ماذا يعني أن يكون السيسي رئيساً للجمهورية؟

ماذا يعني أن يكون السيسي رئيساً للجمهورية؟

أنا كنت عارف إنّنا حبقى رئيس للجمهورية". جملة قالها المشير عبد الفتاح السيسي للرئيس المصري الأسبق أنور السادات! كان ذلك منذ 35 سنة وفي الحلم. الآن، اقترب تحوّل حلم السيسي إلى حقيقة. السيسي رئيساً: أحلام الملايين ستتحقق وسيخيب أمل مئات الآلاف!

كل المعطيات كانت تشير إلى أن الرئاسة المصرية حُجزت للسيسي منذ وقت طويل. "الفريق" استطاع بعد 3 يوليو أن يتحوّل إلى مادة تثير هوس معظم المصريين. شخصيته وبزته العسكرية رفعتاه إلى مصاف البطل المنتظر. وحده نجح في محاكاة صورة القائد المختبئة في وعي المصريين الجماعي. ما بين 3 يونيو و27 يناير لم يكن سوى محطات تعمّد خلالها الرئيس القادم أن يمارس سياسة التشويق. الآن أعلنها بعد تيقّنه من أن الجمهور صار في مرحلة استسلام كامل. الآن الجمهور صار مستسلماً ويطالب بتلقّي سياسات "الدكر".

اعلان


الأصيل "أهوه"

عندما كان الرئيس المصري، عدلي منصور، يظهر إلى جانب الفريق السيسي كانت عدسات الكاميرا ذكية وقادرة على ترتيب هرمية السلطة. كانت تضع "الفريق" في وسط الصورة. المصريون كانوا مدركين لهذه الحقيقة. كل شيء يتلخص في "النكتة" التي جرى تداولها على وسائل الإعلام الاجتماعي. على حساب "تويتر" نسبوه إلى منصور، نشر ناشطون باسم الرئيس "تغريدة" يتحدث فيها عن مضمون اتصال تلقاه من الرئيس الأميركي باراك أوباما: "قال: عدلي منصور معايا؟ قلت: أيوه. قال لي: طيب اديني السيسي لو سمحت".

بعد قليل، ستتغيّر المشهدية المصرية. الأصيل قرّر أن يمارس السلطة بنفسه وأن يستبعد الوكيل. ستصير السياسة المصرية أكثر صدقاً. لن يتوه المصريون في جدالات تتمحور حول القشور. مَن سيحكم مصر سيكون إبن المؤسسة العسكرية، هذه المؤسسة التي تحكم مصر، بالواسطة، منذ وقت طويل. لا واسطة بعد اليوم. سيكون هناك حاكم صريح. الثورة المصرية نقلت السياسة من مجال التورية إلى مجال الوضوح. هذا هو الإنجاز الإيجابي الأبرز للثورة!

وصل "التلامذة" إلى المرحلة الدراسية التي تمكنّهم من دراسة نموذج حمدين صباحي. المرشح السابق للرئاسة المصرية والذي كان يُمني نفسه بخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة كمرشح للثورة يرفع لواء "الفكر الناصري". هو من "فلول" الناصرية المنتشرين في كل الدول العربية. هؤلاء كانوا يجمعون في كرّاسات تناقضات الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ويقولون للناس: إليكم بالفكر الناصري. يبدو أنهم لم يكونوا يعرفون أن قوّة عبد الناصر مردّها إلى كونه أيضاً "دكر" وما خطاباته سوى لزوم ما لا يلزم. ربما بعد فترة سيتبع آخرون خطواتهم وسيقولون: هذا هو الفكر السيسيّ. ربما سيقولون بعد تحريف "بسيط": هذا هو الفكر السياسي.

download (2)

السيسي والثورة

سقط حسني مبارك. إنها الثورة المصرية. الجيش قرّر الوقوف مع الجماهير. المشير الطنطاوي لم يكن كاريزماتياً. ظروف خروجه إلى الضوء لم تكن مناسبة لولادة البطل. حَكَم المشير حين كانت الجماهير لا تزال تمتلك مخزوناً من الطاقة الثورية. كانت الجماهير، تماماً كما أي مستهلك، تقف في سوبر ماركت السياسة أمام أصناف عدّة ولا تستطيع الاختيار. رحل المشير. فترة حكم الإخوان المسلمين كانت كفيلة بسحب فائض الطاقة الذي أنتجته الثورة المصرية. أتى السيسي. كانت الخيارات ضيّقة أمام المستهلك. وُلد البطل.

رئيس إبن المؤسسة العسكرية. وزير دفاع تعيّنه المؤسسة العسكرية. ها هم "فتيان مصر" الذين بدمائهم يحمون حماها والمتحكمون بثلث الاقتصاد المصري، يخرجون إلى الضوء. هؤلاء إن رفضوا التوريث يستطيعون الانتقال إلى صفوف الجماهير. يمتلكون من الخيارات أكثر مما يمتلكه أي حاكم آخر وأكثر مما تمتلكه الجماهير. هذا الأمر سيسبب إزعاجاً للمطالبين بدولة مدنية، لا دينية ولا عسكرية. ولكن الخيارات ضيّقة أمام هؤلاء.

سيبقى أحد جناحي الدولة المدنية مكسوراً. كيف يمكن تركيب دولة لادينية ولاعسكرية؟ هذا هو السؤال الذي لطالما قضّ مضاجع المدنيين. سلطة الإخوان المسلمين كانت تسير، حمقاء الخطى، نحو الدولة الدينية. أوقفت حركة 30 يونيو مسيرتها فكان أن تصدّر العسكر واجهة السلطة. من جديد، أعطت التطورات للإخوان المسلمين ما لم يكونوا يحلمون به. الآن صار لديهم برنامج سياسي ينسجم مع التفكير السياسي الحديث: إسقاط حكم العسكر! ماذا ستفعل القلّة الباقية من المدنيين؟ لا مفرّ من تحالف تكتيكي بينهم وبين الإخوان المسلمين. من يريد ممارسة السياسة لا يستطيع إعلاء التناقضات مع برامج المعارضين. عليه إعلاء التناقضات مع النظام الحاكم.

كثيرة هي معاني أن يكون السيسي رئيساً للجمهورية. في القمة العربية القادمة سيجلس "المشير" مع باقي زعماء الدول العربية وستراه الملايين العربية. سينظر إليه المواطن العربي ثم سيفكّر في قائد جيشه. هذا الترابط بين صورة الرئيس وبين صورة العسكر لن يكون مصرياً حصراً، بل سيعبر الحدود وسيصير جزءاً من التفكير العربي في الثورة! كيف لا؟ "ثورات" 1958 لا تزال في الذاكرة والسيسي وفّر صلة الوصل بالتاريخ.

الثورة هي تجمّع أحلام لذلك هي دائماً إشكالية. ليس ممكناً أن تتوحّد أحلام الملايين. الملايين يمكن أن يوحّدها شعورها بالامتعاض. المصريون نزلوا إلى الشوارع لأنهم يشعرون بأن حياتهم "مش كويّسة". وبما أن ظروف مصر لا تسمح بإحداث تحوّل نوعي في حياة الناس كان لا مفرّ من السيسي ولو بعد حين! كان لا بد من "بطل" يستطيع إرضاء الدولة العميقة وقادر، في الوقت عينه، على تلبية حاجات الجماهير من خلال حرفها عن الواقع وفكّ علاقتها به!

كلمات مفتاحية
30 يونيو

التعليقات

المقال التالي