتشار الإسلام السياسي في المنطقة. الرئيس السوري بشار الأسداعتبر، في حوار مع صحيفة الثورة، أن ما جرى في مصر هو "سقوط لما يسمى بالإسلام السياسي". الأسد أكّد أن "من يأت بالدين ليستخدمه لصالح السياسة أو لصالح فئة دون أخرى سيسقط في أي مكان في العالم." "لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت" قال، مضيفاً أنه "بعد عام كامل تكشفت الصورة للشعب المصري وساعدهم أداء الإخوان المسلمين بكشف الأكاذيب التي نطق بها الإخوان في بداية الثورة الشعبية في مصر."

الفشل الذي عزاه الخامنئي إلى قلّة الديكتاتورية عزاه الأسد إلى كون "هذا النوع من الحكم لا يتوافق مع طبيعة الناس و (إلى) أن مشروع الإخوان هو مشروع منافق يهدف حقيقة إلى خلق فتنة في العالم العربي والفتنة لا يمكن أن تستمر في مجتمعات واعية." في القراءة الإيرانية فشل الإخوان تكتيكياً. في القراءة السورية فشلهم كان محتوماً. "منذ البداية قلت إن مشروعهم فاشل قبل أن يبدأ وهذا ما جعل تجربة الإخوان المسلمين تسقط وبسرعة كبيرة ذلك لأنها خاطئة وما بني على مبدأ خاطىء سيسقط حتماً"، أكّد الرئيس السوري.

الخامنئي يدعو إلى "الاهتمام الجاد بدور الدين والإيمان بالله سبحانه وتعالى وبالمعارف القرآنية في الصحوة الإسلامية". النظام السوري ينطلق من مكان مختلف بالكامل، وهذا ما تظهره أحاديث بعض حلفائه. في مقابلة أجرتها معه قناة "أو تي في" اللبنانية وهاجم فيها السياسة السعودية في سوريا، هدّد الأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان، فايز شكر، بـ"تدمير مكة على رأس من فيها... ماذا يعني كونها مدينة مقدسة؟... كرامة الإنسان أهم بكثير من أي حجر (في إشارة إلى الكعبة)".

نشر على الموقع في تاريخ 02/01/2014

التعليقات

المقال التالي