الإسلام التكفيري، تحليل كل المسلم على المسلم!

الإسلام التكفيري، تحليل كل المسلم على المسلم!

في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن التكفيريين. معظم الكلام المنشور يجتزئ ظاهرة التكفير في الإسلام ويستخدم المصطلح استخداماً سياسياً. لا يعني هذا أنه ليس هناك جماعات تكفيرية ولكن صار المصطلح يطلق جزافاً فتتهم به جماعات معيّنة من دون وجه حق.

في حديث منقول عن النبي محمد: "كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله". كان هدف النبي شدّ أواصر المسلمين وضبط اختلافاتهم بطريقة لا تؤدي إلى استباحة بعضهم لبعض حتى أنه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". لكن تكفير أحد المسلمين يجعل كل هذه المحرمات مباحة، رغم أنه يُنقل عن الرسول قوله: "هلك المتنطعون"، أي الذين يغالون في فهمهم للدين مخرجين إيّاه عن الوسطية.

اعلان


من هو التكفيري؟

يعرّف الشيخ يوسف القرضاوي التكفيري بأنه ذاك "الذي يبالغ في تكفير غيره". برأيه، "لا يجوز للمسلم أن  يكفّر غيره. الأصل أن المسلم هو من شهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً رسول الله. بهذه الشهادة يدخل دين الإسلام وتعصمه هذه الشهادة من الكفر".

في الأحاديث النبوية يرد مصطلح الكفر أحياناً بمعنى المعصية لا بمعنى الكفر الذي يُخرج الإنسان من ملّة الإسلام. نقرأ مثلاً: "من حلف بغير الله فقد أشرك أو قد كفر"، "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". هذه الأنواع من "الكفر" تُبقي من يمارسها على إسلامه. فليست كل معصية مُخرجة من الدين.

تكتفي بعض الفرق الإسلامية بالنطق بالشهادتين لاعتبار الشخص مسلماً. ولكن معظم المسلمين من أهل السنّة والجماعة يعتبرون أن هذا النطق ضروري ولكنه ليس كافياً. برأيهم، هو يثبت للشخص صفة المسلم ولكن هناك أمور أخرى ضرورية لبقاء هذا الوصف قائماً. فللاعتقاد الإسلامي أصول خمسة هي الإيمان بالله والملائكة والكتب السماوية والرسل واليوم الآخر. من يثبت عليه، بحكم من قاضٍ مسلم، أنه يرفض إحدى هذه الأصول يخرج من دين الإسلام. غير ذلك فهو مسلم لا يحق لأحد تكفيره.

من هنا، عُرف عن أئمة المذاهب السنية الأربعة قبولهم الاختلاف في المسائل التي لا تدخل في أصول الدين. فالشافعي قال عن مالك: "مالك حجة الله على خلقه" و"ما تحت أديم السماء أصحُّ من كتاب مالك" و"لولا مالك وابن عُيينة لذهب العلم من الحجاز". وقال أحمد بن حنبل في الشافعي: "والله ما بتّ ليلة ثلاثين سنة إلا ودعوت فيها للشافعي" و"كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس". من جانبه، قالالشافعي عن أحمد: "لقد تركت بغداد وما خلفت فيها أورع ولا أعلم ولا أهدى من أحمد بن حنبل"...

التكفير والهجرة

أبرز النماذج عن الجماعات التكفيرية في العصر الحديث هو نموذج حركة "التكفير والهجرة". في السجون المصرية، في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، كفّرت مجموعة من الإسلاميين المسجونين النظام المصري والمجتمع المؤيد له. صاغ هذه الأفكار بدايةً، الشيخ علي إسماعيل. ولكن الأخير تراجع عنها فتزعّم هذا التيار ونظّر له شكري أحمد مصطفى، أمير "جماعة المسلمين" التي نعتها معارضوها باسم "التكفير والهجرة" لأنها دعت إلى تكفير المجتمع والهجرة عنه إلى بعض الأماكن النائية. عام 1977، ألقت السلطات المصرية القبض على مئات من أنصار هذه الجماعة وأعدمت خمسة من قادتها بينهم مصطفى.

