هل تتحسن العلاقات بين موريتانيا ومالي؟

هل تتحسن العلاقات بين موريتانيا ومالي؟

شهدت الأشهر المنصرمة توتراً سياسياً وأمنياً في العلاقات بين نواكشوط وباماكو، وذلك عقب انتخاب الرئيس المالي الجديد "ابراهيم كيتا". اختلفت وجهات نظر الدولتين الجارتين في عدد من الملفات الهامة، أبرزها على المستوى الدبلوماسي والأمني، مما حدا بالعديد من وسائل الإعلام  أن تربط بين غياب الرئيس الموريتاني عن تنصيب نظيره المالي وسوء علاقات البلدين. وكان امتناع الماليين عن السماح للجنود الموريتانيين المشاركين في القوة الأممية شمال مالي، من التمركز على حدود البلدين، قد فجّر أزمة وفرض على موريتانيا تأخير إرسال جنودها إلى الأراضي المالية، بالإضافة إلى تعرض الجالية الموريتانية في مالي لمضايقات مختلفة منها الاعتقالات والتهجير. فهل ستعيد رغبة الجانبين التعاون حول محاربة الإرهاب دفئاً جديداً للعلاقات القادمة!

ترتبط موريتانيا ومالي بحدود برية هي الأطول لكلا البلدين، حيث تبلغ 2237 كم يقع معظمها في صحراء قاحلة مترامية الأطراف وعرة المسالك والطرق. تاريخياً ارتبط البلدان بعلاقات اقتصادية وأواصر اجتماعية وقبلية زادت من التداخل السكاني، كما أن التواصل التجاري كان سائداً عن طريق الأسواق الشعبية المتنقلة، والتبادل التجاري على مستوى المحافظات الشرقية من موريتانيا. يضاف إلى ذلك تواجد بعض الأسر الموريتانية التي لها نفوذ روحي قوي وأتباع كثر في مناطق الشريط الحدودي مع مالي.

مساوئ أزمة الشمال

تعتبر الأزمة الأمنية والسياسية في شمال مالي (إقليم أزواد) من أبرز الملفات التي أعاقت تقدم العلاقات الموريتانية المالية مع بداية استلام الرئيس "كيتا" لمقاليد الحكم في البلاد. تتهم باماكو موريتانيا باحتضان الحركة الوطنية لتحرير أزواد (المتمردين الطوارق)، وبالسماح للأمين العام للحركة العربية لتحرير أزواد بالإقامة في العاصمة نواكشوط، ما يتيح لهذه القيادات التي تعارض الغالبية منها السلطة المركزية في باماكو التحرك ورسم خططها وتحالفاتها المعارضة لنهج الحكومة المالية.

كما أن رفض نواكشوط لاستغلال موقعها الريادي وعلاقتها مع قبائل الشمال لصالح الحكومة المالية زاد من توتر العلاقات، وأعطى مبرراً لاتهامها بالتواطؤ مع الحركات المتمردة التي كانت تحارب إلى جانب التنظيمات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي سيطر على شمال مالي، تزامناً مع الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق "آمادو توماني تورى".

تقارب بعد جفاء

تمثل زيارة الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز لمدينة "خاي" المالية قبل أسابيع لحضور تدشين محطة فيلو ووضع الحجر الأساس للاستصلاح الكهرومائي في مدينة قوينا، أولى محطات التعافي للعلاقات الموريتانية المالية. استقبل ولد عبد العزيز في المطار من طرف نظيره المالي ابراهيم أبو بكر كيتا مع عدد من أعضاء حكومته. تبعها زيارة رسمية قام بها مؤخراً الرئيس المالي لموريتانيا هي الأولى له منذ توليه حكم البلاد. ومن أبرز الاتفاقات التي نجمت عنها، إنشاء شركة للخطوط الجوية بين موريتانيا ومالي والنيجر، هي الأولى من نوعها في المنطقة، وقيام الرئيس المالي بالتعرف على أغلب المنشآت الاقتصادية بما في ذلك منطقة نواذيبو الحرة، وشركة "سنيم" للصناعة والمناجم، كبرى شركات المعادن الموريتانية، بالإضافة إلى عدد من الموانئ والشركات الأخرى. وقد شدد الطرفان على ضرورة تعزيز التعاون بين القوات المسلحة وأجهزة أمن البلدين عن طريق اللقاءات الدورية.

مصالح مشتركة

يرى المحلل السياسي الموريتاني، محمد سالم ولد محمدو، أن الهوية القبلية المشتركة بين موريتانيا ومالي لها أثر بالغ في إعادة علاقات البلدين إلى مسارها الطبيعي، مؤكداً أن مالي اليوم وهي تحاول التصالح مع ذاتها تحتاج دون شك إلى تحسين علاقاتها مع دول الجوار بشكل عام، وخصوصاً موريتانيا التي تمثل الكثير بالنسبة لأمنها واقتصادها.

يضيف محمدو موضحاً إن مالي "تحاول منذ سنتين التعافي من الأزمة الثقيلة التي سببتها طريقة إدارة الرئيس السابق "توماني توري" للعلاقات مع العالم، عندما حول مالي إلى ميدان للإرهابيين والتنظيمات المسلحة ومنصة لإطلاق الهجمات على دول الجوار وسجناً للمخطوفين".

لكن موريتانيا أيضاً، حسب ولد محمدو، تحتاج علاقات أكثر هدوءاً مع مالي، فشمالها يمثل خنجراً في خاصرة موريتانيا، يمكن تحريكه في أي وقت، مشيراً إلى أنّ الموقف الموريتاني يحتاج إلى الجمع بين قضيتين. من جهة، فهم الدور الاستيراتيجي للعلاقات مع مالي، فورقة شمال مالي يجب أن تكون جزءاً من استيراتيجية القوة الموريتانية، ومن جهة ثانية، ولكون شمال مالي قد تحول إلى منطقة حرة للسلاح والفوضى والإرهاب، إدراك ضرورة الجمع بين منطقي القوة الجاهزة والعقل المؤمن بضرورة الحوار.

يتساءل ولد محمدو كذلك عن فرص هذا التقارب في ظل أكثر من أزمة، منها الأزمة الصامتة بين موريتانيا والمغرب، والتقارب الحثيث بين المغرب ومالي، وكذلك سوء العلاقات المالية الجزائرية، مع وجود تقارب قوي بين موريتانيا والجزائر…

التعليقات

المقال التالي