محكمة أمن الدولة في الأردن، أداة للسلطة لم ينته وقتها بعد

محكمة أمن الدولة في الأردن، أداة للسلطة لم ينته وقتها بعد

أقر مجلس الأعيان (الغرفة العليا للبرلمان الأردني) قانون محكمة أمن الدولة الجديد ليتواءم مع التعديلات الدستورية التي جرت في الأردن عام 2011، حيث تمت مناقشة القضايا التي تندرج تحت محكمة أمن الدولة ليحصر اختصاص المحكمة أخيراً بخمس جرائم: الإرهاب، الجاسوسية، تزوير العملة، تجارة المخدرات، والخيانة العظمى. هذه المحكمة شغلت الشارع الأردني الذي شهد اعتصامات كثيرة لإسقاطها، قام بها نشطاء يؤكدون على رفضهم قوانينها ومحاكمة المدنيين أمامها، إضافة إلى حملات شعبية ودعوات لاستمرار الاعتصامات حتى إطلاق سراح المعتقلين وإسقاط التهم عنهم.

مع بداية “الربيع العربي” توسعت سلطة محكمة أمن الدولة، رغم الاحتجاجات الشعبية، لتلاحق تهمها أكثر من 140 ناشطاً بتهم مثل تقويض نظام الحكم أو القيام بأعمال إرهابية، أو رفع شعارات في تجمهر، وأخيراً المشاجرات الجامعية وسرقة السيارات المنظمة وبعقوبات تراوحت بين السجن لسنوات حتى الإعدام!

على الرغم من تحديد المواد التي تخص صلاحيات المحكمة في تهمتي الإرهاب والخيانة العظمى، إلا أنهما تظلان عصيتين على التعريف. فمحاكمة المتهمين لا تكون من اختصاص محكمة أمن الدولة تحت بند الإرهاب إلا حسب نص المواد (147 – 148 - 149) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960، بما فيه من تعديلات، والمواد من قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (46) لسنة 2007. فيما تحاكم جرائم الخيانة بحسب ما هو منصوص عليه  في المواد من (110) إلى (117) من قانون العقوبات رقم (16) لسنه 1960، شاملاً تعديلات القانون.

إلى ذلك، أكد تصريح لنقيب المحامين الأسبق صالح العرموطي أن أغلب قضايا تهمة إطالة اللسان "كيدية"، ويصدر حكم البراءة في كثير منها لأنها واضحة، بحسب تعبيره. وقد أقر في القانون الجديد بأن يعرض المرتكب للجرم على المحكمة بتهمة الإرهاب، ما عدا القيام بأعمال ضد الاحتلال الإسرائيلي، بعدما وافق 55 نائباً من مجلس النواب على استثناء طرحه النائب طارق خوري في إحدى جلسات البرلمان. من جهة أخرى، فإن القانون الجديد ينص على محاكمة المدنيين في خمس جرائم، لكن القضايا التي لا تندرج تحت هذه الجرائم وتنظر فيها المحكمة سابقاً لن تصبح خارج سلطتها، ما يعني تمييزاً بالنظام القضائي ما بين متهم وآخر بنفس الجرم.

محكمة امن الدولة في الاردن - احتجاج

مثال ذلك قضية البورصات الوهمية التي شغلت الشارع الأردني عام 2008 بعدما استولى مجموعة من الأشخاص على 130 مليون دينار سرقوها من مستثمرين أردنيين وضعوا أموالهم في بورصة "وهمية"، ويحاكم المتهمون بتهم الاحتيال، وإساءة الأمانة، ومخالفة قانون المعلومات الإلكترونية التي لا تندرج اليوم تحت اختصاصات محكمة أمن الدولة بعد التعديل الجديد، ولن تسري عليها التعديلات بأثر رجعي حسبماأكّد وزير الشؤون السياسية والبرلمانية الأردني خالد الكلالدة.

من جهة أخرى، فإن الدستور الأردني ينص على عدم جواز محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، ويتساءل البعض إذا ما كان تشكيل هيئة مدنية لهذه المحكمة يعتبر مخرجاً للسلطة التنفيذية. فيما سجّلت قضية أبو قتادة مثالاً حيّاً على أن الاتفاقيات الدولية لا تعترف بمحكمة أمن الدولة في الأردن كونها لا تحقق مبدأ المحاكمة العادلة؛ حيث تطلب تسليم أبو قتادة إلى الأردن توقيع اتفاقية مع بريطانيا بعد سلسلة طويلة من المباحثات بين الدولتين تكفل محاكمة مستقلة له.

أكدت رئيسة لجنة الحريات في نقابة المحامين نور الإمام في تصريحات صحافية، أن الطابع العسكري لهذه المحكمة يتنافى مع مبدأ المحاكمات العادلة في أن يمثل الشخص أمام قاضيه (الطبيعي)، مشيرة إلى أن السلطتين التنفيذية والقضائية يفترض أن تكونا مستقلتين، وتعيين قضاة هذه المحكمة من قبل السلطة التنفيذية، ممثلة برئيس الوزراء ورئيس هيئة الأركان، يطرح أسئلة عن استقلالية القضاء.

تلجأ محكمة أمن الدولة إلى تكييف التهم السياسية لتصبح ضمن اختصاصها. ويرى النشطاء أن الحكومة تستعملها كأداة لتصفية حساباتها مع المعارضة، حسبما عبرالناشط ابراهيم جمزاوي، وهي بذلك تخالف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية.

على الرغم من الاعتراض الشعبي على محاكمة المدنيين أمام هذه المحكمة، والمطالبات الدائمة بأن يحاكموا أمام هيئة مدنية وفي محكمة مدنية، لا يبدو أن هذا المحكمة ستلغى بالكامل في أي وقت قريب، خاصة مع القانون الجديد الذي قد يفتح درباً أطول من الاحتجاجات.

التعليقات

المقال التالي