كفّر أعضاء هذه الجماعة الحكّام لأنهم لا يطبقون شريعة الله وكفّروا الشعب لأنه يرضى بحكم هؤلاء الحكّام كما كفّروا علماء الدين لأنهم لم يكفّروا هؤلاء الكفار! كانوا يعتبرون أن من واجبهم هداية الناس والتأكد من التزامهم بالإسلام. وعليه كانوا يعتبرون أن من ينضم إلى جماعتهم يدخل إلى دين الإسلام وكانوا يهدرون دم كل من ينضم إليهم ثم يتراجع عن بيعته لأميرهم!

سمّوا أنفسهم "جماعة المسلمين" في إشارة إلى اعتقادهم بأنهم جماعة آخر الزمان! كانوا يعتقدون أنه سوف يتم على أيديهم ظهور الإسلام على كافة الأديان والملل. اعتبروا "أن رسول الله كان يقول نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فلا بد أن نكون مثلهم أميين نوجه كل جهدنا ووقتنا لنتعلم الكتاب والحكمة، وما دون ذلك فهو ضلال مبين". أبرز من كتب عن هذه الجماعة هو عبد الرحمن أبو الخير، الذي كان أحد أعضائها ثم انفصل عنها.

التكفير المتبادل

في التاريخ الإسلامي، لا يمكن فصل نمو ظاهرة التكفير عن الظروف السياسية التي كانت سائدة حين بروزها. لا بل أننا يمكن أن نعتبر أنها من أدوات الصراع السياسي الذي شهدته حقبات تاريخية معيّنة.

ففي ولاية الإمام علي بن أبي طالب ظهرت مسألة الخوارج الذين كفّروه وخرجوا عليه بالسيف. بعدها صار مصطلح الخوارج عند البعض مصطلحاً عاماً لا يختص بهذه الحقبة التاريخية. يقول الشهرستاني: "كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان". تاريخياً، كفّر بعض المسلمين الخوارج أو بعض فرق الخوارج كالبدعية والميمونية واليزيدية. ولكن إذا عدنا إلى البدايات نقرأ أن مروان بن الحكم قال لأيمن بن خزيم: "ألا تخرج تقاتل؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله، وإنهما عهدا إلي أن لا أقاتل أحداً يقول: لا إله إلا الله، فإن جئتني ببراءة من النار قاتلت معك، قال: أخرج فلا حاجة لنا فيك".

عندما برزت شخصية الإمام أحمد بن حنبل في العصر العباسي، كان هناك صراع سياسي – ديني شديد على الخلافة. في الشكل، تمظهر هذا الصراع كخلاف عقائدي بين مؤيدي ابن حنبل وبين المعتزلة. بالغ الأخير في تكفير خصومه أحياناً. في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" كتب: "من زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من الأول، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومن لم يكفر هؤلاء القوم فهو مثلهم". رغم أن القول أن "القرآن مخلوق" هو مسألة فلسفية ليس القصد منها أنه ليس منزلاً من الله بل تعني أنه "لم يكن موجوداً في الوجود ثم وُجد".

كذلك الأمر بالنسبة للحقبة التاريخية التي عاشها الإمام تقي الدين بن تيمية. كتب إبن تيمية في فترة شهدت اجتياح المغول للأراضي الإسلامية وإدعائهم الإسلام وتعاون البعض معهم. في العادة يتم اجتزاء بعض الفتاوى التي قال بها ابن تيمية فمثلاً يستشهد البعض بكثير من فتاويه وينسون أنه قال: "ليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن يثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك. بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة". وهذا يعني أنه لا يمكن تكفير شخص إلا بعد "محاكمة" عادلة أمام قاضي عالم بأمور الدين. حتى أن ابن تيمية انتقد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، صاحب كتاب "منازل السائرين"، لأنه بالغ في تكفير فرقة الجهمية.

يختلف الشيعة عن السنّة في اعتقادهم بالإمامة ويعتبرون أن الإمامة هي شرط لقبول العبادات وإنكارها يساوي أو يفوق إنكار النبوّة. إلا أنهم لا يذهبون إلى تكفير منكري الإمامة. للجمع بين الموقفين يلجأون إلى فلسفة معقّدة تبدأ من التمييز بين الإسلام وبين الإيمان. فمثلاً، يعتبر الشيعة أن محاربي الإمام علي بن أبي طالب كفروا بمحاربته ولكن كفرهم كان كفر ملّة لا كفر ردّة عن الشرع وإن كانوا بكفرهم هذا خارجين عن الإيمان. هكذا أيضاً يفسّرون مئات الأقوال التي تقول إن "دفع الإمامة كفر". في بعض الحقبات التاريخية كحقبة تأسيس الدولة الصفوية وسعيها إلى تشييع الفرس في مواجهة السلطنة العثمانية السنية، برزت عدّة أصوات شيعية غالت في هذه المسألة.

من ناحية أخرى يكفّر الشيعة النواصب ويظهر في كتبهم قول منسوب إلى الإمام جعفر الصادق وفيه: عن "خذ مال الناصب حيث ما وجدته وادفع إلينا خمسه". في التعريف أن الناصبي هو من يناصب الإمام علي وأهل بيته (بالتحديد نسله من فاطمة الزهراء) العداء. برأي أغلبية علمائهم الساحقة، لا يجب أن يطلق الحكم على شخص بأنه ناصبي من دون بيّنة. ولكن بعض غلاة الشيعة يعتبرون أن كل من يقدّم شخصاً على علي بن أبي طالب هو ناصبي.

استسهال البعض للتكفير

بعدما قال الشيخ ناصر الدين الألباني بجواز كشف المرأة وجهها وكفّيها، امتعض أحد المؤيدين للنقاب وهو الشيخ حمود بن عبد الله التويجري فأصدر كتاباً عنوانه: "الصارم المشهور على أهل التبرج والفجور" قال فيه بعدم جواز سفور المرأة عن وجهها أمام الرجال الأجانب. التويجري تحدث في الفصل التاسع من كتابه عن تكفير بعض العلماء لمن أظهرت زينتها الخِلقْية أو المكتسبة، معتقدة جواز ذلك وإباحته!

الآن تملأ بعض الفضائيات الإسلامية فترات بثها ببرامج مع دعاة إسلاميين يكفرون يميناً وشمالاً! في المقابل يحاول البعض اتهام كل الفرق الإسلامية السلفية بأنها تكفيرية.

يميّز السلفيون العلميون بين تكفير الجماعة كجماعة وبين تكفير الأفراد المنضوين في هذه الجماعة. بالنسبة لموقفهم من الشيعة، هم يكفرونهم كجماعة، "في الجملة وليس في التفصيل"، على ما يقول الشيخ ناصر الدين الألباني شارحاً أنه "لا يجوز التكفير إلا بالأعيان والأشخاص". برأيه "لا يجوز في شرع الله تبارك وتعالى تكفير طائفة أو جماعة من المسلمين بالجملة ذلك لأن أي طائفة قد يكون فيها مَن لم يستحق أن يوجَّه إليه التكفير لعذر أو لآخر، كما أنه قد يوجد فيهم من يستحق التكفير، ولذلك فلا يجوز بوجه من الوجوه أن يقال الشيعة مثلاً كلهم كفار، أو الزيدية مثلاً، أو الخوارج، أو الإباضية، أو غير هذه الفرق".

السبب في ذلك، كما يرى الألباني الأمور، أن "كثير من عامة المسلمين - بغض النظر عن انتمائهم إلى السنة أو إلى الشيعة أو إلى غيرهم - نجد فيهم مَن لا يزال على الفطرة، ولم يتأثر بما يسمى عند العلماء بعلم الكلام كما تأثر به كثير من المشتغلين بالعلم، ولذلك فهؤلاء العامة يبقون على سلامتهم وعلى فطرتهم، بينما يكون بعض خاصتهم قد انحرفوا عن الخط المستقيم". أما الخاصة ممّن ينشرون آراءهم فهو يكفّرهم كما فعل في فتوى شهيرة كفّر بها الإمام روح الله الخميني مستنداً إلى استشهادات من كتبه.

التكفير ظاهرة لها أصولها في الشرع الإسلامي. يندر أن نجد فرقة إسلامية لا تتحدّث عن تكفير بعض المسلمين، ولكن لهذا الحكم أحكاماً وشروطاً كثيرة. مع ذلك نقع اليوم على بعض الجماعات التي تمعن في استسهال هذه المسألة الدقيقة. "هلك المتنطعون"، يقول النبي.

كلمات مفتاحية
الإسلام السياسي

التعليقات

المقال التالي