هل يحول السيسي الجيش إلى حزب سياسي؟

هل يحول السيسي الجيش إلى حزب سياسي؟

يوم 12 مايو 2013، أثناء احتدام الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت في الحكم، والقوى المدنية المعارضة، وجه الفريق أول عبد الفتاح السيسي قائد الجيش، رسالة للمصريين قال فيها "الجيش نار لا تلعبوا بيه ولا معاه" وأضاف "جيش مصر بعيد عن السياسة".

يوم أمس، 27 يناير 2014، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بياناً عن موقفه من ترشح السيسي للرئاسة واصفاً إياه بـ "واجب، تكليف، التزام". تسعة أشهر تفصل بين تصريح الفريق وبيان الجيش، تسعة أشهر فقط كانت كافية لتغيّر المواقف وتبدل الآراء. وها هو الجيش يقرر الدخول بنفسه، بكيانه (كمؤسسة) في العملية السياسية.

اعلان


الأخبار الواردة من داخل الاجتماع المغلق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة تؤكد أن اجتماع الأمس كان عاصفاً، فهو لم يكن بالمقام الأول للموافقة على ترشح السيسي أم عدم الموافقة، بل كان بالأساس لترتيب البيت من الداخل. يؤكد المصدر الذي رفض ذكر اسمه أنه كانت هناك نية لاستدعاء بعض الجنرالات الذين تمت إحالتهم للتقاعد في عهد مرسي للخدمة من جديد وتسليمهم مناصب قيادية، نظراً لكفاءتهم ومهنيتهم. هذا الخبر حين تسرب، آثار موجة غضب عاصف داخل وزارة الدفاع، وحالة غليان بين الضباط الموجودين في الخدمة الآن، مما استوجب أن يصدر المجلس على لسان متحدثه العسكري بياناً مقتضباً يقول فيه "القوات المسلحة تؤكد عدم دقة المعلومات التي تتداول عن المستقبل الوظيفي لكبار قادة المؤسسة العسكرية".

هذا البيان لم يكن موجهاً للشعب بقدر ما كان موجهاً للداخل لاحتواء أزمة نشبت داخل المؤسسة العسكرية. يؤكد المصدر أن منصب الوزير قد حسم لصالح  الفريق صدقي صبحي، وإن بقي منصب رئيس الأركان محل نزاع، لكن الأقرب له هو اللواء توحيد توفيق (قائد المنطقة المركزية).

الاخبار المسربة - إن صحت - عن النزاع الحادث أمس داخل المؤسسة العسكرية المصرية ليس ما يهمنا هنا، ولا هو مكمن الخطورة، لأن الأهواء الشخصية أمور واردة عند إعادة ترتيب أي بيت من الداخل. مكمن الخطورة كما يراه كثير من المحللين السياسيين، هو في بيان الجيش نفسه، أو لنكن أكثر تحديداً، في طريقة تعامل الجيش مع مسألة ترشح السيسي. فالمجلس العسكري في بيانه أمس (للشعب) كان يرسل رسالة واضحة لا لبس فيها: “هذا الرجل يمثلنا، نحن ندعمه”، وهنا مكمن الخطر.

ذلك يعني تورط الجيش كمؤسسة في العملية السياسية، وهو ما لم يحدث في تاريخ مصر، فحتى ثورة 1952، لم يكن الجيش (كمؤسسة) سوى طرف فيها. كانت عملية انقلابية قام بها بعض صغار الضباط، نجحت ونجم عنها توليهم السلطة؛ كونها لاقت قبولاً شعبياً بعد ذلك وتقبلاً من باقي وحدات الجيش، لم يجعلها حركة صادرة عن الجيش ككيان، بقدر ما كانت نزعات فردية لضباط أفراد داخل التشكيلات والوحدات.

المشهد هنا مختلف تماماً. السيسي أصبح مدعوماً من الجيش، هو مرشح رسمي للجيش، وهذا أمر شديد الخطورة.

أولاً، لأنه يقضي على أي عملية تنافسية، إذ من يستطيع منافسة ماكينة الجيش في بلد عُرف أهله بميلهم العاطفي تجاه البدلة الكاكية، وذلك فضلاً عن إمكانيات هذه المؤسسة وقدراتها الجبارة.

ثانياً، كيف سيكون موقف مؤسسات الدولة من قضاء، شرطة، إعلام، وجهاز إداري عندما تصبح المؤسسة الرئيسية في البلاد طرفاً في التنافس الانتخابي، ومن يضمن أو يتخيل حياديتها!

ثالثاً، وهو الأخطر، الوضع الاقتصادي والسياسي في مصر غير مستقر، بل ويمكن وصفه بالسيء، لدرجة يمكن معها القول إن نسبة نجاح أي رئيس قادم هي 50%. القادم قد ينجح أو يفشل، ولكن فشله قد يحدث موجة غضب شعبي جديد، وملايين في الشوارع تطالب بالإطاحة به.

هذا ما حدث مع مبارك ومرسي من قبل. السبب الأهم الذي دفع غالبية المصريين للنزول إلى الشوارع، لم يكن إلا تردي الأحوال وسوء الوضع الاقتصادي تحديداً، وهي أمور يصعب التكهن بمدى قدرة الرئيس القادم - أي رئيس - على حلها. في المرتين السابقتين، كانت المعادلة شعباً يواجه رئيساً ومؤسسة عسكرية في الخلفية، لكن ما حدث الآن غير التوازنات. نحن أمام مرشح مؤسسة، وعليه فالصدام القادم - لا قدر الله - إن حدث سيجعل الشعب في قبالة الجيش، وهو وضع يمكن اعتباره كارثياً.

ألم يكن من الأفضل أن تختار المؤسسة العسكرية مرشحاً مدنياً تدعمه، معنوياً، على ألا يكون مرشحها الرسمي. ولئن كان السيسي راغباً في الترشح، ألم يكن من الآمن أن يخلع بذلته العسكرية ليترشح كفرد؟ سيكون حينها مدعوماً من الجيش، لكن لن يكون مرشحه الرسمي، وإن فشل، يمكن حينها التبرؤ منه، ويظل الجيش في أمان بمعزل عن نيران السياسة التي كثيراً ما حذر السيسي نفسه من الزج به في حريقها: “الجيش نار متلعبوش بيها أو معاها”.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي