ماذا يحصل في أوكرانيا في أقل من 600 كلمة؟

ماذا يحصل في أوكرانيا في أقل من 600 كلمة؟

تصاعدت درجة العنف في العاصمة الأوكرانية كييف منذ أيام قليلة، عندما حاول أمن مكافحة الشغب تفريق المعتصمين الذين مكثوا في ساحة الاستقلال لأكثر من 3 أسابيع. مشاهد تتداولها وسائل الإعلام العالمية، في إطارٍ يعود بنا إلى أولى ذكريات الربيع العربي، مع نظرة مبهمة للواقع الأوكراني اليوم. ولكن ما الذي يحصل فعلياً في كييف؟!

ذلك الربيع الأوكراني الذي نشاهده يغرق في بركة دماء، ما هو سوى نتيجة مؤسفة لصراع الكبار، روسيا والاتحاد الأوروبي. الخيار الذي تملكه أوكرانيا ضيّق الاحتمالات: إما المثابرة في تعزيز العلاقات القوية مع روسيا أو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والنظام الاقتصادي الغربي. معادلة تذكّرنا بمرارة واقعنا الحالي. روسيا جارة أوكرانيا وأوكرانيا تدعم روسيا في قراراتها؛ يتم طرح خطة اقتصادية ذكية على طاولة يانوكوفيتش Yanukovych (الرئيس) الأوكرانية، ولكن روسيا تضغط على “شقيقتها” لعدم الالتحاق بالقوى الأوروبية الـ 28 والنظام الأوكراني يرفض الاتفاقية. لحظات بعد إصدار القرار، أخذت ساحة الاستقلال تمتلئ بالمعارضين على التدخل الروسي، الذين تجاوز عددهم النصف مليون، مطالبين برحيل يانوكوفيتش وانتخاب نظام يجرؤ على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. الملقّبون بالثوار يوقعون تمثال لنين (الرمزي) أرضاً عقب إعلان يانوكوفيتش رغبة حكومته بإمضاء اتفاقية تجارية مع روسيا والصين، يفتّتونه أجزاءً ليحتفظوا برمزيته تماماً كذكرى إسقاط جدار برلين. بين المد والجذر، أوكرانيا اليوم مدينة لغاز روسيا، وعليها دفع 4 مليارات دولار بداية العام القادم وسط تهديدات. تحلم أوكرانيا اليوم بتمويل من الاتحاد الأوروبي قيمته 28 مليار دولار، على أمل النجاح في التحليق في سماء الاتحاد.

لماذا البلاد متفكّكة بين موالٍ ومعارض لروسيا، ولماذا الاتحاد الأوروبي يحاول نزع آخر سكاكر روسيا في القارة الأوروبية؟

يريد المعارضون بشكلٍ أساسي الانتهاء من نظام العصابات الذي يهيمن على الدولة، في وقتٍ ترى موسكو أنهم ليسوا إلا مناهضين لروسيا، وأوروبا تظن أنهم موالون لها. على واقع الأرض، مشاكل اقتصادية متجذرة من تجربة الاتحاد السوفياتي، شعبٌ منقسم، استياء من الفساد، ميولٌ للغرب، ونفورٌ من موسكو بوتين. تقسيم أوكرانيا الديمغورافي الحساس مسؤولٌ بشكلٍ مباشر عن تلك الكرة الثلجية التي تكبر مع جليد الطقس اليوم، دون معرفة أين قد تصطدم لاحقاً.

المعادلة هي: بين كل 6 أوكرانيين اليوم، 4 منهم أكرانيو العرق ويتحدثون اللغة الأوكرانية، 1 منهم روسي العرق ويتحدث اللغة الروسية، والأخير أوكراني العرق ولكن يتحدث الروسية. التوزيع الديموغرافي لمواطني أوكرانيا يقسم البلاد إلى جزءين مواجهين لبعضهما البعض، في خريطة مقسّمة بدقة، تظهر بعض صفات العرقية والعنصرية. منذ الاستقلال المعلن عام 1991، انقسمت البلاد سياسياً وفقاً للتقسيم الديموغرافي العرقي واللغوي، وخلال كل مرحلة انتخابية تنقسم أصوات الشعب بين مرشحَيْن، وتكون النتائج متفارقة بنسبٍ صغيرة. هكذا خسر يانوكوفيتش انتخابات العام 2004 في الدورة الثانية، بعد اتهامه بالغش في الدورة الأولى، (52٪ مقابل 44٪)، وربح في العام 2010 بـ 49٪ مقابل 45٪. في إحصاءٍ أقيم شهر نوفمبر الماضي، توضّحَ أن 45% من الشعب يريد الاتفاقية الأوروبية، 14% منه يريد الانضمام لمشاريع روسيا الاقتصادية، و41% متردّد جهة أية اتفاقية يميل. هنا يأتي دور لعبة "الأقلية" و"الأكثرية"، واحتدام الصراع الداخلي العرقي على الحق في الوجود وفي انتقاء المستقبل الأفضل، ليجتذب التكتيكات السياسية الخارجية للسيطرة على الأراضي المنحازة لقوتها، ولمحاربة الآخر بالدرع الإنساني العرقي الشهير.

تدمير تمثال لينين، على رمزيته السوفياتية الروسية، وسط ساحة كييف أثار غضب بعض الأوكرانيين في المناطق الناطقة بالروسية، فهل بدأ اشتعال الاستفزاز الداخلي الأوكراني القديم بالوقود الذي يُسكَب بأنابيب شفافة وسط العاصمة؟

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي