سنّة لبنان نحو مزيد من التشدّد

سنّة لبنان نحو مزيد من التشدّد

في شارع الثقافة، في مدينة طرابلس الشمالية، خرج أحد الشباب من منزله وراح يوزّع الحلوى على الناس فرحاً وممتلئاً بالفخر. شاركه بعض شباب الحيّ احتفاليته حاجزين لأنفسهم نصيباً من نِعم المناسبة. كان هذا تنفيذاً لوصيّة أخي الشاب التي جاء فيها: "إلى إخواني وأخواتي... أوصيكم جميعاً بأن لا ينوح عليّ أحد في زفّتي إلى الجنّة بل وزّعوا التمر وزغردوا في عرس الشهادة".

صاحب الوصيّة هو الانتحاري أحمد محمود دياب المكنّى بأبي بكر الرياضي نسبة إلى كونه لاعب كرة قدم في نادي "الرياضة والأدب". كان أخوه يحتفل بتنفيذه عملية انتحارية ضد أحد حواجز الجيش السوري في مدينة حمص. خرج أبو بكر من عالم المجهول إلى عالم الحضور! قيل إن العملية تأجلت وإن أحمد لا يزال حياً يرزق في سوريا ثم قيل إنه نفّذها ولكن هذا ليس مهماً. المهم هو الدلالات الناتجة عن هذا الطقس الاحتفالي بـ"البطل".

اعلان


ما حصل يكشف عن تغيّرات عميقة في مزاج أبناء بعض البيئات السنّية اللبنانية، وخاصة في الشمال اللبناني. دخل البعض مرحلة تقديس العنف الهادف إلى "إعلاء كلمة الله أولاً ثم ثأراً لدماء الشهداء"، على ما جاء في وصيّة "أحمد". المنظومة اللبنانية الديمقراطية، أو بالأحرى ما يتوافر من ديمقراطية في المنظومة اللبنانية لم يعد كافياً لشريحة شبابية تتسع يوماً بعد يوم.

"وصيّتي لكم يا رفاق الدرب أن تتوحّدوا وتعتصموا بحبل الله وأن لا تتفرّقوا ولا تتحزّبوا فما خرجنا لحزب ولا لفرقة إنّما خرجنا لتكون كلمة الله هي العليا. سيروا وراء من يعلي هذه الراية ويرخص الدماء لأجلها ولا تكترثوا لاسم أو جماعة..."، قال الانتحاري أو مشروع الانتحاري. لعلّ هذا أهم جزء من وصيّته فهو الجزء الذي يُفصح فيه عن كفر بعض الشباب السنّي بالأحزاب والجماعات القائمة.

تأييد السنّة اللبنانيين لتيار المستقبل انخفض كثيراً في كل البيئات السنّية. حتى أن درجة الحب التي تربط كثيراً من مؤيديه به انخفضت دون أن تصل إلى مرحلة طلب الطلاق. فبعد لحظة الذروة التي أعقبت اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، والتي كان قد راكمها بنفسه على مدى 23 سنة، بدأت شعبية هذا التيار تسلك مساراً انحدارياً وذلك لأسباب مختلفة. الآن يمكن ملاحظة نوع من مشاعر مزدوجة تتصارع داخل كل مؤيد لتيار المستقبل: شيء من الحب الناتج عن كونه ممثل السنّة اللبنانيين الرئيسي مع شيء من الكره الناجم عن اعتباره غير ملائم لخوض معركة سياسية في مواجهة حزب محارب كحزب الله.

مراحل سياسية عدّة انقضت منذ بداية 2005، وبسبب تعاطي تيار المستقبل مع كلّ من هذه المراحل كانت جماهيره تأخذ مسافة منه. فالتيار يرفع شعارات سياسية كبيرة دون أن يستطيع اتباع مسار سياسي متناسب مع هذه الشعارات. يرفع سقفه السياسي و"ينبطح" في الممارسة! لذلك أسباب كثيرة على رأسها إدراك التيار أن أيّ تصلّب في الممارسة السياسية سوف يأخذ لبنان إلى الحرب الأهلية، خاصة وأن خصمه السياسي الرئيسي، أي حزب الله، لا يتوانى عن ممارسة سياسة "حافة الهاوية"، فالحزب الأخير نجح في بناء منظومة سياسية ـ اجتماعية تستطيع العمل بمعزل عن مؤسسات الدولة اللبنانية. الاختلاف بين الحزبين له أسباب كثيرة على رأسها أن تيار المستقبل، كمعظم الأحزاب اللبنانية الأخرى، باستثناء حزب الله، يبني وجوده على المنظومة السياسية الزبائنية المرتبطة بمؤسسات الدولة. بغض النظر عن الأسباب، فإن هذا التفاوت بينهما ينعكس سلباً على قواعد تيار المستقبل الشعبية.

آخر المحطات كان موافقة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري على مشاركة حزب الله في حكومة سياسية. أتى موقف الحريري بعد أشهر من التصريحات الرافضة لمشاركة الحزب في أية حكومة طالما أن مقاتليه لا يزالون يخوضون، في سوريا، حرب نظام بشار الأسد. الحريري يعرف أن لا مفر من ذلك، فإما هذا أو الفراغ ولكن جماهيره ترفض الاعتراف بذلك وترفض المشاركة في حكومة واحدة مع حزب تتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عناصر منه باغتيال الحريري.

قبلها، حدثت مواقف كثيرة مشابهة. أعلن التيار حرباً على الوجود السوري، بعد اغتيال مؤسسه رفيق الحريري، ثم اجتمع مع حلفاء النظام السوري تحت سقف حكومة واحدة. أعلن أنه سيتصدّى لمنظومة حزب الله الأمنية المستقلة عن الدولة ثم عاد واجتمع معهم بعد تنفيذ هؤلاء عملية عسكرية محدودة، في 7 أيار 2008، حفرت آثاراً عميقة في الوجدان السنّي. ثم كانت الثورة السورية وما ولّدته من انقسام عامودي في لبنان بين مؤيد ومعارض للنظام السوري. في هذه الظروف، أسقط حزب الله سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، ثم أقصاه عن المشاركة في الحكومة. والآن، يعود سعد الحريري ليقول لجمهوره: سنشارك حزب الله في الحكومة. لا يستطيع الجمهور تلقي هذه الضربات المتتالية!

الامتعاض السنّي من سياسات تيار المستقبل أنتج مفاعيله ولكنه كان امتعاضاً مناطقياً إلى حد بعيد. في مدينة طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، نما التيار السلفي صاحبالخطاب "الناري" ونجح في استدراج نواب تيار المستقبل الشماليين إلى سقف شعاراته العالية بخصوص لبنان وبخصوص الثورة السورية. في مدينة صيدا، عاصمة الجنوب، لقيت ظاهرة الشيخ أحمد الأسير تعاطفاً شعبياً من فئات واسعة، ولم يمتعض منها، بشكل واضح، سوى التجار. تم القضاء على ظاهرة أحمد الأسير، لكن المشاعر التوّاقة إلى المواجهة بقيت.

أبو بكر الرياضي ليس أول اللبنانيين الذين يقررون تنفيذ عمليات انتحارية في سوريا وطبعاً هو ليس أول المقاتلين اللبنانيين السنّة الذين توجهوا إلى سوريا. سبقه المئات. لكن أبي بكر كتب وصيّة وهذا يساعدنا على فهم نفسية هؤلاء الشباب أكثر.

حدّة الانقسام اللبناني لا تترك للاعتدال السنّي خيارات كثيرة. إن مال نحو التشدّد سيرضي جمهوره أكثر ولكنه سيأخذ البلد إلى حرب أهلية. وإن قرر الاستمرار في نهج الاعتدال سيخفف من التوتر العام، لكنّه سيتسبب بخسارته جزءاً كبيراً من شعبيته. أمام هذه المعضلة، سنسمع كل يوم عن شاب لجأ إلى الخيارات المتشددة أو عن مجموعة قررت سلوك طريق العنف تحت عنوان السلفية الجهادية.

التعليقات

المقال التالي