المعارضة البحرينية

المعارضة البحرينية

تعود تسمية جامع الفاتح الذي يتربع في وسط العاصمة البحرينية المنامة، إلى أحمد الفاتح آل خليفة، الرجل الذي جاء إلى البحرين في العام 1783، أي قبل 230 عاماً، ودخلها بالسيف هازماً الشيخ ناصر آل مذكور الذي كان ولياً عليها في ذلك الوقت. أما تسمية الفاتح، فقد أختلف حولها الكثيرون، لما لها من دلالة مرتبطة بالفتوحات الإسلامية، وهو ما لا ينطبق على البحرين التي دخلت الإسلام في العام 629 ميلادية وبقيت كذلك منذ ذلك التاريخ.

العلاقة بين القادمين الجدد إلى الأرخبيل الصغير، وأهلها الأصليين، لم تكن في يوم من الأيام "سمنة على عسل"، بل أنتجت الكثير من الحوادث الصغيرة التي كانت تؤدي إلى الاستنفار وتحدث صدامات كان يتدخل البريطانيون في حلها، ويعملون على تهدئة الأوضاع إلى أن تعود لتنشب من جديد، وتتحول في بعض الأحيان إلى صراعات طائفيّة.

اعلان


في العام 1954، تشكلت هيئة الاتحاد الوطني التي ضمت أفراداً من الطائفتين، السنية والشيعية، أبرزهم عبد الرحمن الباكر والسيد علي كمال الدين. هكذا تكوّنت جبهة تتولى زعامة الشعب هدفها مجابهة الدكتاتورية المتمثلة بالحكومة البريطانية. نتيجة توجه الهيئة إلى معارضة الاستعمار البريطاني علناً، أعلنت بريطانيا عن مساندتها لحكام البحرين للوقوف بوجه مطالب الهيئة وتجاهلها. تمثلت مطالب الهيئة حينها بسنّ قانون مدني وجنائي، وجلب قاض لكل محكمة بجانب القضاة المحليين، وتنظيم الأمن حسب النظم المتبعة في العالم، وإصلاح السجون، وتأليف لجنة لدراسة مشاكل دائرتي التعليم والصحة، وتشكيل مجلسين خاصين بهما مستقلين إدارياً ومادياً. إلا أن ما تحقق من هذه المطالب باستخدام الضغط العمالي، لا سيما الإضرابات، كان قليلاً. في العام 1956 اعتقلت حكومة البحرين قادة الهيئة، وقامت بحلها، موجهةً الى المعارضين تهماً خطيرة، من ضمنها محاولة قتل الحاكم وأفراد أسرته وممثل الحكومة البريطانية، وإجراء تغييرات غير شرعية في الجهاز العسكري بالتعاون مع جهات خارجية (المقصود بها مصر)، وإدخال منظمات عسكرية الى البحرين، وتهييج الرأي العام خلال 4 سنوات، لذا حكمت عليهم بالسجن لفترات طويلة.

BAHRAIN-POLITICS-MUSEUM

شهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات قوّة المد اليساري الشيوعي في المنطقة. ولم تكن البحرين استثناء، بل كانت رائدة في هذا المجال. هكذا اندلعت انتفاضة مارس في العام 1965، التي طالبت بإنهاء التواجد البريطاني في الأرخبيل، والتي قادتها جبهة التحرير الوطني للبحرين، المشكّلة في العام ١٩٥٥، ومن أبرز قياداتها أحمد الذوادي وأحمد الشملان. بدأت الانتفاضة بإضراب لموظفي شركة النفط، رداً على صفع شرطي لبائع خضار في المنامة. قامت الشركة حينها بتسريح مئات من العمال البحرينيين وقتْل عدد منهم في اشتباكات مع الشرطة. بقيت التنظيمات المعارضة التي كانت تنتمي لليسار في أغلبها في ذلك الوقت، تعمل بشكل منظم وسري حتى استقلال البحرين في العام 1971. في ذلك الوقت أيضاً، طالبت إيران بـ"أحقيتها" بحكم البحرين، ولكنها عدلت عن ذلك بعد استفتاء أقيم سنة 1970 في البلاد، تحت إشراف الأمم المتحدة، صوّت فيه البحرينيون لبقاء البحرين مستقلة عن إيران. بايعت العائلات السنية والشيعية آنذاك الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أميراً للبحرين.

توّجت المطالب السياسية والنداءات بتطوير العمل السياسي في البلاد بتشكيل برلمان في البحرين في العام 1973، لتكون الدولة الأولى في الخليج التي تحتضن مجلساً تشريعياً. ولكن المجلس لم يصمد أمام تعنت العائلة الحاكمة أنذاك، فحلّ الأمير البرلمان في العام 1975. هكذا، بقيت البحرين دون حراك سياسي علني، ولكن بتنظيمات سرية، قادتها وناشطوها يعيشون في المنافي والمعتقلات، أو أنهم قضوا تحت التعذيب في السبعينيات، الثمانينيات، والتسعينيات. نذكر من تلك التنظيمات الجبهة الشعبية لتحرير البحرين، ذات التوجه اليساري والليبرالي، التي أسّست في العام 1974، وكان أبرز قادتها عبد الرحمن النعيمي. كذلك حركة أحرار البحرين، التي تشكلت في العام 1981 كفرع لحزب الدعوة الإسلامية (تنظيم البحرين)، ثم أخذت إسم أحرار البحرين، لتعمل من العاصمة البريطانية لندن.

انبثقت منها جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، كبرى تنظيمات المعارضة حالياً، التي تعمل وفق قانون الجمعيات البحريني. إضافة إلى ذلك، حركة وفاء التي يقودها عبد الوهاب حسين، وحركة حق التي يقودها حسن مشيمع، وحركة خلاص التي يقودها عبدالرؤوف الشايب. هذه الحركات تشكلت بعد انشقاق عدد كبير من المعارضين عن حركة الوفاق في العام 2006، عندما قررت المشاركة في الانتخابات البرلمانية، لكونها وجدت غياباً للعدالة في تقسيم الدوائر الانتخابية وقانون الانتخابات. عادت تلك الحركات واجتمعت مع التنظيم الأم فور انطلاق الاحتجاجات في البحرين في 2011 ضمن تكتل "التحالف من أجل الجمهورية“. طرح التكتل حينها، وللمرة الأولى، مطالب تتجاوز الإصلاح الحكومي إلى إلغاء الملكية وإقامة نظام جمهوري في البلاد.

عملت كذلك ضمن قانون الجمعيات السياسية البحريني، جبهة التحرير الوطني البحريني في العمل السياسي العلني في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي، وجبهة التحرير الشعبية التي انتظمت في العمل العلني تحت مسمى جمعية العمل الديمقراطي. أما التيار الرسالي الشيرازي، فقد انتظم في جمعية العمل الإسلامي، (برئاسة الشيخ محمد المحفوظ) التي حلّتها الحكومة مؤخراً وحكمت على رئيسها بالسجن مدى الحياة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم بالقوة.

أما النضال الحقوقي في البحرين، والذي لا يتعدى نشاطه الرسمي 12 عاماً، فقد جاء بالتوازي مع النشاط السياسي خلال الأعوام الماضية. في الوقت الذي راحت فيه الجمعيات السياسية تنشط في الشأن العام وشهدت البحرين انتخابات برلمانية وبلدية وحراك مجتمع مدني، جرى الترخيص للعديد من منظمات حقوق الإنسان للعمل تحت قانون الجمعيات الأهلية. لكن الأصوات التي تعالت مطالبة بحقوق عادلة للجميع وبمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في المنظومة الأمنية ومحاربة الفساد في الحكومة لم تكن إلا أصوات نشازٍ بالنسبة إلى السلطات البحرينية. هكذا، حلّت الحكومة مركز البحرين لحقوق الإنسان الذي كان يرأسه عبد الهادي الخواجة، والذي يقضي عقوبة بالسجن المؤبد حالياً بتهمة التحريض على كراهية النظام والعمل على قلبه باستخدام العنف، ليرأسه من بعده نبيل رجب الذي يقضي أيضاً عقوبة بالسجن لمدة عامين بتهمة التحريض على التجمهر غير المرخص، لتتولى رئاسته بالوكالة ابنة الحقوقي عبد الهادي الخواجة، مريم الخواجة.

في سياق عملها هذا، قامت الحكومة بالتضييق على الجمعيات الحقوقية الأخرى، واستقطبت بعض الحقوقييين العاملين فيها للعمل في مؤسسات حقوقية تابعة للدولة، غالباً ما تغض البصر عن الانتهاكات التي يقوم بها عناصرها.

تاريخ المعارضة البحرينية

نزيهة سعيد

صحافية من البحرين، تكتب في مجال السياسة، الاقتصاد، الفن والقضايا الاجتماعية. تعمل في الصحافة المكتوبة، المرئية، المسموعة والإلكترونية. وهي حائزة على "جائزة يوهان فيليب لحرية التعبير والصحافة" للعام 2014.

التعليقات

المقال التالي