تحدّي "المسألة الجنوبية" في اليمن

تحدّي "المسألة الجنوبية" في اليمن

وصل السيل الزبى والمحتل لا يمكن أن يخرج من الجنوب إلا بالقوة وبالطريقة التي دخل بها"، يقول صقر "الحراك الجنوبي"، علي سالم البيض. في المقابل، يرفض "المؤتمر الشعبي العام"، حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح، "محاولات التعرض لوحدة اليمن". بين هذين الحدين مروحة واسعة من المواقف تغذّي عقدة "المسألة الجنوبية".

خلفية تاريخية موجزة

عام 1968، وفور رحيل الانتداب البريطاني عن الأراضي التي تشكل حالياً جمهورية اليمن، تشكلت، في المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن الحالية، "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" (تغيّر اسمها بعد عامين إلى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"). أما في شمال اليمن الحالي، فقد تشكلت "الجمهورية العربية اليمنية".

هيمن "الحزب الاشتراكي اليمني" على اليمن الجنوبي. بعيداً عن عنوان الاشتراكية الذي حمله، شهد الحزب خلافات كبيرة بين مكوناته على خلفية انتماءاتهم القبلية والمناطقية. سنة 1986، تفاقمت هذه الخلافات وأدت إلى نشوب حرب أهلية في الجنوب بين قيادات عسكرية من لحج والضالع وبين قيادات عسكرية من أبين وشبوة. نزح مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين إلى شمال اليمن وكان بينهم الرئيس اليمني الحالي عبد ربّه منصور هادي.

لم تتمكن الدولتان الجارتان من بناء علاقات حسن جوار وتأثرتا بالصراع الأميركي السوفياتي. لم تنجحا في التوحّد على الرغم من بروز بعض الأصوات المنادية بذلك. فإضافة إلى رفض الجنوبيين للوحدة، كان هناك تيار في الشمال يطالب بالوحدة مع السعودية لا مع الجنوب. وقعت بين اليمنيْن اشتباكات حدودية عدّة أبرزها عامي 1972 و1979. انهيار الاتحاد السوفياتي انعكس تقارباً أدى إلى توحدهما في 22 مايو 1990. تم تشكيل مجلس رئاسي من خمسة أشخاص برئاسة علي عبد الله صالح وأعطي منصب نائب الرئيس إلى علي سالم البيض.

بعد ثلاث سنوات من الوحدة التي أسفرت عن تقاسم "المؤتمر الشعبي العام" و"الحزب الاشتراكي" للسلطة، نشب صراع بين هذين الحزبين. اتهم القادة الجنوبيون نظرائهم الشماليين بالعمل على إقصائهم تدريجياً عن السلطة. انعكس الخلاف على القطع العسكرية فتحرك بعضها في مواجهة بعض ووقعت اشتباكات متفرّقة.

في ظل هذه الأزمة الحادة، وقّع الطرفان، في 20 فبراير 1994، في العاصمة الأردنية عمّان، "وثيقة العهد والاتفاق". نصت الوثيقة على قيام الطرفين بـ"تدابير أمنية وعسكرية" بهدف إزالة أسباب التوتر. كما نصت على "تدابير تتعلق باللامركزية" تؤسِس نظام الحكم على أساس لامركزية إدارية ومالية وبموجبها "تقسم الجمهورية من 4 إلى 7 وحدات إدارية" على أن "يقوم الحكم المحلي على قاعدة الانتخابات المباشرة الحرة".

لم يتم احترام الوثيقة. عزّزت القوات الشمالية والجنوبية مواقعها واستمرت الاشتباكات. اتخذ العنف منحىً أشدّ في نهاية شهر أبريل عندما اصطدم، في محافظة عمران، اللواء الثالث المدرّع الجنوبي بالفرقة الأولى مدرّع الشمالية. سقط أكثر من 200 قتيل.

في 4 مايو 1994، انفجر الوضع على نطاق واسع. اشتبكت قوات الطرفين في مختلف أنحاء البلاد. هُزمت القوات الجنوبية المتمركزة في الشمال ما ساعد القوات الشمالية على إعادة التمركز وتنفيذ هجوم واسع النطاق والالتحام بقواتها التي كانت متواجدة في الجنوب ضمن إطار اتفاق سابق على تبادل ألوية.

في ظل هذه التطورات، أعلن علي سالم البيض عن تأسيس "دولة اليمن الديمقراطية" في الجنوب. نقل البيض مقر القيادة من عدن إلى حضرموت وحاول بناء خطوط دفاعية جديدة. استمر تقدم القوات الشمالية. أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 924 الداعي إلى وقف إطلاق النار وقرر إيفاد ممثل خاص لتقصي الحقائق. قبل وصول الممثل، نجحت القوات الشمالية، في 6 و7 يوليو 1994، في السيطرة على مدينتي عدن والمكلا آخر حصون الجنوبيين. سقط خلال الحرب عشرات الآلاف من الضحايا من مدنيين وعسكريين وكانت نتائجها كارثية على الصعيد الاقتصادي وعلى صعيد طبيعة العلاقات بين الجنوبيين والشماليين.

ما إن وضعت الحرب أوزارها في العام نفسه، تم تعديل الدستور الاتحادي واستفرد الرئيس علي عبد الله صالح بالحكم ملغياً المجلس الرئاسي. فرض المنتصر إرادته.

المسألة الجنوبية اليمنية

ولادة "الحراك الجنوبي"

تشكلت نواة "الحراك الجنوبي"، في العام 2007، على خلفية مطالبة العسكريين الجنوبيين السابقين بمساواتهم بعناصر الجيش اليمني. هذه المطالبات إضافة إلى مناخ من التظاهرات المعترضة على ارتكاب قوات الأمن بحق جنوبيين القتل غير القانوني والاحتجاز التعسفي والضرب وقمع حريات التجمع والتعبير واعتقال الصحفيين وآخرين أفضت إلى ولادة تجمّع ظرفي لحركات سياسية وحقوقية عدّة في جنوب اليمن وشرقه. تم تشكيل "المجلس الأعلى للحراك الجنوبي". تطوّرت هذه الحالة ووصلت إلى مطالبة البعض بالانفصال عن اليمن الشمالي. وقعت اشتباكات عدّة بين مشاركين في تظاهرات وبين قوات الأمن أسفرت عن سقوط بعض الضحايا وعن حملات اعتقالات طالت إحداها 12 من قيادات "الحراك الجنوبي" بتهمة "التحريض على الانفصال". اكتسب الحراك الجنوبي زخماً بتأييد كلّ من علي سالم البيض والقيادي الإسلامي طارق الفضلي له. شهد العام 2009 اشتباكات عدّة بين أنصار الفضلي وبين الجيش اليمني أوقعت ضحايا من الطرفين. انضمام الفضلي إلى الحراك سمح للحكومة اليمنية بإدارة حرب إعلامية تربط بين الحراك وبين تنظيم القاعدة.

مع اندلاع التظاهرات المناهضة للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، أوقف "الحراك الجنوبي" مطالبته بالانفصال وفضّل الانضمام إلى الحالة الوطنية وتأجيل مطلبه الأساسي. انضم إلى "المجلس الوطني لقوى الثورة السلمية" وهو مظلة سياسية تجمع كل الأطراف السياسية المعارضة لصالح ولكنه عاد وانسحب منه بسبب عدم إعطاء الجنوبيين نصف مقاعد المجلس. في المقابل، كانت بعض القيادات قد رفضت، منذ البداية، هذه السياسة واستمرت في المطالبة بانفصال الجنوب.

في الآونة الأخيرة، وقعت اشتباكات عدّة في المحافظات الجنوبية بين مؤيدي الوحدة وناشطين في الحراك الجنوبي وسُيّرت تظاهرات وتظاهرات مضادة شاركت في كلّ منها حشود كبيرة. يتهم المؤيدون للانفصال قوات الأمن بالتضييق عليهم ومساعدة الوحدويين. بينما يتهم الوحدويون أنصار الحراك بالتعرّض لهم ومضايقتهم. في الحقيقة، الاتهامان صحيحان فكل من التيارين يحاول قمع الصوت المخالف له، وتختلف المسؤوليات بحسب كل حادثة على حدة.

الحوار على "المسألة الجنوبية"

حين طرحت فكرة المؤتمر الوطني، اختلف أعضاء "الحراك الجنوبي" حول المشاركة في الحوار الوطني. فصيلان من فصائل الحراك قرّرا خوض تجربة الحوار ومحاولة تحقيق المطالب الجنوبية تحت مظلة يمنية عامة. ولكن بعض الأصوات الجنوبية التي تحظى بتمثيل سياسي واسع في جنوب اليمن رفضت المشاركة على اعتبار أنه يدور تحت سقف المبادرة الخليجية التي حسمت مسألة الوحدة بين الشمال والجنوب. "الجنوب ليس طرفاً في المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية"، قال القيادي يحيى غالب الشعيبي مضيفاً أن "الحراك الجنوبي غير معني بالحوار مع السلطات في صنعاء". عضو القيادة العليا للمؤتمر الجنوبي الأول عمر أحمد جيران، رفض حواراً "يساوي بين قضية الجنوب وقضايا ثانوية مثل معاداة المرأة والمهمشين وختان الإناث".

