المعارضة القطرية المفقودة

المعارضة القطرية المفقودة

على عكس جارتيها مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، لم تعرف دولة قطر معارضة سياسية بما تحمله الكلمة من مضامين وبقيت العاصمة القطرية الدوحة بمنأى عن الربيع العربي الذي ألقى بظلاله على منطقتي الشرق الاوسط وشمال أفريقيا. فما بين الصراع العائلي على السلطة والأصوات المطالبة بالإصلاح السياسي لم ترتق النخب القطرية لتشكيل معارضة حقيقية. دولة قطر المستقلة التي تأسست عام 1971 شهدت عمليات لانتقال السلطة عبر الانقلابات داخل أسرة آل ثاني الحاكمة، حتى أنه بالإمكان القول إن تاريخ قطر السياسي الحديث ممهور بتلك الانقلابات التي سميت معظمها بالبيضاء كإشارة لعدم زهق الأرواح وإسالة الدماء.

يعود تاريخ المطالبة بالإصلاح في قطر إلى ما قبل الاستقلال والانقلاب الأبيض الذي قاده خليفة بن حمد آل ثاني عام 1972 على ابن عمه الشيخ أحمد بن علي بن عبد الله آل ثاني. فعام 1963 شهد تأسيس مجلس بلدية قطر على إثر مظاهرات شعبية ضد الحاكم البريطاني وقُدمت عريضة الحركة الوطنية التي ركزت مطالبها على انتخاب أعضاء المجلس البلدي والمشاركة في الشأن العام وتوزيع ثروات عائدات النفط، ما نتج عنه اعتقال وإبعاد العشرات.

بقيت الأصوات المطالبة بالإصلاح خافتة حتى عام 1992 عندما قدمت عريضتين تطالب بانتخاب مجلس الشورى (المعيّن) وتكليفه بوضع دستور دائم للبلاد، ما أدى إلى معاقبة الموقعين بالسجن والمنع من السفر والحرمان من الحقوق والتهديد بسحب الجنسية.

بعد ثورات الربيع العربي قفزت إلى الواجهة مجموعة أطلقت على نفسها اسم "المعارضة القطرية في الخارج" ووقع على بيانها الأول حوالي 66 شخصية قطرية من كندا. ولت هذه المجموعة الشيخ عبد العزيز بن خليفة آل ثاني، الذي يعيش في المنفى في فرنسا منذ تولى أخوه حمد التغيير الوزاري عام 1992، أميراً على البلاد. عادت مطالب الإصلاح هي الأخرى عام 2011 في ما يسمى "لقاء الإثنين" الذي أطلقه الدكتور والباحث علي خليفة الكواري مع مجموعة من القطريين. وهو عبارة عن لقاءات شهرية دورية لقطريين معنيين بضرورة الإصلاح، يناقشون فيها قضايا الإصلاح والتنمية، وكان أهمها لقاء عقد في شهر نوفمبر عام 2012 بعد صدور كتاب "الشعب يريد الإصلاح في قطر... أيضاً".

بعد تسع سنوات على تولي الأمير السابق حمد سدة الحكم في قطر، تم إقرار "دستور قطر الدائم" عام 2004. شهد عهد الأمير السابق كذلك أولى الانتخابات المحلية للمجالس البلدية في قطر، وكان قد وعد عدة مرات بإجراء انتخابات تشريعية لانتخاب مجلس الشورى، أي ما كان قد جاء في العريضتين الإصلاحيتين عام 1992، ولكن من دون أن يتيح ذلك. وإن كان نص "النظام الأساس المؤقت" لعام 1970 يؤكد على أن نظام الحكم في قطر ديمقراطي وكذلك الأمر بالنسبة لنص الدستور الدائم لعام 2004، فهذا لم يترجم عملياً على أرض الواقع.

المعارضة في قطر - تاريخ المعارضة القطرية المفقودة

الباحث والناقد القطري الكواري، صاحب "لقاء الإثنين" يشير في دراستين، واحدة تحت عنوان "حالة الديمقراطية في قطر" والثانية "الحاجة للإصلاح في قطر" الى أن واقع الحال في قطر "يؤكد استمرار الحُكم المُطلق، قبل صدور الدستور الدائم وبعده" ويؤكد على عدم إمكانية الانتقال إلى الديمقراطية في ظل الدستور الحالي وتعطيل ما ورد فيه... هذا إلى جانب المادة 150 التي "عطلت السلطة التشريعية  إلى حين إجراء انتخابات مجلس الشورى الموعود".

في الإطار ذاته يوجز الكواري مكامن الخلل الرئيسية المزمنة في قطر بأربعة أمور أساسية، أهمها الخلل السياسي الذي يتمثل "في غياب الديمقراطية وعدم مراعاة مبدأ المواطنة وانعدام المُشاركة السياسية الشعبية الفعالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة". أما عقبات الإصلاح فيختصرها بأربعة: حجب المعلومات ذات العلاقة بالشأن العام وحظر نشرها؛ غياب الشفافية؛ غياب حرية الرأي والتعبير؛ الخلط بين العام والخاص وقصور الإدارة العامة.

واقع الحال في قطر يشير إلى أن السلطة القطرية تعمل وفق مبدأي القمع والنفي أو الترغيب والترهيب. فإذا كانت قصيدة الياسمين للشاعر محمد بن الذيب العجمي - التي يقول فيها "آه عقبال البلاد اللي جهل حاكمها يحسب أن العز في القوات الأميركية... كلنا تونس في وجه النخبة القمعية" - قد أودت به إلى السجن (المؤبد، قبل أن يخفف الحكم ليصل إلى خمسة عشر عام) فالمنفى كان المصير المحتم للشخصيات التي أطلقت مؤخراً على نفسها اسم معارضة الخارج.

وإذا كان ترهيب وإسكات الأصوات المعارضة ميزة كل النظم السياسية الأوتوريتارية، لم يمنع ذلك الحاكم القطري من ممارسة الترغيب عبر رفع رواتب الموظفين الحكوميين والقوات المسلحة. فعلى إثر موجة الربيع العربي عام 2011، أصدر ولي العهد آن ذاك تميم بن حمد قراراً بزيادة الرواتب الأساسية والعلاوة الاجتماعية والمعاشات للموظفين المدنيين العاملين في الدولة بنسبة 60% من الراتب الأساسي وبنسبة 60% من العلاوة الاجتماعية، بينما زادت رواتب العسكريين بنسبة 120% من الراتب الأساسي وبنسبة 120% من العلاوة الاجتماعية للعسكريين من رتب الضباط. وقد وردت في عدة وسائل إعلامية أنباء عن محاولة بعض ضباط الجيش والمسؤولين العسكريين القيام بانقلابات، ما يفسر تلك النسبة المرتفعة جداً في الزيادات على رواتب ضباط القوات المسلحة.

هذا الواقع الباثولوجي للنظام السياسي القطري يطرح أمام الباحثين إشكالية عدم وجود معارضة قطرية يعتمد عليها. ويفرض سؤالاً لا مهرب منه: لماذا لم يطل الحراك العربي الذي وصل البحرين والمملكة السعودية العاصمة القطرية الدوحة؟ فإذا ما استثنينا حالة الشاعر العجمي والمعارضة القطرية الهزيلة في الخارج - التي دعت عبر خطوة بهلوانية في بيانها الأول للإطاحة بأمير قطر معلنة من خلاله توليتها الشيخ عبد العزيز آل ثاني أميراً للبلاد ثم صمتت - نكاد لا نجد في الدوحة إلا صاحب "لقاءات الإثنين".

في الحقيقة يشير الكواري في مقابلة أجرتها معه مؤسسة Heinrich Böll Stiftung حول كتابه، إلى أن الحاجة للإصلاح في قطر عامة، لكن المطالبة بها ما زالت مسألة فردية ويعود السبب في ذلك إلى منع قيام منظمات للمجتمع المدني. فالقانون القطري لا يمنع فقط نشوء الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، بل أيضاً كافة أنواع التجمعات، مما يعني أن إمكانية نشوء معارضات تعمل ضمن الأطر والمؤسسات العامة هي شبه مستحيلة. فصاحب لقاءات الإثنين، التي من الممكن أن تشكّل لاحقاً مجموعة "قطريون من أجل الإصلاح"، يؤكد على عدم وجود تنظيم يحمل هذا الاسم في الوقت الحاضر في انتظار أن يسمح القانون بذلك عبر منحهم الترخيص المناسب. لكن وإلى أن يتم ذلك، ما زالت لقاءات الإثنين تعقد في أماكن خاصة، وهي وبالرغم من كونها نخبوية ولا تشكل معارضة يهاب منها، منعت عنها السلطات القطرية إمكانية اصدار كتاب الكواري في الدوحة.

يؤكد الكواري أنهم في لقاءاتهم يعملون على "تنمية فهم مشترك أفضل لأسباب الخلل وأوجه الإصلاح المنشودة"، وبأنهم يسعون أن "لا تخرج دعوتهم للإصلاح عن المألوف والممكن في قطر" كي "لا يفسد أسلوب التعبير الصريح والصادق… للود قضية مع حكومة قطر"، مما يعني أن إمكانية أن تتحول هذه المجموعة إلى معارضة فعالة ما زالت بعيدة المنال.

التعليقات

المقال التالي