تركيا والعرب، كيف الخروج من الورطة؟

تركيا والعرب، كيف الخروج من الورطة؟

"صفر مشاكل مع الجيران" كان الشعار الذي أطلقه وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، حين تسلم منصبه عام 2009. منذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة تحت الجسور، واندلعت انتفاضات ما يسمى بـ"الربيع العربي" في أرجاء عديدة من العالم العربي، وشاهدنا تراجعات متعددة للنفوذ الناعم لتركيا، الذي بدأ يتزايد سياسياً واقتصادياً بل حتى فنياً.

لعل طرد السفير التركي من القاهرة وردّ تركيا بتخفيض مستوى التبادل الدبلوماسي، هو أوضح دليل على أن معدل المشاكل مع الدول العربية قد فاق الصفر بكثير. فالعثمانية الجديدة التي تبناها رجب طيب أردوغان وحزبه كخيار لتحويل تركيا إلى قوة إقليمية ذات ثقل اقتصادي وسياسي يسمح لها بالتأثير في سياسات المنطقة وتقديم نفسها للغرب والاتحاد الأوروبي كلاعب له وزنه الإقليمي والدولي، وبالتالي نيل استحقاقاته التي تترتب على ذلك، قد بدأت تتآكل لعدة أسباب.

أولها، أن تركيا اندفعت وفق حسابات غير دقيقة في التورط ببعض مشاكل الجيران العرب، وبالتالي دفعت ثمناً من رصيدها السياسي. فقد كان من أهم أسباب قوة تركيا سابقاً أنها قادرة على لعب دور الوسيط بين العرب وإسرائيل، ومثال ذلك ما فعلته بين سوريا وإسرائيل في محاولة إعادة دفع مفاوضات السلام. أما الآن فعلاقاتها بإسرائيل أكثر فتوراً من ذي قبل، خصوصاً بعد تصريحات أردوغان عن تورط إسرائيل بدعم الانقلاب في مصر، ناهيك عن ذيول حادثة السفينة التركية، مرمرة، التي لا تزال عالقة في الأذهان. أما في الداخل السوري فقد أصبحت تركيا طرفاً في النزاع ولاعباً مهماً. لكن، ماذا يخبئ القدر في حال تمكن الإسلاميون المتشددون من لعب دور بارز في تشكيل سوريا ما بعد الأسد، وفي حال استطاع  أكراد سوريا أن يوجدوا لأنفسهم كياناً على الخارطة السياسية السورية؟!

في كل الأحوال، تركيا لن تكون بمأمن من التداعيات السلبية لأي تغييرات في الوضع السوري قد تكون سبباً في إشعال المزيد من النزاعات العرقية والطائفية في المنطقة. لا يفوتنا في هذه النقطة أيضاً أن نتحدث عن الاندفاع التركي في تأزيم الموقف مع بغداد، سواء بدعم أطراف سياسية عراقية لم يعد لها رصيد يذكر، مثل نائب الرئيس العراقي الهارب، طارق الهاشمي، والمتهم بالوقوف وراء عمليات إرهابية، أو بتوسيع العلاقات مع الإقليم الكردي على حساب العلاقة مع المركز في بغداد. كما أن ظهور الأتراك بمظهر الحامي للسنة في العراق أفقدهم القدرة على لعب دور الجار المقبول سياسياً والمرغوب اقتصادياً من جميع الأطراف. فالرهان على توسيع العلاقات مع الاقليم الكردي، والمساندة الحارة لقيادات سنية معارضة لحكومة المالكي في الوقت نفسه، الذي تنطلق فيه الانتقادات الحادة من أردوغان لحكومة بغداد، قلص من مساحة المناورة التركية على الحلبة السياسية العراقية.

لقد استقبل أردوغان في مصر خلال زيارته لها في سبتمبر 2011 استقبال الفاتحين، ونظر الجميع إليه على أنه مثل يحتذى في الزعامة وإدارة الدول. أما الآن، فقد أدى كلامه القاسي عن عدم احترامه للإنقلابيين في مصر إلى تأجيج الشعور الوطني المصري وخلق حالة تأييد شعبي لتخفيض مستوى العلاقات مع تركيا وطرد السفير. ففي الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة بالاعتراف بالأمر الواقع، رغم تحفظاتها على التغيير الذي قام به الجيش، وهو ما بدا واضحاً في تصريح جون كيري مؤخراً أن "الإخوان سرقوا ثورة يناير"، نجد تصعيداً تركياً جعلها تبدو فاقدة للبوصلة السياسية التي تقول إن المراهنة على عودة الإخوان المسلمين لحكم مصر الآن أمر غير واقعي، كما أنه يدخل سياسة تركيا الخارجية في تناقض مع دول الخليج التي أيدت وبقوة التغيير الذي حدث في مصر، في الوقت الذي تتناغم فيه سياسات هذه الدول مع تركيا فيما يخص الشأن السوري.

إن ما رأيناه من تحركات تركية أخيرة لرأب الصدع الذي استفحل مع بغداد بزيارة أحمد داود أوغلو الأخيرة للعراق ولقائه برئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقيين، وزيارته للمراجع الشيعية في النجف، لهو دليل على إدراك تركيا أنها يجب أن تغير اتجاه الريح التي تدفع سياستها الخارجية لتضعها في مسار أكثر اعتدالاً تستطيع بموجبه أن تدعم سياسياً قوتها الاقتصادية المتنامية في المنطقة. وهو أيضاً مؤشر على الخلل الثاني الذي أصاب سياسة تركيا مع العالم العربي؛ تكرار صورة النزاع العثماني - الصفوي وإظهار تركيا لنفسها على أنها اللاعب السني الكبير في المنطقة وحامية القوى السنية في دول مثل العراق، وهي الصورة التي أراد أوغلو أن يخفف من حدتها بزيارة المراقد المقدسة في النجف وكربلاء، والحديث عن تقارب في الرؤى، وإن كان لم يغفل الحديث عن بعض الخلافات التي يجب ألا تعكر صفو العلاقات.

إن نظرة فاحصة لأرقام التبادل التجاري التركي مع بعض الدول العربية في المنطقة، تبين أن لتركيا حضوراً متزايداً في المنطقة يفتح أمامها أسواقاً ذات آفاق مستقبلية واعدة، وهو أحد العوامل الهامة التي تشكل ضغطاً متزايدأ على أردوغان لإعادة النظر في سياسته الخارجية التي اتسمت إلى حد ما بالتعامل مع الأحداث من منطلق رد الفعل، لا من منطلق سياسة ثابتة تعتمد مبدأ "صفر مشاكل" كما كانت الآمال سابقاً.فالتصريحات الأخيرة لأحمد داود أوغلو، غداة زيارته لإيران، عن أن الاتفاق مع الغرب سيؤثر إيجابياً على تركيا ووصفه للاقتصادين الإيراني والتركي بأنهما "متممان" لبعضهما إشارة إلى الرغبة التركية في وقف الخسائر التي منيت بها السياسة الإقليمية التركية، ومحاولة لتخفيف الضغط الذي أفرزه تدهور العلاقات مع كل من مصر وسوريا والعراق وإسرائيل.

العلاقات الإيرانية التركية

إن التخندق في أي من جوانب النزاعات الداخلية لا يمكن له إلا أن يعصف بسياسة "صفر مشاكل" ويهدد مبدأ "المسافة المتساوية" الذي تحدث عنه سابقاً أحمد داود أوغلو كركيزة لسياسة تركيا في المنطقة. فتشبيه أردوغان لعبد الفتاح السيسي ببشار الأسد، والحديث علناً عن أن الحكومة في مصر تمارس إرهاب الدولة، ورفع إشارة رابعة في إحدى الخطب، لن يعود بالنفع على تركيا التي باتت اليوم أكثر عزلة في العالم العربي عما كانت عليه منذ بدء انتفاضاته. أضف إلى هذا أن القمع الذي واجهت به حكومة أردوغان الاحتجاجات الشعبية الصيف الماضي، رسم في الأذهان صورة مشابهة لصور احتجاجات الربيع العربي التي كان أردوغان في الماضي رمزاً لمساندتها.

تبين لنا أرقام الصادرات التركية بعض الانخفاضات هنا وهناك في أرقام التبادل التجاري مع بعض الدول العربية، وهي علامة سلبية على ما يمكن أن ينال الاقتصاد التركي، إن استمرت هذه السياسة المندفعة باتجاه التورط، لا التوسط، والتحزب عوضاً عن التقرب. وعلى ضوء هذا يمكننا أن نفهم تصريح أوغلو في إيران أن تركيا تؤيد وقفاً لإطلاق النار في سوريا. فالصادرات التركية لدول الخليج انخفضت بنسب كبيرة بسبب توقف طرق النقل البرية عبر سوريا. واضطرت تركيا منذ ذلك الوقت إلى اعتماد الموانئ المصرية لتفريغ البضائع ونقلها إلى الخليج. ومنذ الإطاحة بمرسي وتزايد التوتر بين حكومتي تركيا ومصر، انخفضت الصادرات التركية إلى مصر بما يقرب من 30% حسب ما أوردته بلومبرج نيوز استناداً إلى أرقام OSF- International Logistics Services، وبدأت المشاكل والمعوقات المادية والإدارية تظهر أمام الشاحنات التركية التي تنقل البضائع إلى الخليج بسبب العلاقة المتشنجة بين البلدين. ويبدو أن الحكومة التركية بحاجة لبعض الوقت لتستوعب الضرر الاقتصادي والسياسي الذي سيخنق سياستها في المنطقة إن استمر هذا الحصار على خطوط نقل بضائعها إلى دول المنطقة، والتي تستهلك ما يقرب من خمس الصادرات التركية الإجمالية.

إن التقارب الإيراني - الأميركي الأخير بدأ يدق ناقوس الخطر لدول الخليج التي قد تقترب من تركيا أكثر في الفترة القادمة في محاولة لخلق توازن إقليمي في مواجهة تمدد إيراني محتمل بعد رفع العقوبات والتوصل إلى اتفاق شامل مع الغرب يبدو الآن أقرب من أي وقت مضى. قد نرى في المستقبل القريب توافقاً تركياً - خليجياً على تطبيع العلاقات مع مصر، للتفرغ لما هو أهم فيما يخص إيران وسوريا، مما قد يدفع تركيا إلى محاولة ترميم جسورها مع النظام الجديد الذي ستفرزه الانتخابات القادمة في مصر بعد إقرار الدستور في استفتاء شعبي قريباً. والحال أن تركيا لا تتحمل خسارة لاعب مهم مثل مصر، ومن المحتمل أنها ستصل لمرحلة من الواقعية السياسية، كما وصلتها مؤخراً مع العراق، وتعود إلى التعريف الأولي للسياسة وهو أنها "فن الممكن" لا "فن ما نريد".

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي