الإسلام الجهادي، الرعب في سبيل الله!

الإسلام الجهادي، الرعب في سبيل الله!

"حيث وجد الخلق شرعت دعوتهم إلى التوحيد بشموليته وحيث وجدت هذه الدعوة وجد الجهاد من أجلها وفي سبيلها. إن هذا التيار لا يحصر جهاده في بقعة معينة من الأرض على أساس منطلقات قومية أو أرضية، بل ميدانه هو الأرض كلها فتجد أبناءه يجاهدون في شتى بقاع الأرض"، يقول أبرز مُلهم للسلفية الجهادية في العالم، عاصم طاهر البرقاوي، المعروف بـ أبو محمد المقدسي.

ورد الحديث عن الجهاد في آيات قرآنية كثيرة. تبرز الآية 19 من سورة التوبة الأهمية الكبيرة للجهاد في الإسلام: “أَجعلتم سِقاية الحاجّ وعِمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخرِ وجاهد في سبيلِ اللّه”. وفي الحديث النبوي ورد: "من لم يغزُ أو تحدّثه نفسه بالغزو مات ميتة الجاهلية". إذن جعل الإسلام الجهاد فريضة على المسلمين. ولكن في التفاصيل، من ذا الذي يستطيع أن يعلن الجهاد في زمن لم يعد فيه من خليفة للمسلمين يرفع لواء هذه الفريضة؟ لا يصح الجهاد بدون وجود ولي الأمر، وهو ما كان يمثله الخليفة ويمثله الآن الحاكم.

ولادة السلفية الجهادية

أبرز من يحمل لواء الجهاد في عصرنا الحالي هم بعض الجماعات السلفية التي تعتبر نفسها حركية المنهج وتنشد نشر الإسلام وطرد الكفار من ديار المسلمين وتتهم السلفيات الأخرى بأنها مُروّضة لخدمة الحكام. ارتبط المصطلحان معاً فوُلد مصطلح "السلفية الجهادية".

بدأت "السلفية الجهادية" من مصر وبالتحديد في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات. قمع الإخوان المسلمين دفع بعض الشباب الإسلامي إلى تبنّي خيار استخدام العنف ضد "الطاغوت" الحاكم. جذبتهم كتابات سيّد قطب، وخاصة كتابه "معالم في الطريق" ونظرته إلى المجتمعات الإسلامية الراهنة كمجتمعات جاهلية ينبغي إعادة تسيير حياتها وفق مقتضيات الشريعة الإسلامية. في هذا المناخ كتب صالح سريّة "رسالة الإيمان" وكتب محمد عبد السلام فرج "الفريضة الغائبة" وكتب سيد إمام الشريف (عبد القادر عبد العزيز أو الدكتور فضل) "العمدة في إعداد العدّة"، وكلّها كتابات تستعيد أهمية الجهاد.

يعتبر بعض الباحثين أن عبد الله عزام، قائد "الأفغان العرب"، هو أول من استخدم مصطلح "السلفية الجهادية". اليوم هناك منظرون كثر لهذا التيار أبرزهم أبو محمد المقدسي، أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود عثمان، صاحب كتاب "الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج")، أبو مصعب السوري (صاحب كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية") وأبو هاجر العراقي (ممدوح محمود سالم) وأيمن الظواهري.

يرفض بعض الجهاديين تسمية تيارهم بـ"السلفية الجهادية" على اعتبار أن أعداءهم هم مَن نعتوهم به. البعض الآخر لا يجد ضيراً في الإسم رغم اعترافه بأنه أتى من خارج دوائرهم. يقول أبو محمد المقدسي: "إننا لم نتسمّ بهذا الإسم وإنما نعتنا به من سمّانا به من الناس لتمسّكنا بما كان عليه السلف الصالح من الاعتقاد والعمل والجهاد".

