حمامة السلام لن تطير من جنيف!

حمامة السلام لن تطير من جنيف!

تسعة أيام قضاها الوفدان السوريان في مدينة جنيف، تسعة أيام سقط خلالها نحو 1900 شخص. هذا مؤشر كافٍ للقول بفشل المؤتمر. على عكس المعهود في المفاوضات، لم تتحرك النيران على وقع طروحات الحلّ فالنقاشات أساساً كانت "بدائية"! بعد يومين سيبدأ الوفدان جولة ثانية ولكن سيبقى الحال على ما هو عليه. الجولة القادمة لن تختلف كثيراً عن سابقتها!

الجولة الأولى

اعلان


المشهد الأول: خارج مقر الأمم المتحدة وقفوا متقابلين. هم عشرات المتظاهرين من أنصار الطرفين. كلّ منهم يحمل أعلامه وشعاراته. انضم إلى مؤيدي النظام وزير الإعلام السوري، عمران الزعبي، ومندوب سوريا الدائم في الأمم المتحدة، بشار الجعفري. هتفا مع أنصارهم: "بالروح بالدم نفديك سوريا". في الجهة المقابلة، انضمت إلى المتظاهرين عضوا وفد المعارضة سهير الأتاسي وريما فليحان وهتف الجميع: "يلا ارحل يا بشار". (خارج سوريا، يعرف ممثلو النظام كيفية أداء الأدوار الديمقراطية. يتحقق في الخارج ما يتعذّر حتى الحلم به في الداخل. هناك شيء من الفصل الحقيقي بين عالم الداخل وبين عالم الخارج. المؤتمر برمّته ينعقد في الخارج بينما ينبغي أن تطبّق نتائجه على الداخل. معضلة! النظام يعرف ذلك!).

المشهد الثاني: عند درج قصر الأمم المتحدة في جنيف، جلست تبكي ضياع أملها. كادت تنهار. إنها فاطمة، والدة الطبيب البريطاني الذي قُتل في أحد سجون دمشق، عباس خان. عندما رأتها المستشارة الإعلامية والسياسية للرئيس السوري، بثينة شعبان سألت: "من هي؟"، ثم، حين عرفت هويتها، أضافت: "لنبتعد". ابتعدت شعبان وتركت مهمة تراشق الشتائم إلى الصحافيين الموالين والمعارضين للنظام. (النظام السوري يتعمّد تجاهل هوية ضحاياه. هم بالنسبة إليه أرقام! هو يقتل ويعوّل على الانقسام الاجتماعي لحماية رموزه!).

المشهد الثالث: خلال بثه مجريات اليوم الافتتاحي في مونترو، وأثناء إلقاء رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا كلمته، قسّم التلفزيون السوري الشاشة إلى قسمين: على جهة اليمين عرض صور الجربا، وعلى جهة اليسار عرض مشاهد قتلى ودمار وكتب تحتها: "الجرائم الإرهابية في سورية". لم يذكر التلفزيون اسم الجربا. (النظام السوري يعرف أن الشعب يعرف ما يخفيه ولكنه يصرّ على تجاهل ما يعرفه الشعب السوري. هو نوع من إنكار وجود الموجود! هي البروباغندا في إحدى لحظات الذروة!).

مؤتمر جنيف - لقطة من التلفزيون السوري

المشهد الرابع: كانت بثينة شعبان، تتمشى في أروقة الأمم المتحدة بين الصحافيين مرتدية معطفاً طويلاً مصنوعاً من فرو المينك. انتقدها إعلاميو المعارضة. قالوا: كيف، وفي ظل الحرب، ترتدي معطفاً يقدر ثمنه بـما يقارب 8000 دولار؟ "المعطف هدية من الأستاذ نبيل كزبري عندما كنت وزيرة للمغتربين وليس من أموال الشعب السوري"، ردّت شعبان. (أحد أشكال النقاشات العقيمة التي يواظب مؤيدو النظام ومعارضوه على إثارتها!).

النسخة الثانية من جنيف 2

من غرائب لقاء جنيف 2 أن النظام السوري انتظر أياماً ليعلن موافقته (لم ينسَ إضافة جملة "لدينا تحفظات") على مقرّرات جنيف 1. أساساً، حُسمت المسألة منذ مدّة وهذا ما يتضح من نص دعوات الطرفين إلى الحوار. ولكن هكذا تسير المفاوضات. في ظل غياب أية نتائج مجدية يتم تسويق البديهيات على أنها إحراز تقدّم.

ستشهد الجولة الثانية "إنجازات" عدّة من هذا القبيل، خاصة وأن الجولة الأولى دفعت الإشكالية المستعصية، إشكالية البدء بمحاربة الإرهاب أو بترتيب المسار الانتقالي للسلطة، إلى صدارة النقاش. النظام السوري سيستمر في القول إن بند الإرهاب يأتي قبل بند الحكومة الانتقالية في بيان جنيف 1. المعارضة ستكرر أن النظام إرهابي وربما ستزيد بعض النوتات على سيمفونية العلاقة بين النظام وبين تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الممجوجة. ما الحلّ؟ لجان تبحث كل منها في مسألة محدّدة؟ ممكن.

خلال الجولة الأولى قالت بثينة شعبان: "نحن لسنا هنا للتحدث عن السلطة، نحن هنا لنتحدث عن وقف الإرهاب" وقال وزير الإعلام عمران الزعبي: "إن شرط تنحي الرئيس والحديث عن هيئة حكم انتقالية وهم. في المفاوضات القادمة سيخفف الوفد السوري من هذه الصلافة. لن يقدّم أوراق عمل كتلك التي تتحدث عن "استعادة أراضي سورية المغتصبة كافة" (ترجمة: سحق المعارضة). ولكنه سيخترع ألعاباً وسيطرح أحجيات هدفها تسويف كل نقاش جدي.

في المقابل، قدّم الوفد المعارض وثيقة تتضمن "النقاط التفصيلية، التي تعكس آليات تشكيل هيئة حكم انتقالية خالية من الأسد، وتقود سورية إلى نظام مبنيّ على الديموقراطية والتعددية السياسية". تفاصيل الوثيقة لا تزال مجهولة. ليس مهماً. من الواضح أنها ورقة خارج عقلية المفاوضات وهي نوع من رفع السقف قبل أوان مرحلة التنازلات المتبادلة.

الأخضر الإبراهيمي حيران. يكتب الأوراق ويوزعها على الوفدين لتمرير الوقت. لم تنضج الظروف التي تساعده على صياغة ورقة عملية تفتتح نقاشاً جدياً. الآن يتركز جلّ اهتمامه على تطويع اللغة العربية لإرضاء الطرفين. في الجولة المقبلة سيستمر الوضع على ما هو عليه.

في ظل هذه المعمعة يستطيع النظام استهداف معارضيه من خلال اتهامهم بأنهم طامحون إلى مراكز سلطوية فقط لا غير. بدأت بثينة شعبان منذ الجولة الأولى استخدام هذه الورقة. قالت: "يريدون أن يقفزوا إلى الفقرة التي تتحدث عن الحكومة الانتقالية. إنهم مهتمون بأن يكونوا في الحكومة فقط، لا بوقف هذه الحرب المروعة". لتفادي الآثار المدمّرة لهذه التهمة ليس أمام المعارضة سوى صياغة خطاب محكم أو... السقوط بالضربة القاضية، خاصة أن كثيراً من السوريين غير راضين أساساً عن مفاوضة النظام.

تعنّت، أحلام وبراغماتية

النظام متعنّت. بعد ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة لا يجد الزعبي حرجاً من القول: "سوريا دولة مؤسسات"! في ذهن وزير الخارجية وليد المعلّم أن الزمن هو شيء يسير ببطء. هو قادر على الأخذ من وقت غيره فقط بهدف ملئه بما وصفه وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس Laurent Fabius بـ"مهاترات طويلة وعدائية". برأيه ما أفشل المفاوضات "التعنت على موضوع واحد كما لو أننا قادمون لساعة واحدة" (سهرانين. لمَ العجلة؟!). يحترف النظام السوري لعبة تمرير الوقت أو بالأحرى حرقه. كانت هذه لعبة الرئيس السابق حافظ الأسد المفضّلة.

في المقابل، تصريحات المعارضين تكشف عن غرقهم في أحلام طفولية وردية. عضو الوفد المعارض ريما فليحان، قالت: "طالبنا الوفد المقابل لنا بأن ينضم إلى الشعب السوري، وأن يكون في صف هذا الشعب في تطلعاته المشروعة". السيناريو الأسوأ هو أن يكون كلامها جدياً وقالته فعلاً ولم يكن للدعاية الإعلامية. زميلها لؤي صافي يتوقع الكثير من الجولة المقبلة. "سيكون هناك حديث حول نقل السلطة، وإنهاء معاناة الشعب السوري في مواجهة آلة القتل الهمجية"، قال.

أمام هذين الخطابين هناك حاجة ملحّة لبراغماتية الدول الراعية للحوار. الحلّ بألف ولام التعريف لا يمكن أن يكون قريباً. يجب استغلال المفاوضات لتحقيق بعض النتائج العملية التي تخفف معاناة السوريين. النقاش في حصار حمص كان أمراً جيداً خاصة مع انتهائه ببعض النتائج العملية. طرح مسألة تبادل السجناء كان جيداً أيضاً ولكن على المعارضة أن تقدّم وثائق ذات صدقية (في لائحة الأسماء الكاملة التي حملها المعارضون معهم إلى جنيف ولم يقدّموها يوجد اسم سهير الأتاسي بين أسماء الـ47000 معتقل!). ما أسماه جون كيري John Kerry بـ"إجراءات بناء الثقة" (مساعدات إنسانية، تبادل سجناء...) يمكن أن تشغل فترة طويلة من المفاوضات قبل الوصول إلى مسألة السلطة.

عقم الخطاب الإنساني

لا يجب أن ينسى المعارضون أن الكشف عن صور 11 ألف ضحية من ضحايا النظام السوري، قد سبق الجولة الأولى من المفاوضات. كانت خطوة جيّدة أن يرفع رئيس الائتلاف السوري أحمد الجربا صورة أحد هؤلاء الضحايا في مونترو. ولكن لا يجب أن يعوّل على الضمير العالمي. ما يحصل في سوريا ليس سرّاً. هو يحصل أمام أنظار العالم ولكن يبدو أنه غير كاف للدفع إلى إيجاد حلّ. السير ديزموند دي سيلفا Desmond de Silva رئيس الادعاء السابق للمحكمة الخاصة بسيراليون قال: "بعض الصور التي رأيناها كانت شبيهة تماماً بصور أشخاص من بيلسن وأوشفيتز". هل يوجد أقوى من هذا الوصف؟ ولكن في المفاوضات يجب التركيز على الأمور العملية. خذ وأعطني. بما أن الائتلاف لا يستطيع العطاء، على عكس النظام، كونه لا يسيطر على الأرض "المحرّرة" فإنه لا مهرب من التعويض عن ذلك بالكلام. هذا يعني أن جنيف لن يثمر!

هل من إيجابيات؟

على رأس إيجابيات حوار جنيف يأتي جلوس طرفي النزاع، لأول مرّة، أحدهما في مواجهة الآخر بشكل مباشر. هكذا اضطر النظام السوري إلى تجاوز خرافة أن كل المعارضين هم إرهابيون ونسيان أسطورة المصالحة الوطنية كما ابتدعها الوزير علي حيدر: نحرّر ثم نفكّر بالمصالحة أو المصالحة بطعم الاستسلام. ولكن أيضاً، خسرت المعارضة شرعية مطالبة النظام بالرحيل. بدأ مسار الحلّ الوسط.

على طريق الحلّ

نجح الأميركيون والروس في نقل الحرب السورية إلى مرحلة يستطيعان فيها تقييد الأطراف المتنازعة من خلال المسار التفاوضي. نقل الصراع إلى مرحلة إدارة المصالح المتضاربة أفضل من الجنون المطلق، وهو واقع الحال اليوم.

بعد عجز الأميركيين و"أصدقاء سوريا" عن توليد إطار معارض فعّال، ها هم من خلال المفاوضات يعملون على رسم شكل هذا الإطار. سيتغيّر شكل الوفد المعارض كثيراً من خلال توسيعه تدريجياً بجرعات خفيفة لا تؤدي إلى صدام حقيقي مع أحد طرفي النزاع. نجح "الأصدقاء" في فرض الائتلاف كممر إلزامي لطرح الأفكار السياسية وهذا سيدفع بعض الجماعات المعارضة المسلّحة إلى التنسيق معه أكثر في المستقبل.

سيشارك الروس في إدارة هذه اللعبة أيضاً. سيدفعون، هم أيضاً إلى إجراء عمليات جراحية تغيّر شكل المعارضة وتجعل منها شريكاً مقبولاً في حكم سوريا المستقبل. طبعاً، لا يمكن رسم خطوط واضحة للتطورات التي ستحصل، ولكن هذا المسار بدأ ينتج مفاعيل عملية: التوافق مع الأميركيين على توسيع الوفد المفاوض؛ إقرار وزير الخارجية الأميركي جون كيري، على الرغم من حدّة خطاباته مؤخراً، بـ"أن الحكومة لا يمكن أن يشكلها شخص يعترض عليه أي من الطرفين"؛ استقالة (ليست صدفة) كلّ من ناصر القدوة، نائب المبعوث الأممي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي والسفير الأميركي في سوريا روبرت فورد، وهما شخصان يثيران حنق النظام.

"الائتلاف" خسر كثيراً بمشاركته في حوار جنيف. انسحب 44 من أعضاء هيئته العامة في الوقت الذي يتلقى فيه ضغوطاً لتوسيع مروحة تمثيله. قبل مشاركته تلقى وعوداً كثيرة ذات صلة بوضعه المستقبلي. رئيسه الجربا، أكّد الترابط  بين المشاركة في جنيف 2 وبين "توفير وسائل الدفاع عن شعبنا على الأرض"، وأضاف: "أطمئنكم بأن تعهدات الدول أصبحت نافذة... سيزداد التسليح الدفاعي لثوارنا المدافعين عن عرضنا وكرامتنا كماً ونوعاً حتى يلتزم النظام بحرفية جنيف 1 الذي يمهد إلى تجريد بشار الأسد من كل صلاحياته". لن يتم هذا التسليح بعيداً عن أعين الروس. هم يعرفون أن ضعف الائتلاف على الأرض، وغياب أي بديل آخر، يعني استمرار الأزمة.

الجولة الثانية اقتربت. ستكون شبيهة بـ"الفروض المدرسية". لن تحصل المعارضة على أي شيء من ممثلي النظام. لم المشاركة إذن؟ على المعارضة التركيز على مسار التفاوض الرديف مع من يطلب منها المشاركة في الحوار وعلى رأسهم أميركا بهدف حثهم على مساعدته في بناء قوة سياسية ـ ميدانية تخلق توازناً مع النظام على الأرض السورية. في انتظار ذلك، بدأ الأميركيون يفكّرون بالاحتمالات المستقبلية لتطوّر الصراع. "العالم سيحمي العلويين والأقليات في سوريا بعد سقوط الأسد"، أكّد جون كيري.

يومان يفصلاننا عن الجولة الثانية من مؤتمر جنيف2. لن تأتي الجولة بأي جديد. رعاة الحوار سيدفعون الطرفين إلى الالتزام بمواعيد الحضور وسيدفعون الأمور تدريجياً نحو وضع يساعد على بناء حوار حقيقي بين طرفين ندّين.

التعليقات

المقال التالي