السعودية، قمع الحراك السياسي يدفع بالناشطين للخارج

السعودية، قمع الحراك السياسي يدفع بالناشطين للخارج

استطاعت المملكة العربية السعودية، ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم (يقدر بـ267 مليار برميل) أن تحوز مكانة دولية وأن يكون لها كلمة مسموعة في العالمين العربي والإسلامي لاحتضانها الكعبة الشريفة، مقصد المسلمين المقدس من كل بقاع الأرض.

استطاعت كذلك، على مدار سنوات طويلة، أن تحافظ على استقرارها السياسي عبر قمع المعارضات التي تخرج هنا وهناك، وعبر نفي معارضيها ومعاقبتهم عقاباً شديداً.

في مطلع الخمسينات نشطت الحركات اليسارية والوطنية في شبه الجزيرة العربية، فكانت أغلب المطالب المعارضة تتضمن حفظ حقوق العمال في الشركات النفطية. الإضراب المطلبي الأول كان لعمال شركة أرامكو (شركة وطنية عاملة في مجالات النفط والغاز الطبيعي والبيتروكيماويات) في العام 1945. حينها استجابت الإدارة لبعض المطالب المتعلقة بالإجازات وساعات العمل، نتج عنها إصدار الحكومة السعودية عام 1947 قانون عمل مستوحى من التشريعات المصرية. شهدت حقول النفط اضطرابات عمالية جديدة نهاية الأربعينات في شركة أرامكو السعودية، استمرت من العام 1952 حتى 1958 وسمّيت بانتفاضة عمال الظهران، قادها المعارض السعودي ناصر السعيد، الذي أسس لاحقاً اللجنة العمالية السعودية.

طالب التحرك بتنظيم نقابي وزيادة الأجور ومنع التمييز العنصري وتوفير مساكن جديدة للعمال ودفع أجور النقل واعتماد اللغة العربية في المدارس، إلا أن إدارة أرامكو رفضت هذه المطالب التي أيدتها اللجنة الملكية الخاصة، فاعتقل 12 عضواً من اللجنة العمالية. بدأ حينها إضراب عن العمل شارك فيه عشرون ألف عامل، ما اضطر الشركة إلى إعلان الأحكام العرفية (العسكرية) في حقول النفط، ثمّ قبولها بعض المطالب بعد شهر. استمرت المفاوضات بين ممثلي العمال والشركة، بإشراف لجنة ملكية خاصة لمدة ثلاث سنوات، دون وجود حركة عمالية منظمة.

ما شهدته مصر من أحداث في العام 1956 أثّر على البلدان العربية الأخرى، فشهدت المنطقة الشرقية حراكاً جماهيرياً مناهضاً للإمبريالية طالب بإجلاء القاعدة الأمريكية. تسلم الملك الذي كان يزور المنطقة حينها أيضاً مطالب عمال النفط التي لم تتحقق والتي تتعلق في غالبها بزيادة الأجور ومساواة العمال المحليين والأميركيّين في الحقوق وإلغاء التمييز العنصري.

جاء الرد الملكي بمنع كل الإضرابات والمظاهرات، أعقبته حملة اعتقال وتعذيب طاولت العمال النشطاء، لا سيما الذين كانوا يطالبون بسنّ دستور للمملكة وبالسماح للأحزاب السياسية بالعمل وبإجلاء القاعدة الأمريكية من الظهران وإطلاق سراح المعتقلين كافة. أعلنت اللجنة المركزية للعمال السعوديين جراء حملة الاعتقالات تلك عن إضراب عام لم ينجح في ظل حملة اعتقالات واسعة طالت مئات الأشخاص، تعرضوا للتعذيب ونالوا أحكام بالحبس أو بالطرد من البلاد. بذلك، تم القضاء بالكامل على النشاط العمالي في العام 1982 بعد اعتقال كافة عناصره وتفكيك التنظيم.

تتواجد اليوم في الخارج معارضة شيعية يمثلها حمزة الحسن وفؤاد إبراهيم اللذان كانا ضمن التيار الرسالي في شبة الجزيرة العربية (حركة الثورة الإسلامية)، وأطلق عليها فيما بعد اسم الحركة الإصلاحية. لكن هؤلاء انفصلوا عن التيار الأمّ بعد مصالحة أيلول 1993 بين المعارضة والحكم. كما تتواجد في الخارج معارضة سنية قريبة من التيار السلفي يقودها سعد الفقيهي. إلى ذلك، نشط تيار خارج المملكة يعمل في مجال حقوق الإنسان أكثر منه في السياسة، كحال الناشط علي الأحمد المقيم في واشنطن، وآخرين في لندن وبيروت.