خرجت في عدن تظاهرات واسعة رفضاً للمشاركة في الحوار. رفع المتظاهرون أعلام الجنوب، وعلى إيقاع أغاني عبود خواجة، منشد الأغاني المطالبة بالاستقلال، رفعوا لافتات "لا تفاوض ولا حوار، نحن أصحاب القرار"، و"يا جنوبي علّي الصوت، الاستقلال وإلا الموت".

بعض قيادات الحراك لم تكن تتوقع إفضاء الحوار إلى نتيجة مرضية. رئيس المجلس الأعلى للحراك صالح يحيى سعيد اعتبر أن الحوار "أمر فات أوانه. كان بالإمكان أن يُقبل بعد حرب صيف 1994، أما الآن فلن يقبل به إلا قلة قليلة من الجنوبيين" وأضاف: "الحل الذي نريده هو إعلان الاستقلال الكامل".

علي سالم البيض يطالب بـ"الاستقلال التام" لجنوب اليمن. يرفض الحديث عن "الانفصال". برأيه، جنوب اليمن هي دولة محتلة. "شعب الجنوب يطالب باستعادة دولته لا بالانفصال، لأن الجنوب أرض وهوية وشعب وتاريخ ودولة، وليس إقليماً أو محافظة تابعة للشمال". البيض يشير إلى أن موقفه هو الموقف الشعبي في "الحراك الجنوبي" أما الذين قرروا المشاركة في الحوار الوطني فهم فئة قليلة وإن كان يعترف بأنهم يهدفون إلى تحقيق بعض الإنجازات للقضية.

افتتحت، في 18 مارس 2013، أعمال مؤتمر الحوار الوطني، تحت عنوان "بالحوار نصنع المستقبل"، بمشاركة 565 شخصية (مُنح الحراك 85 ممثلاً) يمثلون معظم الأطراف السياسية في اليمن. قسّمت أعمال المؤتمر إلى تسعة محاور أحدها هو "القضية الجنوبية" التي أوكل حلّها إلى لجنة مؤلفة من 16 شخصاً مقسمين بالتساوي بين أعضاء جنوبيين وأعضاء شماليين وتعرف بإسم "لجنة 8 + 8".

كان من المفترض أن تنتهي أعمال مؤتمر الحوار الوطني في 18 أيلول 2013، تمهيداً لتعديل الدستور وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية فبراير 2014، بحسب نص "المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة"، ولكن الأطراف المشاركة لم تنجح في احترام المهلة التي كانت قد حدّدتها.

"المسألة الجنوبية" في الحوار

في الحوار الوطني اليمني، طرحت قضية بنية الدولة اليمنية على البحث. توافقت جميع الأطراف المشاركة على تحويل اليمن إلى دولة فدرالية تمهيداً لكتابة دستور اتحادي. توصلت اللجنة إلى كتابة وثيقة تنص على منح المناطق صلاحيات واسعة إدارية وتنفيذية وتشريعية واقتصادية. ولفتت الوثيقة إلى أنه "خلال المرحلة التأسيسية التي تسبق الانتقال الكامل إلى الدولة الاتحادية الجديدة، يتمتع الشعب في الجنوب بتمثيل نسبته 50 في المئة في كل الهياكل القيادية في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بما فيها الجيش والأمن ومجلس القضاء الأعلى والمحكمة العليا وكذلك 50 في المئة من أعضاء مجلس النواب".

رغم هذه التوافقات ظهرت سلسلة من التباينات. معظم ممثلي "الحراك الجنوبي" في الحوار يطالبون بفدرالية من إقليمين شمالي وجنوبي تستعيد حدود الدولتين السابقتين. ولكن القابلين بالفدرالية يرفضون هذه القسمة ويؤيدون إنشاء أقاليم عدّة (خمسة بحسب آخر ما تم التوصل إليه).

يعرقل "المؤتمر الشعبي العام"، حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح، أعمال اللجنة. في إحدى محطات الحوار، أصدر بياناً ندد فيه بـ"محاولات التعرض لوحدة اليمن"، معلناً رفضه تحويل المؤتمر من حوار بين المكونات الوطنية الى "مفاوضات شطرية بين شمال وجنوب". قاطع الحزب نقاشات لجنة 8 + 8، ورفض التوقيع على مسودة الوثيقة التي تم التوصل إليها.

