اليرموك، ضحايا الصمت لا الجوع!

اليرموك، ضحايا الصمت لا الجوع!

صادمة هي الصور الخارجة من مخيم اليرموك... طفل التصق جلده المترهل بعظامه، عجوز مسنّ اضمحل وتكور على نفسه في زاوية أحد الشوارع، امرأة أغمضت عينيها نهائياً عن المأساة، لا شك في أنها شتمت العالم كله قبل أن تفارق الحياة. المدنيون المحاصرون في اليرموك يموتون تباعاً من الجوع. أجل. هناك أشخاص يموتون من الجوع ولا أحد ينظر إليهم إلا بعين وقحة تصر على استخدام ألمهم لتحقيق مكاسب سياسية.

مرة ثانية، تقدم دمشق دليلاً على موت الإنسانية. بعد أطفال الغوطة، ها هم مهمّشو مخيّم اليرموك يموتون من الجوع. أجل. من يموتون هم مهمّشو المخيّم، هم أولئك الذين عجزوا عن مغادرته إلى مكان آخر حين نزح جيرانهم. حوالي خمسين محاصراً أهلكهم الجوع وعدّاد الموت لم يتوقف في وقت يتراشق المسؤولون عن معاناتهم بتهم متهافتة تهدف إلى تبرئة النفس من هذه الجريمة الكبرى.

اليرموك والثورة السورية

مخيّم اليرموك ليس مخيّماً (لا تعترف به وكالة "الأونروا") ولا يقتصر السكن فيه على اللاجئين الفلسطينيين. هو في الحقيقة ضاحية عشوائية تقع جنوب دمشق وكانت تحتضن حوالي مليون شخص، ربعهم فقط من الفلسطينيين أما البقيّة فهم من فقراء الأرياف السورية. "المخيّم" هو نواة المنطقة وهو عبارة عن كيلومترين مربعين مُنحا للفلسطينيين الذين نزحوا عام 1948، ولكن يحتاج الأمر إلى خبير ليعرف أين هي حدود هذين الكيلومترين.

حين انطلقت الثورة السورية، كانت كل الأنظار متجهة إلى هذا المكان الذي يحتضن حوالي نصف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. بعد أقل من ثلاثة أشهر، حاول النظام السوري والفصائل الفلسطينية المتحالفة معه استغلال فلسطينيي المخيّم لحرف الأنظار عن الأزمة الداخلية. حمّلوا المئات في باصات وأخذوهم إلى الحدود السورية ـ الإسرائيلية. قالوا لهم: سنحيي ذكرى النكسة وسنجتاز الحدود! قدّموا 20 منهم قرباناً على مذبح الإسرائيليين! كان ذلك في 5 يونيو 2011. في اليوم التالي، أكملت الجبهة الشعبية – القيادة العامة والقوات السورية ما بدأه الإسرائيليون حين قتلوا متظاهرين خرجوا يعترضون على "الخديعة" التي تعرّضوا لها في اليوم السابق.

الجغرافيا هي أحد مسبّبات المأساة. فالمخيّم يمتاز بموقع مهم على خارطة انتشار القوى العسكرية في سوريا. هو يقع على بعد 8 كيلومترات إلى الجنوب من دمشق. ومن جهته الجنوبية يطلّ على الغوطة، أي على ريف دمشق. هو هدف للنظام للحيلولة دون اقتراب المعارضين المسلّحين من عاصمة البلاد السياسية وهو هدف للمعارضة لأنه يساعد في فكّ الحصار عن الغوطة وفي الاقتراب من دمشق.

الانقسام بين السوريين انعكس على أبناء المخيّم منذ مدّة طويلة. بغض النظر عن موقفهم العاطفي، هناك فصائل تابعة للنظام السوري وفصائل مناهضة له وفي الحروب، لا يعلو صوت فوق صوت حاملي السلاح. في ديسمبر عام 2012، تقدّمت كتائب المعارضة السورية المسلّحة إلى المخيّم فدخل علناً في الصراع. في تلك المرحلة كانت قد ظهرت فصائل فلسطينية مسلّحة معارضة للنظام مثل جماعة أكناف بيت المقدس وزهرة المدائن المقرّبتين من حركة حماس، إضافة إلى مجموعات فلسطينية إسلامية انتمت إلى بعض جماعات المعارضة المسلّحة. في الشهر نفسه، أغارت طائرات الميغ السورية على المخيّم فسقط عشرات الضحايا من المدنيين، ومعظمهم سوريون كانوا قد نزحوا من الأحياء القريبة إلى داخل المخيّم. في زحمة إشاعات تم تناقلها وتحدثت عن نيّة النظام اقتحام المخيّم نزح حوالى 400 ألف من قاطنيه. هكذا بدأ في 26 ديسمبر 2012 حصار المخيّم.

حصار المخيّم

في 18 يوليو 2013، وبعد أقل من شهر على موجة النزوح الكبيرة الثانية التي شهدت مغادرة عشرات الآلاف من السكان، اشتدّ الحصار على المخيّم بعد إغلاق الجيش السوري مداخل حَيّي التضامن والحجر الأسود، وذلك في ظل حصار مداخله الشمالية كجزء من الحصار المفروض على الغوطة. علق في الداخل حوالي 35 ألف شخص.

هكذا بدأت رحلة الباقين هناك مع المعاناة: نقص في المواد الغذائية (منع سكان المخيّم من إدخال الخبز في فبراير 2013)، نقص في المواد الطبية، نقص في الكادر الطبي بسبب غياب الأمن والتضييق على حركتهم (بعضهم عُذّب على الحواجز أو قتل) وتعرّض المخيّم، دورياً، للقصف من جانب القوات النظامية.

تؤكد المتحدثة الإعلامية لبرنامج الغذاء العالمي في منطقة الشرق الأوسط، عبير عطيفة، أن البرنامج لم ينجح في إيصال المساعدات الغذائية للمحاصرين في المخيم منذ أكثر من 8 أشهر. وتقول إنه "رغم وجود نقاط توزيع أغذية قرب المخيم، فإن القتال الضاري في شكل يومي يمنع الشاحنات المحملة بالأغذية من دخوله".

وقعت الكارثة

الجيش السوري والفصائل الفلسطينية التابعة للنظام تمنع دخول المواد التموينية والطبية بذريعة احتمال وصولها إلى المسلحين المتواجدين داخل المخيّم. بالنسبة للنظام، لا حلّ إلا باستسلام هؤلاء المسلحين. أما المسلحون فهم يرفضون الانسحاب ويلعبون ورقة معاناة المدنيين. بين هذين الموقفين ندرت المواد الغذائية وصارت أسعار المتوافر منها خيالية (كيلو العدس بسبعين دولار مثلاً!) ومربحة جداً لبعض التجار السماسرة. هكذا راح المدنيون المهمّشون يدفعون الثمن. فالمقاتلون يستطيعون تأمين قوتهم بدليل أنهم ما زالوا قادرين على حمل السلاح ولم تضمر أجسادهم كما أجساد من وصلتنا صورهم! وكأن كل لعنة تأبى أن تبدأ بغير الفقراء المهمّشين!

خرج من المخيم خبر فتوى تحلل فتح البيوت المهجورة لأخذ ما بقي فيها من مؤن. لم يحرّك أحد ساكناً. وصلت إلينا أخبار عن فتوى تحلل للمحاصرين أكل لحم القطط. لم يحرّك أحد ساكناً. استهلك المحاصرون ما كان متوفراً في المخيّم. فشلت مبادرات مدنية كانت تهدف إلى إدخال المؤن وإلى إخراج 300 مريض وجريح. وصلنا إلى الشهر الحالي وبدأت تتسرّب إلينا معطيات عن هول ما وصلت الأمور إليه. حوالي 50 شخصاًماتوا بسبب الجوع، منهم أكثر من 20 في الشهر الحالي! معلومات عن نساء تجهضنبسبب نقص الغذاء! مرضى يفقدون الحياة بسبب نقص في مواد طبية يفترض أنها سهلة المنال!

مخيم اليرموك .. ضحايا الصمت لا الجوع - صورة 2

هول المعلومات المسرّبة أجبر "المشاهدين" على التدخّل. توصلت "الأونروا" إلى اتفاقمع السلطات السورية يهدف إلى إدخال ست شاحنات محملة بالمواد الغذائية إلى المخيم، على أن يتم ذلك يوم الإثنين الماضي. ولكن، حين اقتربت الشاحنات من نقطة الدخول المتفق عليها تعرّضت لإطلاق النار فعادت أدراجها وفشل الاتفاق. كل طرف يرشق خصمه بتهمة إطلاق النار على شاحنات المساعدات. لا يوجد دليل واضح على هوية مطلق النار.

ولكن هناك أمور ملفتة لها صلة بهذه الحادثة. رغم تأكيد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير غسان الشكعة أن اجتماعاً للجنة التنفيذية للمنظمة، استمر خمس ساعات، لم يتوصل الى أي معلومات قاطعة تدل على جماعة معينة منعت وصول القافلة، إلا أن أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قال: "جرى استهداف القافلة قبل وصولها بـ100 متر إلى منطقة التجمع المتفق عليها"، مؤكداً أن النيران أتت من المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة وأحرار الشام وداعش. بدأ استثمار المأساة لتحقيق مكاسب سياسية!

أمر آخر ملفت جداً في الاتفاق الذي تم التوصّل إليه. لقد طلبت قوات النظام من قافلة المساعدات الدخول إلى المخيم من جهته الجنوبية التي تُعتبر خط تماس يفصل بين قوات النظام وكتائب المعارضة المسلّحة ولم تطلب منها الدخول إلى المخيّم من المداخل الشمالية الأكثر أمناً!

الاستثمار في المأساة

يوم السبت الماضي، قال الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس إن "هناك فئة مأجورة وخونة للقضية الفلسطينية يسمون أنفسهم مقاومة عبثوا بالمخيم ويدفع أبناؤنا ثمن ذلك غالياً"، مذكراً بأنه دعا إلى تحييد المخيّم منذ البداية. أراد الرئيس أن يصيب بكلامه المبهم حركة حماس.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحمد مجدلاني، تحدث عن "اختطاف مخيم اليرموك من قبل مجموعات مسلحة مارست وتمارس الإرهاب الممنهج" وعن "استخدام أبناء مخيم اليرموك دروعاً بشرية للمسلحين". كلام مجدلاني طال حماس حين قال: "ما زلنا نطلق على أفراد حركة حماس صفة الأخوة لأنهم فلسطينيون... انحيازكم يضرّ بشعبكم وبالقضية الفلسطينية والمقاومة والأشقاء في سوريا".

لقطع الطريق على الاستغلال الفتحاوي للأزمة، أصدرت حماس بياناً دعت فيه "وبشكل عاجل حاملي السلاح الموجودين في مخيم اليرموك إلى الخروج منه إنقاذاً لحياة أكثر من خمسين ألف مدني، وحقناً لدماء وأرواح الأهالي".

ما يجب الانتباه إليه هو أن أحوال أهالي اليرموك ليست حالة فريدة! "السلطات السورية لا تسمح بالوصول إلى المناطق المحاصرة ولا للمدنيين بمغادرة المدن حيث يحتجز حوالي 288 ألف شخص من دون أي مساعدة أو بقدر قليل منها"، أكدت "هيومن رايتس ووتش” Human Rights Watch، في بيان لها. "لا تخلو محافظة سورية من بعض المناطق التي لم تحصل على مساعدات إنسانية منذ فترة طويلة"، تؤكد عبير عطيفة. ما يحصل في اليرموك يحصل في ريف دمشق وفي حمص. ولكن... العنوان الفلسطيني أكثر جاذبية!

حسناً إن مأساة اليرموك أضاءت على الأزمة العامة. ولكن لا مبرّر لتجاهل المحاصرين في الأماكن الأخرى. النظام السوري هو المسؤول الأول عن المعاناة لأنه يحاصر المدنيين. المعارضة السورية أيضاً مسؤولة لأنها تدخل إلى مناطق سورية من دون التخطيط لتأمين حياة القاطنين هناك. هي الحرب. هكذا كل الحروب. لا حلّ إلا بفتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات إلى الشعب السوري وبإنشاء مخيّمات تشرف عليها الأمم المتحدة وتكون دائمة التأهب لاستقبال النازحين من المناطق الساخنة.

التعليقات

المقال التالي