لبنان يدخل دوامة الموت!

لبنان يدخل دوامة الموت!

في الأحاديث التي يتداولها المواطنون اللبنانيون صار طاغياً التساؤل عن موعد التفجير الانتحاري القادم! جزء كبير منهم صار يسيّر حياته اليومية على إيقاع الخوف من الموت.

تاريخ من اللااستقرار

اعلان


معظم اللبنانيين معتادون، إلى حدّ ما، على انعدام الاستقرار الأمني. سنوات حربهم الأهلية (1975 ـ 1990) ليست ببعيدة. مَن لم يعش تفاصيلها سمع روايات يتناقلها الأهل وسمع السياسيين اللبنانيين وهم يتفاخرون بتاريخهم الحربي دفاعاً عن "وجود" هذه الطائفة أو عن تلك! الجنوبيون منهم لم ينعموا بالاستقرار النسبي الذي عمّ باقي المناطق في مرحلة السلم الحديثة. كانوا يعيشون، حتى عام 2000، إما تحت الاحتلال الاسرائيلي أو على خطوط التماس مع المناطق المحتلة، وهي كانت الأماكن الأكثر تعرضاً للاعتداءات. وفي سنوات 1993- 1996 خبروا معنى الحرب الصغيرة. عام 2006 كان عام العدوان الاسرائيلي الواسع. الطرابلسيون يعانون، منذ العام 2007، من اللاستقرار الناجم عن جولات عنف تندلع كل فترة بين سنّتها وعلوييها بسبب العامل السوري (قبل الثورة السورية وبعدها). عام 2007 كان عام الحرب على مجموعة فتح الإسلام الإرهابية التي سيطرت على مخيّم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين. عام 2008 كان عام أحداث "7 أيار"، أي عام العملية العسكرية التي نفذّها حزب الله ضد خصومه بذريعة أنهم كانوا يشكلون نواة ميليشيات. وفي كل هذه المراحل خبر اللبنانيون الحياة في بلد تُنفّذ فيه عمليات اغتيال الشخصيات السياسية والأمنية، خاصة بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام 2005. غير ذلك كانت كثيرة الاشتباكات المحدودة (بالجغرافيا أو بمستوى العنف) التي أعقبت تظاهرات أو اعتصامات. في الحقيقة لبنان لم يكن يوماً بلداً مستقراً لا قبل الحرب الأهلية ولا بعدها.

الانتحاريون وصلوا!

الجديد في اللااستقرار اللبناني هو العمليات الانتحارية. حتى في أوج حرب اللبنانيين الأهلية لم يعرف اللبنانيون عمليات انتحارية ينفذها طرف لبناني ضد آخر. فكل العمليات الانتحارية التي عرفها التاريخ اللبناني كانت إما عمليات ينفذها الخارج ضد الخارج على الأراضي اللبنانية (حالة وحيدة هي حالة تفجير نفذه انتحاري عراقي ضد السفارة العراقية في بيروت، في 15 ديسمبر 1981 على خلفية الصراع الإيراني ـ العراقي) أو استهدافاً للمصالح الأجنبية في لبنان (عمليات يُتهم بتنفيذها حزب الله استهدف إثنان منها القوات المتعددة الجنسيات والآخران استهدفا السفارة الأميركية)، أو عمليات ينفذها لبنانيون ضد الاحتلال الإسرائيلي (عشرات العمليات بدأها حزب الله عام 1982 ونفذها الحزب المذكور وبعض "الأحزاب الوطنية").

الجديد هو أن لبنان صار أرضاً لعمليات انتحارية ينفذها لبنانيون لحثّ طرف لبناني على تغيير سياساته. فبعد أولى هذه العمليات، في 19 نوفمبر الماضي، والتي استهدفت السفارة الإيرانية، خرج الشيخ سراج الدين زريقات، الناطق باسم "سرايا زياد الجراح" التابعة لتنظيم القاعدة، وأعلن أن العملية نُفّذت بتوجيه من أيمن الظواهري وهدّد بأن "العمليات (ستنتشر) في لبنان، بإذن الله، حتى يتحقق مطلبان: الأول، سحب عناصر حزب إيران من سوريا؛ والثاني، فكاك أسرانا من سجون الظلم في لبنان".

في الأحاديث التي يتداولها المواطنون اللبنانيون صار طاغياً التساؤل عن موعد التفجير الانتحاري القادم! جزء كبير منهم صار يسيّر حياته اليومية على إيقاع الخوف من الموت.

التدخّل في سوريا

كل شيء بدأ مع تدخّل حزب الله في المعارك الدائرة في سوريا. تدرّج تدخّل الحزب من السرية إلى إدعاء حماية بعض القرى القريبة من الحدود اللبنانية والتي يعيش فيها لبنانيون إلى ادعاء حماية مقام السيدة زينب في دمشق. ولكن، مع "توكيل" حزب الله بطرد مسلحي المعارضة من مدينة القصير، في ريف حمص، لم تعد هذه الادعاءات ممكنة بسبب ضخامة العملية. غيّر حزب الله خطابه وأعلنها حرباً ضد من أسماهم "التكفيريين".