الجهاد ضد "الكفّار"

بُعيد دخول جيوش الاتحاد السوفياتي إلى أفغانستان، وُلدت أشهر ساحة جهادية في العصر الحديث. تدفق المجاهدون الإسلاميون إلى تلك الأرض وبرزت أسماء لمجاهدين لم يتوقف دورهم بعد الانسحاب السوفياتي. أبرز هؤلاء كان عبد الله عزام، أو غيفارا الإسلاميين، فهو الذي نظم عملية تدفق المجاهدين العرب إلى أفغانستان وهو الذي أسس آلية لتمويلهم من خلال "مكتب الخدمات" الذي شارك فيه أسامة بن لادن. اغتيل عزام عام 1989 أي بعد سنة من الاجتماع التنسيقي الهادف إلى تأسيس تنظيم القاعدة.

اعتبر معظم علماء الدين أن الجهاد في أفغانستان هو فرض عين. وحين انتهاء الحرب الأفغانية، عاد معظم المجاهدين إلى بلادهم. لم يتوقّف دورهم هنا. اختلف بن لادن مع سلطات بلاده بعد سماحها بمرابطة قواعد أميركية على أرضها لحمايتها من عراق صدام حسين رغم أنها استندت إلى فتوى تجيز "الاستعانة بالكفار" أصدرتها هيئة كبار العلماء برئاسة عبد العزيز بن باز. اعترض شيوخ عدّة (حمود بن عقلاء الشعيبي، سفر الحوالي، سلمان العودة، علي الخضير، وليد السناني) على هذه الفتوى ولم يقبل بن لادن بـ"تدنيس" أرض مهد الإسلام بقواعد لـ"الصليبيين". نفذت القاعدة أولى عملياتها، في عدن، عام 1992، ضد جنود أميركيين كانوا في طريقهم إلى الصومال. سنة 1996، أعلن الجهاد لطرد القوات الأجنبية من كل الأراضي الإسلامية وتمت مهاجمة جنود أميركيين في الخبر.

الاسلام الجهادي - مقاتلون من القاعدة

تبرير استهداف الجنود الغربيين استند إلى قياس على فتاوى لتقي الدين ابن تيمية يدعو فيها المسلمين إلى قتال الغزاة المغول وكل من يتعاون معهم. "إن حكم قتل الأمريكيين وحلفائهم مدنيين وعسكريين، فرض عين على كل مسلم في كل بلد متى تيسر له ذلك، حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم. وحتى تخرج جيوشهم من كل أرض الإسلام، مسلولة الحد كسيرة الجناح"، جاء في نصفتوى أصدرها بن لادن والظواهري وآخرون عام 1998.

الجهاد ضد الداخل

في التاريخ الإسلامي كان الجهاد موجهاً دائماً إلى أعداء خارجيين. الآن، يذهب بعض السلفيين الجهاديين إلى ضرورة تطبيق فريضة الجهاد ضد حكام الدول الإسلامية بعدما قطعوا بكفرهم.

النقاش الأبرز المرتبط بمسألة الجهاد ضد الداخل، أي ضد حكام مسلمين، هو حول ما يجيزه الشرع في هذا الصدد. يقول شيخ الاسلام تقي الدين أحمد بن تيميّة، في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيّة" إنّ "من ولي ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرّمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه". إذن، لعدم تكفير الحاكم، عليه أن يكون مقتنعاً بضرورة تطبيق الشريعة ولكن تمنعه عن تنفيذ قناعته ظروف موضوعية خارجة عن إرادته.

بعد كتابات سيّد قطب التي تتحدث عن الجاهلية المعاصرة، تصاعدت حدة الانتقادات لحياة المسلمين ولمناهج الحكام. يقول محمد عبد السلام فرج، في كتابه "الفريضة الغائبة": "إن الأحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام الكفر بل هي قوانين وضعها كفار وسيّروا عليها المسلمين... أصبحت حالتهم هي نفس حالة التتار كما ثبت في تفسير إبن كثير لقوله سبحانه وتعالى: أفحكم الجاهلية يبغون، ومَن أحسن من الله حُكماً لقوم يوقنون... يقول شيخ الإسلام إبن تيمية في كتاب (الفتاوى الكبرى): ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوّغ اتّباع غير دين الإسلام أو اتّباع غير شريعة محمّد فهو كافر".