قمع الحراك السياسي في السعودية يدفع بالناشطين للخارج

وبسبب القمع الشديد والتضييق على النشاط السياسي في الداخل، لم تتشكل تنظيمات معلنة وواضحة. هناك تيارات واتجاهات، منها الحركة الإصلاحية المنبثقة من التيار الرسالي الشيرازي، والتي منها من اتبع مساراً محافظاً اتضح في صورة ممارسات دينية واجتماعية، فيما اتبع البعض الآخر مساراً متطرفاً كالشيخ نمر النمر الذي نصّب نفسه معارضاً للدولة والحكم وهو معتقل منذ أيلول 2013، بالإضافة لتيار ثالث يطالب بإصلاح سياسي للنظام ورفع التمييز عن المواطنين الشيعة وإشراكهم في الحياة السياسية ويتواصل أفراده مع الدولة، رغم إعلانهم عن آرائهم ومواقفهم السياسية.

أما حزب الله (الحجاز) الذي تشكل عام 1987، والذي انبثقت منه جماعة حزب الإمام، وهو تيار مؤدلج ومعوّم، توجهاته العامة تتوافق مع حزب الله اللبناني والجمهورية الإسلامية الايرانية ولم يبلور مشروعاً محلياً للإصلاح في السعودية، رغم تميزه بحضور اجتماعي لافت.

شكلت حادثة احتلال الحرم المكي عام 1979 تصعيداً سياسياً وأمنياً حاداً، ليس على مستوى المملكة فحسب، ولكن على مستوى العالم العربي والإسلامي أيضاً، حيث قادها جهيمان العتيبي بعد أن توافرت له كافة المقومات إقليمياً (من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وظهور تيارات إسلامية متشددة في سوريا والسعودية، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد التي تنهي الصراع مع العدو الإسرائيلي، بالإضافة لقيام الثورة الإسلامية في إيران). راح ضحية احتلال الحرم عشرات المسلحين من أتباع العتيبي ورجال الأمن السعوديين، فيما أعدم بقية تابعيه لاحقاً.

لم يعقب احتلال الحرم أي إصلاح حكومي يمنع وقوع حوادث مشابهة في المستقبل. عوضاً عن ذلك، أسست المملكة الحرس الملكي الخاص، ومهمته التدرب على مواجهة مثل هذه الحوادث بقوة السلاح. مع اندلاع حرب الخليج عام 1991 ظهر حراك سني سلفي جديد اعتراضاً على قدوم القوات الأمريكية إلى السعودية، وانقلب مناصروه على المؤسسة الدينية التقليدية وسموا أنفسهم بالصحويين. تعتبر هذه الحركة أول معارضة سنية مباشرة ضد الحكومة السعودية ومؤسستها الدينية الرسمية، وقد استمر حراكها حتى العام 2011.

استجابة لنداءات الحرية والتحرر والديمقراطية التي نادى بها الربيع العربي في كل من تونس ومصر والبحرين، انطلق حراك مشابه في المنطقة الشرقية من السعودية في فبراير 2011، وكان مطلبه الأول إطلاق سراح المعتقلين المسجونين منذ سنوات طويلة دون محاكمات، وإصلاح سياسي ونبذ التمييز ضد الشيعة والتعاطف مع قضية البحرين التي ساهم الجيش السعودي في ذلك الوقت في قمع حراكها الشعبي. بقيت التظاهرات مستمرة لمدة ثمانية أشهر قبل أن تتبع السلطة الحاكمة مع المتظاهرين خيار القبضة الأمنية في أكتوبر من العام ذاته وتوقع قتلى، ليتفاقم الوضع وتزداد حدته حتى اليوم.

قمع الحراك السياسي في السعودية - تاريخ السعودية

نزيهة سعيد

صحافية من البحرين، تكتب في مجال السياسة، الاقتصاد، الفن والقضايا الاجتماعية. تعمل في الصحافة المكتوبة، المرئية، المسموعة والإلكترونية. وهي حائزة على "جائزة يوهان فيليب لحرية التعبير والصحافة" للعام 2014.

التعليقات

المقال التالي