حزب الجزيرة وحزب العربية

حزب الجزيرة وحزب العربية

ما الذي يدفع المواطن العربي الجالس أمام شاشة تلفزيونه إلى اختيار هذه القناة أو تلك حين يريد أن يتابع الأخبار؟ ما المعيار الذي يحدد مكان كبسة الإصبع على الريموت كونترول: الثقة في القناة، التعود على أسلوب التغطية، أم التوجه السياسي؟

"مفيش إعلام لوجه الله" قالها الأستاذ محمد حسنين هيكل منذ سنوات، وصفٌ واقعي تماماً. ففي عالمنا العربي الذي يموج بالتغيرات، أصبح الإعلام مرآة شفافة لصراعات النفوذ وأجندات السياسة المتناقضة. أجهزة الإعلام التي من المفترض أن تنقل الحقائق بمهنية، تحول أكثرها من مهمة نقل الحقائق إلى الرأي العام إلى محاولة تشكيله لتأييد سياسة الدولة المالكة لهذه القناة أو تلك. قد يكون من غير الواقعي أن نفترض ابتعاداً كلياً  لأجهزة الإعلام عن نفوذ الممولين. لكن وضوح تلك الأجندات الذي وصل إلى حد التلقين المباشر أخذ أبعاداً أكثر حدة مع تطور أحداث "الربيع العربي"، وما نقوله هنا ينطبق على الكثير من وسائل الإعلام العربية المرئية والمقروءة، لكن الأثر الأكبر احتكرته قناتان هما الأكثر نفوذاً وتمويلاً في العالم العربي.

اعلان


منذ التسعينات بدأ الإعلام العربي الفضائي مرحلة جديدة مع ظهور قناة الجزيرة عام 1996. قدمت القناة أسلوباً مغايراً في التغطية والبرامج الحوارية الصريحة والمفتوحة والتي اختلفت جذرياً عن برامج الأجهزة الحكومية المعلبة.  فمن "الرأي والرأي الآخر"، إلى تضارب الآراء في "الاتجاه المعاكس"، إلى منبر من لا منبر له، إضافة إلى كشف ملفات التاريخ المخفية في "شاهد على العصر". هذه البرامج وغيرها أدارتها كوادر ذات خبرة عالية، عمل أغلبها سابقاً في قنوات أجنبية واكتسب خبرة ومهنية تمكن من نقلهما إلى الجزيرة. وبفضل الدعم المالي السخي للحكومة القطرية المالكة للقناة، تمكنت في وقت قصير من استقطاب الملايين في العالم العربي وتحقيق جماهيرية كبيرة وثقة عالية. بهذا أصبحت الجزيرة الذراع الإعلامي القوية لدولة قطر ومصدر القوة الناعمة لهذه الدولة الصغيرة حجماً والكبيرة نفوذاً.

عام 2003، انطلقت قناة العربية بتمويل سعودي كجزء من مجموعة MBC لمالكها وليد بن ابراهيم، الإعلامي السعودي المعروف وصهر الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز. ومنذ انطلاقها بدا واضحاً أن سباقاً إعلامياً لكسب المشاهد العربي قد اشتعل بين قطر والسعودية. اعتمدت العربية، مدعومة بتمويل سخي، نفس الأسلوب المهني الغربي في إعداد التقارير والمتابعة الإخبارية المكثفة عبر نشرها لعدد كبير من المراسلين في أنحاء العالم العربي.

ورغم أنه من الصعب تحديد القنوات الأولى عربياً في المشاهدة، وذلك بسبب غياب الإحصاءات المحايدة التي يمكن الاطمئنان لنتائجها، إلا أنه من المؤكد أن العربية والجزيرة تخوضان تنافساً تمليه اعتبارات وجودهما، قبل اعتبارات المنافسة الإعلامية، فكلاهما نموذج قوة ناعمة للدولتين الممولتين، وبالتالي هما وسيلتا التأثير وحشد الرأي العام لمناصرة سياسات كلّ من قطر والسعودية.