بعض الأطراف السياسية تطالب بنظام مركزي مثل "حزب الرشاد" السلفي والحزب الوحدوي الناصري وأحد أجنحة حزب "التجمع اليمني للإصلاح" (الإخوان المسلمون). لم يصدر عن حزب "التجمع اليمني للإصلاح" أي موقف رسمي، حول وثيقة لجنة (8+8) ولكن أكثرية قياداته تؤيد خيار الدولة الفدرالية المتعددة الأقاليم. يزين الحزب مواقفه بميزان الذهب لكي لا يظهر وكأنه متفق مع حزب علي عبد الله صالح.

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي يدعم خيار تعدد الأقاليم في دولة اتحادية، وهو الخيار الذي تدعمه معظم القوى السياسية المشاركة في الحوار كمخرج وسطي بين طروحات الشماليين والجنوبيين.

استجاب بعض الجنوبيين لهذا الحل الوسطي وتبنّوا الدعوة إلى إعلان "الإقليم الشرقي" ويضم حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرة. في المقابل، اعتبر القيادي في "الحراك الجنوبي" لطفي شطارة أن الحوار هو تكتيك يهدف إلى تحقيق خطوة أولى هي "تحقيق المصير" تمهيدداً لـ"الوصول إلى الهدف الاستراتيجي لاستعادة الدولة (اليمن الجنوبي)". عضو "لجنة الـ16" خالد بامدهف أكد أن "لا حل للقضية الجنوبية إلا باستعادة الدولة الجنوبية المستقلة".

"الحزب الاشتراكي" غير راض عن مؤتمر الحوار ونتائجه. أعلن أنه لكي تكون الوثيقة قابلة للنقاش "فلا بد أن تستكمل بوضع مقترح محدد لشكل الدولة يخرج به مؤتمر الحوار ويرضي الشعب في الجنوب وتطلعات الشعب اليمني قاطبة".

فريق من الحراك الجنوبي يفاوض وفريق آخر يدعو إلى التظاهر رفضاً للحوار وللمطالبة باستقلال الجنوب. الضغط على المحاورين كبير. الرئيس هادي حذر "المزايدين والمتاجرين بالقضية الجنوبية" من أنهم "سيجدون أنفسهم خارج التاريخ بسبب خروجهم عن لحظة الإجماع الوطني". في ظل هذه التباينات، أعلن رئيس "مؤتمر شعب الجنوب"، محمد علي أحمد، في 27 نوفمبر، الانسحاب من مؤتمر الحوار الوطني بشكل نهائي "بعد استنفاذ كافة المحاولات والجهود السياسية للتوصل إلى حل عادل للقضية الجنوبية" وأنه لن يعود إلا "بضمان دولي مكتوب". أحمد أكد تمسكه بنقل الحوار إلى خارج اليمن مع ضمان أن يسفر عن منح الجنوبيين حق "تقرير المصير واستعادة الدولة (الجنوبية)".

في المقابل، قرّرت مجموعة من "الحراك الجنوبي" يتزعمها نائب رئيس "مؤتمر الحوار" ياسين مكاوي عدم الخروج من مؤتمر الحوار. كذلك، نفى "مكون الحراك الجنوبي السلمي" انسحاب الحراك وأصدر بياناً انتقد "بعض الأشخاص يحاولون استثمار القضية الجنوبية وتحويلها إلى مكاسب شخصية".

أضيف زخم جديد إلى الشارع الجنوبي. مؤخراً، عُقد اجتماع لتجمع قبائل حضرموت احتجاجاً على مقتل الشيخ سعد بن بن حمد بن حبريش العليي، رئيس حلف قبائل حضرموت، على حاجز للجيش اليمني. المجتمعون أمهلوا السلطات عشرة أيام (حتى 20 ديسمبر) لسحب جميع الثكنات العسكرية والمعسكرات إلى خارج حضرموت وإلا ستسيطر عليها بالقوة.

تطورات "المسألة الجنوبية" الأخيرة لا تبشّر بالخير! احتداد الأزمة ينذر بتدخل القوى الخارجية في الصراع اليمني وبتغذيتها هذا الصراع خدمة لمصالحها. ليس أمام اليمنيين سوى الحوار والتيقّن من عدم صحّة الفكرة التي تقول إن الدولة المركزية أقوى من الدولة الفدرالية. النظام الذي يرضي تطلعات الشعب هو النظام القوي بغض النظر عن شكله ولا بأس في عدم احترام المهل الزمنية للمرحلة الانتقالية. في كل الحالات صار الالتزام بها مستحيلاً.

التعليقات

المقال التالي