من ناحيته، يرى المقدسي، في كتابه "كشف النقاب عن شريعة الغاب"، أن القوانين المدنية والشرعية في البلاد الإسلامية هي "هدمٌ لدين الإسلام وملة التوحيد فهي ألغت حد الردة، وحمت المرتدين وتوالي الشرك والمشركين على اختلاف صورهم، وتحمي معتقداتهم الباطلة وتبيح لهم الجهر بها، وبالتالي الدعوة إليها ونشرها، وليس هذا لليهود والنصارى وحسب، بل لكل ملة ونحلة خبيثة، وواقعهم النجس، وموالاتهم الواضحة وعلاقات المودة والصداقة والمحبة والعمالة التي تربطهم بأعداء الله الشرقيين منهم والغربيين، وقوانينهم هي حرب على التوحيد الحق ومعول هدم لأركانه وأيدٍ بنّاءة للشرك والوثنية، وقوانينهم كذلك تتلاعب بالنفوس والدماء، فبينما هي تحمي أرواح المشركين والمرتدين وتجعل الحرب الهجومية محرمة، تحمي كل من أمر الله تَعَالى ورسوله بقتله من مرتد أو زنديق أو زان ثيب أو لوطي أو غير ذلك". من هذه المنطلقات، يرى هذا التيار ضرورة الخروج على الحكام.

ولكن في المقابل هناك رأي آخر. يعتبر الشيخ ناصر الدين الألباني أن "الخروج على الحكام لو كانوا من المقطوع بكفرهم ليس مشروعاً إطلاقاً ونحن نحتجُّ في مثل هذه المسألة بمثل قوله تبارك وتعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوَة حسنة (الأحزاب: 21). وفي تفصيل لفتواه، يقول: "إنَّ الدورَ الذي يَمرُّ به المسلمون اليوم من تحكّم بعض الحكام ـ وعلى افتراض أنَّ كفرهم كفر جلي واضح ككفر المشركين تماماً ـ إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول: إنَّ الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام ـ ولْنَقُل الكفار مجاراةً لجماعة التكفير لفظاً لا معنى، فنقول: إنَّ الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام لا يخرج عن الحياة التي حييها رسول الله وأصحابُه الكرام فيما يُسمى في عرف أهل العلم: بالعصر المكي. كان الرسول عليه السلام يعيش تحت حكمهم ونظامهم، ولا يتكلَّم معهم إلاَّ: أن اعبدوا الله وحده لا شريك له". من هنا، يعتبر الألباني أنه "على الطائفة المنصورة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام بحق أن تمثَّل بكلمة أعتبرها من حِكم العصر الحاضر، قالها أحد الدعاة، لكن أتباعه لا يُتابعونه ألا وهي قوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقم لكم على أرضكم".

في حديث آخر له يفصّل فيه مسألة مشروعية الخروج على الحكام الصادر عنهم كفرٌ بوّاح، يقول الألباني: "هل أنتم مستعدون للخروج؟ وأعني بالاستعداد: الاستعداد الروحي والاستعداد المعنوي، فأنا أقول: إذا لم يكن هذان السببان متوفِّرَينِ في الذين يريدون الخروج على الحاكم الكافر لا يجوز الخروج وذلك حذراً من الوقوع في سفك دماء بين المسلمين أنفسهم". وفي هذا المجال يستذكر خروج جهيمان في المسجد الحرام وما أدى إليه من تأخير في الدعوى التي كانت تسير بشكل جيّد

شرط إعداد النفس

في حال أُقرّ بجواز الخروج على الحاكم، هناك شروط يجب تحقيقها، كما يرى بعض العلماء. "إن الخروج الفردي هو إلقاء للنفس للتهلكة فلا يجوز"، يقول الألباني. توفير الشروط الموضوعية للجهاد يطال كل أنواع الجهاد. في حديثه عن الذهاب إلى أفغانستان، أشار الألباني إلى أنه لا مانع من الذهاب و"لكن لا نعتقد أن الجهاد لصد هؤلاء الأعداء يكونُ جهاداً فردياً، لابد أن يكون جهاداً منظماً من المسلمين، وأن يكون عليهم قائد، والذي نسميه باللغة الشرعية خليفة للمسلمين، هو الذي يتولى توجيههم ويتولى تسييرهم، ويتولى إعدادهم، القضية ليست قضيّة شخص متحمّس". ففي القرآن جاء: “وأَعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباطِ الخيل ترهِبون به عدو اللّه وعدوكم.

ولكن في مقابل هذا الرأي هناك مجاهدون لا يقيمون للشروط الموضوعية أي اعتبار فيسارعون إلى خوض المعارك الخاسرة التي لا تؤدي إلا إلى تعكير أمن المواطنين وإزهاق أرواح الأبرياء.

فقه العمليات "الاستشهادية"

منذ أن أفتى الشيخ يوسف القرضاوي بمشروعية "العمليات الاستشهادية"، صار لداعمي هذه الوسيلة سند شرعي هام. مئات العلماء وافقوه على فتواه التي أطلقها لإجازة هذه العمليات ضد الإسرائيليين. استند القرضاوي إلى الآية التي تقول: “ومن الناسِ من يشرِي نفسَه ابتغاء مرضاة اللّه” وإلى فتوى قديمة لإبن تيمية. برأيه، "يجوز للإنسان أن يضحي بنفسه من أجل هدف كبير". ولكن تحليل هذه الوسيلة أدخل الفقهاء في نقاش مسألة أخرى: ماذا عن الأبرياء الذين يمكن أن يقضوا عرضياً؟

يجيز بعض الإسلاميين لأنفسهم إيقاع ضرر بالأبرياء مستندين في ذلك إلى فتوى لإبن تيمية يتطرق فيها إلى مسألة التتريس؟ التتريس هو احتماء الكفار خلف الأسرى المسلمين أو خلف النساء والأطفال. يقول إبن تيمية: "اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترّس بمن عنده من أسرى مسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوهم فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم". يستند هؤلاء إلى حادثة أمر النبي بقصف الطائف بالمنجنيق.

المسألة بسيطة بحسب ما كان يقوله زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي! "قتل المتمترس أقل مضرّة من شيوع الكفر" و"إذا قُتل المتمترسون كانوا شهداء". ولكن، بحسب المذاهب السنّية الأربعة، المسألة أعقد من تبسيط الزرقاوي بكثير. في كل الحالات، إن أحكام التترّس التي أفتى بها السابقون تتطرّق لظروف مختلفة تماماً عن الظروف المحيطة بـ"العمليات الاستشهادية" التي تمارس حالياً.

في المقابل، يعتبر مفتي مصر الأسبق نصر فريد واصل أن "التترّس نادر الحدوث في زماننا، وأن ما يحدث في العراق هو استهداف غير شرعي للمدنيين حيث يقتل بسببه الرجال والنساء والأطفال، وهو أمر يرفضه الإسلام، وقاعدة التترّس هي أن يكون العدو مهاجماً علينا لا محالة، ويحتمي خلف مدنيين مسلمين، وعند حدوث هذه القاعدة يجوز أن نوجّه الهجوم على العدو حتى وإن تترّس بمدنيين وذلك دفعاً للضرر الأعظم بالضرر الأقل. وبري الشيخ الألباني، "إذا كان هؤلاء يفخِّخون بعض السيارات ويفجِّرونها فتصيب بشظاياها مَن ليس عليه مسؤولية إطلاقاً فهذا العمل ليس من الإسلام".

في الواقع، ولأسباب مختلفة، يلتحق كثير من الشباب بالسلفية الجهادية، ويصير بعضهم أمراء مجموعات، دون أن تكون لديهم أيّة معرفة عميقة بأحكام الإسلام. هؤلاء تحلّ الكارثة أينما حلّوا. وهنا من المفيد استذكار قول لعبد الله عزّام: "إن حمل السلاح قبل التربية الطويلة للعصبة المؤمنة يعتبر أمراً خطيراً لأن حملة السلاح سيتحولون إلى عصابات تهدد أمن الناس وتقض عليهم مضاجعهم".

الاسلام الجهادي

 

التعليقات

المقال التالي