حين هبت رياح التغيير على العالم العربي، تمكنت الجزيرة، بما  لها من خبرة وإمكانات ورغبة من مموليها في أن يصبحوا جزءاً من صناعة الحدث ذاته، أن تحوز قصب السبق في التغطية. فكانت لها الريادة في تغطية أهم وأدق التفاصيل لحظة بلحظة في تونس حتى هروب زين العابدين بن علي. وقد كان لفيديو المواطن التونسي الشهير صدى كبير لدى المشاهدين العرب، وتحول لما يشبه شعارأً للحزن على ما فات وبارقة أملٍ لما هو قادم.

ثم جاءت ثورة مصر، 25 يناير 2011، التي تمكنت فيها الجزيرة من أن تصبح لاعباً مهماً في صراع القوى بين الثورة والنظام. حيث تمكنت ببثها المباشر والمتواصل لفعاليات ميدان التحرير من أن تتحول إلى الناطق الرسمي باسم الشباب الثائر وتفشل محاولات إعلام النظام في قلب الحقائق. وهذا ما دفع ناشطة ثورية، مثل نوارة نجم، إلى توجيه الشكر للجزيرة عقب نجاح الثورة.

في نفس تلك الظروف وجدنا العربية تتخذ موقفاً أكثر تحفظاً وأقل قرباً من الثوار. ربما عكس ذلك موقف السعودية المتردد في دعم الثورة ضد مبارك على عكس الموقف القطري المتحمس لتغييرات ستكسبها نفوذاً أكبر في العالم العربي الجديد. وحين تمت الإطاحة بالرئيس محمد مرسي  في 30 يونيو الماضي، تحولت الجزيرة إلى ناطق بلسان الإخوان، فيما دعمت العربية السلطة الجديدة، وكان هذا لسان حال الموقف السياسي لكلتا الدولتين.

في يوم الاستفتاء على الدستور المصري، قرأنا خبرين مختلفين عن نسب الإقبال على مراكز الاقتراع. ففي حين أشادت العربية بنسب التصويت العالية مستندة إلى تقارير وزارة الداخلية المصرية، أفادت الجزيرة على موقعها أن نسبة الإقبال على التصويت كانت منخفضة ولم تتجاوز 10% معتمدة بذلك على مصادر إخوانية، مثل شبكة رصد.

يؤكد الخبير الإعلامي المصري ياسر عبد العزيز على هذا المعنى بقوله "رغم أنها لا تزال ضمن القنوات العربية الأولى، إلا أن أسلوب تغطية الجزيرة للتطورات في العالم العربي خلال العامين الماضيين أفقدها الكثير من مصداقيتها". ويضيف فيما يخص الشأن المصري أن القناة "أصبحت منغمسة في الأزمة السياسية" لأنها "الأداة السياسية لقطر" والتي تدعم الإخوان المسلمين.

ويؤيد الدكتور جاد ملكي، الأستاذ المساعد في مادة الإعلام في الجامعة الأميركية ببيروت، هذا التحليل في معرض رده على أسئلة رصيف 22  قائلاً "ما من شك في أن الجزيرة رفعت مستوى الإعلام العربي منذ بدايتها في التسعينات وحتى ربما 2010. أما بعدها فقد تردى المستوى ووصل إلى حد الدعاية وتشجيع فريق ضد آخر. لقد عادت القناة إلى أسلوب عمل الإعلام العربي الدعائي في الخمسينات والستينات. بالنسبة لقناة العربية فقد كان واضحاً منذ نشأتها أنها تتبع خطاً سياسياً معيناً، أما الجزيرة فقد حاولت أن تكون مهنيّة في البداية، ثم تغيرت الأمور وأصبحت الناطق باسم السياسة الخارجية للدولة".

وأشار الدكتور ملكي إلى أن الإعلام المحلي بدأ ينافس بقوة المحطات العربية التي تغطي الأحداث بصورة شاملة كالجزيرة والعربية. حيث أن اهتمام المواطن العربي الذي يمر بظروف صعبة من التغييرات والحروب والأزمات السياسية منصب على ما يحدث أساساً في منطقته ومدينته، وبالتالي فهو يبحث عن أدق التفاصيل التي يمكن أن توفرها له المحطات المحلية. ولكنه هنا يقول بأن أغلب القنوات تشترك في كونها مسيّسة، الاستثناءات موجودة ولكنها قليلة.

إن ظاهرة التحزب الإعلامي والصبغة الإيدلوجية لأجهزة الإعلام منتشرة حتى بين أجهزة الإعلام العالمية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، لا يثق الليبراليون بما تبثه "فوكس نيوز" Fox News، كما ينظر المحافظون بعين الشك لمقالات "النيويورك تايمز" The New York Times. لكن هذه الظاهرة أخذت بعداً أعمق وأكثر حدة في العالم العربي. فالتغيرات المهمة التي طالت بعض القنوات في السنوات الأخيرة، مثل قناة الجزيرة، مست مهنيتها ودقة ما تنقله من معلومات وقزمت من قامتها الإعلامية وجعلتها شبيهة  بقناة حزبية محلية. خَبَت هالة "الرأي والرأي الآخر"، بل تلاشت مع طغيان الحسابات السياسية على الذكاء الإعلامي. وقد يبدو من اللافت للنظر أن تطلب قناة الجزيرة مؤخراً من شركات أبحاث أن تقوم بدراسات عن مدى انتشارها لتتأكد من عدم تدهور شعبيتها. وبعيداً عن كل الإشكاليات التي رافقت هذه الدراسة، من نفي لنتائجها من قبل أجهزة إعلام سعودية وتأكيد مضاد من الجزيرة، فإن مجرد القيام بها أمر له دلالته.

إن ما نتحدث عنه هنا ليس سوى خلل مهني يصل إلى حد التشويش الفكري عن طريق الانتقائية والإغفال. فحين تتناغم تغطيتا الجزيرة والعربية مثلاً نشاهد تقارير لما تقوم به "قوات المالكي" في عملياتها العسكرية في الأنبار، بأسلوب يذكي من نيران الحشد الطائفي. أما حين تفترق الطرق بهما، نجد الحديث اليومي عن مصر من وجهة نظر "دعم الشرعية" ونشر تسريبات السيسي، بل حتى استغلال  زلات اللسان من جانب الجزيرة.

في المقابل، نجد لدى العربية إغفالاً عن أخطاء حكومة مصر الحالية وترويجاً لوجهات نظرها الرسمية في تفسير التجاوزات الأمنية. في كل هذا نجد ضياعاً للفاصل الهام بين المعلومة والرأي. وفي الحالتين معاً تتفق القناتان في أن كلتيهما لا تعطي الصورة الكاملة المتوقعة منها. وربما ألقت الاستقالات الجماعية التي شهدتها قناة الجزيرة العام الماضي بعض الضوء على الشكوك والمخاوف التي راودت بعض صحافييها تجاه معايير الأداء المهني في القناة.

ولعلنا نذكر أيضاً التحدي المباشر على الهواء للإعلامي حافظ الميرازي لقناة العربية بعد نجاح الثورة المصرية، حين قال: "إن لم نستطع أن نقول رأينا فلنتوقف". وهو ما حدث بالفعل  وأدى إلى إقالته من القناة.

على المشاهد هنا أن يعي أنه ليس ضحية إلا إذا شاء لنفسه أن تكون كذلك. فهو من يمسك بالريموت كونترول، وله وحده قرار ممارسة النقد والتدقيق في ما يشاهد ويقرأ، والانتقال عبر القنوات لمعرفة الحقائق كلها لا أنصافها. أتاحت الثورة الحديثة في وسائل نقل المعلومات عبر تويتر وفيس بوك تغييراً يصعب معه احتكار المعلومات من قبل أي كان. صحيح أن لهذه الوسائل مشاكلها الخاصة من حيث الدقة في نقل المعلومات، ولكنها قد تشكل لمن يبحث عن الحقيقة رديفاً مساعداً، لا بديلاً عن وسائل الإعلام المرئية والمقروءة.

لا يمكننا رؤية صورة واسعة لحقائق الأحداث من عدسة واحدة فقط، مهما كان تاريخها المهني، ومهما بلغ اتساع رؤيتها، فهناك دوماً زاوية أخرى تستحق أن تُستكشف.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي