المعارضة الإماراتية والقمع المركّز

المعارضة الإماراتية والقمع المركّز

تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 بعد أن نالت الإمارات السبع، التي كانت تعرف آنذاك بالدول المتصالحة، استقلالها عن الحكم البريطاني. إلا أن إمارة رأس الخيمة تمنعت في بادئ الأمر عن الانضمام إلى الاتحاد، ثم عادت وانضمت إليه عام 1972. في السنة ذاتها قام الحاكم السابق لإمارة الشارقة، صقر بن سلطان القاسمي، الموالي للقوميين العرب وجمال عبد الناصر، بمحاولة انقلابية لاستعادة الحكم انتهت بمقتل حاكم الشارقة، خالد بن محمد القاسمي، وبنفيه هو إلى خارج البلاد.

نعمت دولة الإمارات الاتحادية المؤلفة من الإمارات السبع، أبوظبي ودبي وعجمان والفجيرة ورأس الخيمة والشارقة وأم القيوين، بعد تلك الأحداث بالهدوء والاستقرار حيث منحت، على مستوى التنظيم السياسي، كل إمارة درجة كبيرة من الاستقلالية. غير أن السلطة العليا للدولة تركزت في أيدي مجلس الحكام الأعلى المؤلف من حكام الإمارات السبع، وهو صاحب اليد الطولى في تعيين رؤساء الحكومات والوزراء. لم يقتصر الأمر على هذه السلطة المطلقة، بل أبقى مجلس الحكام الأعلى "المجلس الوطني الاتحادي"، وهو هيئة شبه تشريعية، مقضومة الصلاحيات. وبالرغم من كون سلطاته فقط استشارية، كان يتم اختيار أعضائه بانتخابات غير مباشرة وبالتعيين. يقوم حاكم الإمارات السبع بتعيين الناخبين المفترضين ليصار إلى انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، علماً أن نسبة هؤلاء الناخبين لا تتجاوز الـ 2% من مجمل مواطني الإمارات.

اعلان


بذلك لم تكن موجة الاحتجاجات التي شهدتها الإمارات عام 2011 وحملات القمع التي رافقتها مجرد صدفة، حيث أن أهم مطالب الناشطين والحقوقيين تمحورت حول انتخاب كامل أعضاء المجلس الوطني الاتحادي بالاقتراع المباشر، وتعزيز صلاحياته والمضي بالإصلاحات الديمقراطية. أما رد السلطات الإماراتية فكان شن حملة اعتقالات طاولت العديد من الناشطين بتهمة التحريض على أعمال من شأنها "تعريض أمن الدولة للخطر". وقد انتقدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" Human Rights Watch هذه الخطوة معتبرة "هذه الاعتقالات جزءاً من حملة قمعية تستهدف المعارضة السلمية، تشنها الحكومة الإماراتية واستهدفت أيضاً المجتمع المدني".

إلا أن حملات ترهيب الناشطين الحقوقيين في الإمارات تعود إلى ما قبل الربيع العربي، حيث أصدرت السلطات حظراً للسفر ومذكّرة توقيف بحق المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان ورئيس الرابطة المستقلة للحقوقيين، محمد المنصوري عام 2006، وذلك بتهمة "إهانة ممثل النيابة العامة".

كتب مركز كارينغي للشرق الأوسط تعليقاً اعتبر فيه "أن حملة المضايقات هذه جاءت كرد من السلطات على تنديد المنصوري بانتهاكات حقوق الإنسان في البلد ونضاله من أجل احترام حقوق العمال المهاجرين، وفقد وظيفته جراء ذلك ومُنِع من السفر خارج البلد". وقد طاولت حملات القمع عام 2007 كلاً من محمد راشد الشحي، مدير منتدى إلكتروني، وخالد العسلي، الكاتب في المنتدى، حيث حكمت محكمة جنائية في رأس الخيمة عليهما بالسجن لمدة خمسة شهور بتهمة التشهير، وذلك بعد نشر مقال في المنتدى ينتقد التمييز والفساد في المؤسسات الصحية الحكومية. علماً أن "منظمة الكرامة" السويسرية التي تعنى بمساندة ضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي والمهددين بالإعدام خارج نطاق القضاء كانت قد تقدمت بتقرير حول الإمارات العربية المتحدة رفعته إلى مجلس حقوق الإنسان في 14 يوليو 2008 وثقت فيه حالات قمع السلطات الإماراتية لمعارضين طالبوا بإصلاحات سياسية للنظام السياسي، وهي تعود إلى شهر سبتمبر 2001، وذلك في سياق مكافحة الإرهاب.

إذا كانت حملات الترهيب والاعتقالات في الإمارات تعود إلى عام 2001، إلا أنها كانت موسمية وبقيت بعيدة عن وسائل الإعلام. لكن حركة الاعتراض في البلاد بدأت بالتوسع عام 2009 حيث أطلق عدد من الناشطين، وبينهم طلاب جامعيون ومدوِّنون، موقعاً إلكترونياً لتبادل النقاشات منتدى حوار الإمارات (تم حجبه وإغلاقه لاحقاً) لاقى انتشاراً سريعاً وزاره في وقت قصير آلاف مستخدمي الإنترنت ونشر مئات التعليقات، وكان عبارة عن ملتقى حيوي لنقاشات تتعلق بشؤون البلاد، حتى أن بعض التعليقات طاولت الثروة الشخصية المتزايدة للأُسَر الحاكمة.

المعارضة الاماراتية - إنفوجرافيك

طالت ارتدادات الربيع العربي الإمارات “افتراضياً”، حيث تمحورت النقاشات حول الثورة التونسية والثورة المصرية، وعدم وجود برلمان إماراتي فعلي، وعيوب الحكّام الإماراتيين. وقد قام 130 مثقّفاً برفع عريضة إلى رئيس الدولة الاتحادية، خليفة بن زايد آل نهيان، تطالب ببرلمان منتخَب بكامل أعضائه وتطبيق الاقتراع العام، وبأن تعتمد الإمارات نظاماً ملكياً دستورياً يحترم حقوق الإنسان ومبادئ أساسية أخرى.

إلا أن رد السلطات الإماراتية أتى سريعاً، حيث شهدت البلاد حملة اعتقالات واسعة شكلت جزءاً من حالة القمع التي تعرض لها الناشطون لاحقاً. ففي مطلع أبريل 2011 قام رجال الأمن باعتقال خمسة ناشطين كان أبرزهم الناشط الحقوقي أحمد منصور بتهمة "معارضة الحكومة " و"إهانة" كبار المسؤولين، والتحريض وكسر القوانين وارتكاب أفعال تُشكّل خطراً على أمن الدولة. كان منصور من الموقعين على العريضة السابقة الذكر، وشارك في حوارات ومقابلات تعاطت في ذات الشأن. وقد تطورت قضيتهم لاحقاً ليُعرَفوا بـ"الإماراتيين الخمسة" وحُكِم عليهم بالسجن ثلاثة أعوام، ثم أُعفي عنهم لاحقاً بعفو أميري.

لم تكتف السلطات بهذا الإجراء، بل قامت بعد بضعة أيام على هذا الاعتقال بتسريح مجلس إدارة "نقابة المعلمين" واستبدلت أعضاءه بآخرين مُعينّين من قبل الحكومة، وذلك على خلفية التوقيع على ذات العريضة، ثم تبعه قرار آخر بحَلّ مجلس إدارة "جمعية الحقوقيين" حيث قام أعضاء بارزون فيها بعقد ندوات عامة وكتابة مقالات تنتقد وضع حقوق الإنسان في البلاد. وقد نددت منظمة هيومن رايتس ووتش بهذه الإجراءات القمعية التي قامت بها السلطات الإماراتية في تقرير بعنوان "اتساع حملة القمع على المجتمع المدني".

لكن الاحتجاجات تصاعدت، وقام أحمد عبد الخالق، أحد المعتقلين الخمسة المفرج عنهم، بكتابة انتقادات حول طريقة معالجة وضعية "البدون" (مصطلح يستخدم في منطقة الخليج للإشارة إلى أشخاص ليس لديهم جنسية رسمية وبالتالي، فهم بحكم الواقع، بدون جنسية) ومحنة وجودهم في دولة الإمارات. على إثرها، قامت السلطات باعتقال عبد الخالق، وهو من "البدون" وطلبت من أفراد أسرته مغادرة البلاد.

لم يتوقف قمع السلطات الإماراتية عند حدود الاعتقال والنفي خارج البلاد، بل تعداهما إلى سحب الجنسية والحرمان منها، وهذا حال بعض الناشطين المنتمين لجمعية الإصلاح المقربة من الإخوان المسلمين. يعود تاريخ جمعية "دعوة الإصلاح" إلى سبعينات القرن الماضي، وقد كانت في حال من الوئام والتصالح مع السلطات، إلا أن الأمر تغير لاحقاً حيث أقدمت السلطات على حل الجمعية عام 1995 بعد أن ازداد نشاطها واتسع عدد مؤيديها فانتقلت إلى العمل السري. لم ينقطع حوارها مع السلطات، وبعد عدة مفاوضات عادت إلى العمل العلني مرة أخرى عام 2003. تجدر الإشارة إلى أن هذه الجمعية تلقت حصة الأسد من القمع، فعدا عن سحب جنسية سبعة من أعضائها، وصل عدد معتقليها إلى ما يزيد عن السبعين، منهم رئيسها سلطان بن كايد القاسمي إثر مقال كتبه حول سحب الجنسية من المواطنين السبعة.

في نهاية عام 2012 وبداية 2013 قامت السلطات بحملة اعتقالات واسعة، اعتقل خلالها 94 ناشطاً وناشطة معظمهم من جمعية الإصلاح، عرفوا لاحقا بـ "إمارات 94" ووجهت إليهم تهم التآمر على نظام الحكم. وقد استبق قائد شرطة دبي، ضاحي خلفان، حكم القضاء وحذر من "مؤامرة دولية" يقودها الإخوان المسلمون وإيران. إلا أن هذا لم يمنع المنظمات الدولية من التنديد بتلك الاعتقالات حتى أن منظمة العفو الدولية أشارت في تقاريرها الى أن المحاكمات المتبعة "لم يجر التقيد فيها بالإجراءات المرعية، ومنع المراقبون الدوليون ووسائل الإعلام الدولية من حضور جلساتها". استمرت قضية هؤلاء الناشطين بالتفاعل وما زالت المحاكمات مستمرة، حتى أن محكمة أبوظبي الاتحادية العليا حكمت في نهاية عام 2013 على 56 شخصاً منهم بالسجن 10 سنوات، من بينهم المحاميان الحقوقيان البارزان محمد الركن ومحمد المنصوري.

التعليقات

المقال التالي