قبل تدخّل حزب الله، كانت الثورة السورية قد ولّدت انقساماً سياسياً حاداً في لبنان بين مؤيدين لها وبين داعمين للنظام السوري. لوقاية لبنان من ارتدادات الحرب السورية، وقّع كل السياسيين اللبنانيين، برعاية رئيس الجمهورية، "إعلان بعبدا" الداعي إلى النأي بالنفس عن الأزمة السورية. خرق حزب الله التفاهم اللبناني واعتبرأن الإعلان ولد ميتاً لأن أطرافاً أخرى سبقته إلى الساحة السورية. في الحقيقة، مع بدء الثورة السورية، تحمّس بعض الشباب اللبناني، من السنّة السلفيين، وذهبوا لمناصرة بعض المجموعات المسلّحة المعارضة. ولكن بين حماسة الأفراد وبين سياسة حزب منظم فرق كبير.

جاهر حزب الله بتدخله في المعارك الدائرة في سوريا وأعلنها "حرباً استباقية" ضد التكفيريين. "لو لم نذهب إلى سوريا، لتحوّل لبنان عراقاً ثانياً"، قال الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله. حرب حزب الله "الاستباقية" لم تؤدّ، لبنانياً، إلا إلى استدراج المجموعات الإرهابية إلى لبنان. بدأت العمليات الإرهابية مع تفجيرين بسيارتين مفخختين ثم تطورت إلى استخدام أسلوب الانتحاريين مع تفجير السفارة الإيرانية وكرّت سبحة الانتحاريين مع تفجيرين آخرين. سقط عشرات القتلى ومئات الجرحى. وصار سؤال اللبنانيين التراجيدي ـ الكوميدي: متى سيكون التفجير الانتحاري التالي؟!

بخلاف استهداف السفارة الإيرانية التي أتت "عملاً بتوجيهات شيخ المجاهدين الشيخ الوالد أيمن الظواهري"، تبنّت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، المختلفة مع الظواهري، التفجير الانتحاري الثاني. في بيان التبنّي جاء: "تمكن الجهد الأمني للدولة الإسلامية من كسر الحدود واختراق المنظومة الأمنية لحزب الشيطان الرافضي (حزب الله) في لبنان ودكّ معقله بعقر داره فيما يسمى بالمربّع الأمني في الضاحية الجنوبية لبيروت". وهدّدت "داعش" بأن التفجير ليس إلا "دفعة أولى صغيرة من الحساب الثقيل الذي ينتظر هؤلاء الفجرة المجرمين". التفجير الثالث تبنته "جبهة النصرة". يبدو أن حزب الله استدرج كل فروع القاعدة إلى لبنان!

ما العمل؟

منذ تدخّل حزب الله في سوريا تعقدت الأمور السياسية في لبنان أكثر.  في ظل فراغ حكومي ومجلس نيابي ممدّد له وانتخابات رئاسية قريبة، يبدو أن الأمور ستتجه إلى مزيد من اللااستقرار. من سيتحمّل المسؤولية السياسية عن توفير الأمن للبنانيين؟ حتى اللحظة لا جواب. الثابت الوحيد أن السياسة التي يعتمدها حزب الله والتي تجمع بين تدخله في سوريا وبين الإصرار على فرض شروط إدارة الحياة السياسية في لبنان على القوى السياسية الأخرى، وفي ظل اتهام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عناصر تابعة له باغتيال الرئيس الحريري، تدفع بعض السنّة اللبنانيين إلى توسّل الحلّ عبر الجماعات المتطرّفة انطلاقاً من قناعة تنتشر بينهم ومفادها أن التشدّد والتصلّب لا يُواجهان بالاعتدال. يوماً بعد يوم ستتوفر لتنظيم القاعدة بيئة خصبة لتجنيد الانتحاريين.

لا حلّ واضح لهذه المعضلة. بالتأكيد، سيكون سحب حزب الله لعناصره المقاتلة في سوريا جزءاً من الحلّ. وبعدها؟ هل ستكتفي القاعدة بهذا؟ لا أحد يستطيع الجزم. هناك مسؤولية كبرى تقع على كلّ القوى السياسية اللبنانية، وبشكل أساسي على حزب الله لأن تخطيه الحدود اللبنانية يُعيق تشكيل الحكومة ويمنع ولادة توافق عام على خطوط سياسية عريضة. تحت تأثير الأزمة السياسية السورية التي سيطول أمدها، لا حلّ إلا بإبعاد السياسة اللبنانية عن تطورات الحرب الدائرة على حدود لبنان الشمالية والشرقية.

التعليقات

المقال التالي