الشيطان الأكبر في تفاصيل الاتفاق النووي!

الشيطان الأكبر في تفاصيل الاتفاق النووي!

في اليوم التالي لتوقيع إيران اتفاقاً مع مجموعة 5+1 حول برنامجها النووي، نشرتصحيفة "أرمان" الإصلاحية صورة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف محتضناً أرميتا، حفيدة داريوش رضائي نجاد، العالم النووي الذي تعرّض، عام 2011، لعملية اغتيال. بدا من الصورة أن تضحيات إيران لم تذهب سدى. "الملحمة السياسية التي أطلق تسميتها قائد الثورة على عامنا الحالي، قد تحققت"، قال الوزير.

Javad Zarif

لم يحصل الاتفاق فجأة. صحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal كشفت عن مفاوضات سرية بين الولايات المتحدة وإيران عمرها خمس سنوات وجرت بإشراف الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه.

تقييم الاتفاق النووي هو موضع خلاف لأسباب كثيرة. من جنيف، أعلن ظريف أنه "يتضمن إشارة واضحة مفادها أن التخصيب سيستمر". الرئيس الإيراني حسن روحاني أكّد أن "الاتفاق يقبل مبدأ حق إيران في تخصيب اليورانيوم... حق إيران في التخصيب مذكور بوضوح في النص". في المقابل، لفت وزير الخارجية الأميركي إلى أن النص "لا يقول إن لإيران الحق في تخصيب اليورانيوم" وهو ما أكد عليه نظيره البريطاني وليم هيغ. ما الأمر؟ دخل الشيطان الأكبر إلى التفاصيل.

حق التخصيب في الاتفاق

أبرز النقاط التي دار حولها النقاش هي حق إيران في تخصيب اليورانيوم. الوزير ظريف كان يقول إن "إيران مستغنية عن الاعتراف بحقوقها في مجال تخصيب اليورانيوم كونها تمتلك هذا الحق بناءً علي معاهدة أن بي تي (معاهدة حظر الانتشار النووي)". ولكن المعاهدة التي تستند إليها إيران مصاغة بطريقة يكتنفها الغموض، فهي تنص على حق من يوقعها باستخدام النووي لأغراض سلمية ولا تشير صراحة إلى الحق في التخصيب. من هنا كان الاتفاق على صيغة تسمح لكل من الطرفين بالاستمرار في ادعاءاته.

ينص الاتفاق الذي تم التوصل إليه على أن إيران، في المرحلة الأولى منه ومدّتها ستة أشهر، تتعهّد بعدم تخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز الخمسة في المئة. هذا يعني أن عمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% ستتوقف. وبموجب الاتفاق تجمّد إيران أعمالها في مفاعلات نتانز، فوردو وآراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة، وتكف عن تطويرها. هذا يعني أن إيران لن تقوم بأيّة خطة لتطوير برنامجها النووي كما أنها لن تبني أيّة منشأة إضافية للتخصيب.

لن تكتفي إيران بهذا القدر، فهي ستحوّل نصف مخزونها من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20% (يو أف 6) إلى يورانيوم مخصّب بنسبة 5% (يو أو 2) وستحوّل النصف الثاني إلى قضبان وقود صلبة تستخدم في مفاعل طهران البحثي. وستحتفظ بعملياتها التي تخصّب اليورانيوم لأغراض البحث والتطوير العلمي والتي لا تهدف إلى تكديس كميات من اليورانيوم المخصب.

إن كانت إيران قد جمّدت برنامجها النووي، أي تعهّدت بعدم السير به قدماً لا بل قبلت بالسير القهقرى في مسألة مخزونها من اليورانيوم المخصّب فهي حافظت، مرحلياً، على هيكلية هذا البرنامج وهي تستطيع، إذا ما فشل الاتفاق في المستقبل أن تعيد زيادة تخصيب كميات اليورانيوم التي تعهّدت بخفض نسبة تخصيبها. كل خسارة إيران الممكنة لا تتعدّى خسارتها للوقت ولكنها خسارة ليست ببسيطة.

مكاسب إيران

في مقابل تنازلاتها، ستكسب إيران، في المرحلة الأولى من التفاق، تقليصاً للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وهذا مهم لإيران التي بلغت نسبة التضخّم فيها 40%.
بحسب الاتفاق، لن يرفع الحظر عن مبيعات طهران من النفط الخام ولكن لن تفرض عقوبات إضافية تحول دون استمرار صادراتها كما هي الآن. ستحصل إيران على جزء من عائداتها النفطيّة المجمّدة في الخارج. ستجمّد العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على خدمات النقل والتأمين المرتبطة بمبيعات النفط الخام وعلى صادرات إيران البتروكيمائية وعلى الخدمات المتعلقة بهذا النوع من التصدير كخدمات التأمين والنقل وغيرها. كذلك ستجمّد العقوبات المفروضة على قطاع الذهب والمعادن الثمينة وعلى قطاع تصنيع السيارات في إيران وعلى الخدمات المتعلقة بهذين القطاعين. سيسمح لإيران بالتزوّد بقطع الغيار اللازمة لضمان سلامة الطيران المدني. كما حصلت إيران على تعهّد بعدم فرض أي عقوبات جديدة من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عليها لمدة ستة أشهر.

لفهم معنى ذلك، يمكن العودة إلى تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس وتأكيده أن رفع العقوبات "سيكون محدوداً ودقيقاً وقابلاً للتراجع" وأن رفع العقوبات في مرحلة أولى سيشكل حوالي خمسة في المئة من القيمة الإجمالية للعقوبات المفروضة على إيران. مالياً، يقدّر بعض الخبراء أن إيران ستحصل على حوالي 7 مليارات دولار في الأشهر الستة المقبلة بينما ستستمر في خسارة 5 مليارات دولار شهرياً.

كشف الأسرار

في الفترة الماضية، أصدرت إيران إعلانات كثيرة لها علاقة ببرنامجها النووي وبإنجازاتها. وصدرت تقارير غربية كثيرة تحلل ما توصلت إليه إيران. انعدام التواصل بين طهران وبين المجتمع الدولي خلق أسراراً كثيرة سيفضحها الاتفاق الموقع الذي سيسمح للغرب بتقييم البرنامج الإيراني بدقة.

في الاتفاق، تتعهد إيران بتأمين المعلومات اللازمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما فيها المعلومات حول التصاميم المتعلقة بمفاعلاتها النووية، ووصف دقيق للمباني الموجودة في كل موقع نووي، ووصف دقيق لحجم العمليات في كل موقع مرتبط بنشاط نووي. كما تلتزم إيران تزويد الوكالة بالمعلومات حول مناجم اليورانيوم ومحطات تجهيزه. وتتعهد إيران بتوفير جميع هذه المعلومات خلال فترة ثلاثة أشهر من بدء اعتماد الإجراءات وبتقديم معلومات تقنية عن مفاعل آراك.

كانت إيران تقاوم تسهيل عمل المفتشين، لذلك رفضت التوقيع على البروتوكول الملحق بمعاهدة "أن بي تي" الذي يسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بزيارات مفاجئة. ولكن في الحقيقة تعهّدت إيران، بموجب الاتفاق، بكل مضمون الملحق. فهي تعهدت بالسماح للمفتشين بالدخول إلى مفاعلي نتانز وفوردو دون تبليغ مسبق بهدف الحصول على تسجيلات كاميرات المراقبة. كما أتاحت للوكالة الاطلاع على أنشطة منشآت تجميع أجهزة الطرد المركزي والدخول إلى مناجم اليورانيوم ومحطات تجهيزه.

IRAN-NUCLEAR

اتفاق ولا اتفاق

يقرّ الرئيس الأميركي أوباما باستمرار وجود "صعوبات هائلة" في العلاقة مع إيران. وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ يربط حق إيران بامتلاك الطاقة النووية لغايات سلمية ببلوغ المرحلة الأخيرة من الاتفاق. بشكل من الأشكال ما تم التوصل إليه هو اتفاق وليس اتفاقاً في الوقت عينه.

تعهّدت أميركا بأنها لن تفرض المزيد من العقوبات على إيران. الرئيس أوباما هو من تعهّد بذلك. هل يخذله الكونغرس. إن خذله سيسقط الاتفاق! السيناتور الجمهوري مارك كيرك، المنخرط في المشاورات الجارية في الكونغرس لتشديد العقوبات أكد أنه سيواصل العمل مع زملائه "لوضع تشريع يفرض عقوبات اقتصادية جديدة إذا أخلت إيران باحترام هذا الاتفاق المرحلي، أو إذا لم يكن تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية جارياً في نهاية فترة الستة أشهر". هو يتحدث عن "تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية" وهذا ما لن تقبل به إيران. يعرف أوباما هذه المشكلة. مساعد المتحدث باسمه، جوش إرنست حذّر الكونغرس من أن أيّة عقوبات جديدة سيفرضها ستحرم أميركا من "اختبار هذه النافذة الديبلوماسية".

كل ما يجري الحديث عنه ينحصر في المرحلة الأولية من الاتفاق ومدتها ستة أشهر. إذا ما سارت الأمور على ما يرام، سيتم رفع العقوبات المفروضة من قبل مجلس الأمن الدولي على إيران، وسينتقل طرفا الاتفاق إلى الحديث عن الحل الشامل الذي يتضمّن برنامج لتخصيب اليورانيوم يلتزم معايير الأهداف السلمية للتخصيب ومستوى التخصيب وحجمه. أما إن لم تسر الأمور على ما يرام، فإننا سنكون أمام أحد أمرين: إما تمديد مهلة الأشهر الستة (ينص الاتفاق على ذلك) وهو أمر مرجّح وإما تعود علاقة طهران بالعالم إلى سابق عهدها من التوتر.

التعليقات

المقال التالي