الاستغلال السياسي لنجوم الكوميديا

الاستغلال السياسي لنجوم الكوميديا

خلال بدايات الثورة المصرية عام 2011، استغل كثيرون موقف الممثل المصري عادل إمام المناوئ للثورة والمؤيد لنظام الرئيس حسني مبارك للهجوم عليه ووضعه على لائحة "العار" أو "القائمة السوداء". كان "الزعيم" كما يُلقب، متخوفاً من "الأخونة" ووصولها إلى السلطة ومشروعها الذي يتناقض مع الفن والسينما، ففضّل بقاء نظام مبارك.

لطالما اشتهر عادل إمام بمحاربة الإرهاب والتطرف من خلال الكوميديا والسينما، وكانت السلطات السياسية في زمن مبارك تستفيد من دوره في هذا المجال، إذ أن كاريزماه وهضامته كانتا كافيتين لتغيير مزاج الرأي العام في الشارع المصري. وبعد سقوط نظام مبارك وسيطرة الإخوان على السلطة وجد بعض الإسلاميين فرصة للانتقام من "الزعيم" من خلال محاولة منع بعض أعماله الشهيرة، وأيدت إحدى المحاكم المصرية حبسه بتهمة "ازدراء الأديان". في لبنان، منع من تصوير بعض مشاهد مسلسل "فرقة ناجي عطالله" في منطقة ضهور الشوير بسبب موقفه الرافض لسياسة "حزب الله".

هكذا تعرض "الزعيم" لمواقف "محرجة" بسبب مواقفه السياسية، وكانت بعض التيارات الأصولية المعادية للضحك تبحث عن طريقة للانتقام منه. لا بد من التذكير بأن الشعب المصري صاحب نكتة بامتياز، والكثير من زعمائه، من سعد زغلول إلى عبد الناصر والسادات، كانوا يفتشون عن الطرائف الجديدة في الشارع المصري بحثاً عن الضحك.

لكن الأنظمة والأيديولوجيات لا تقدر على منع الضحك ولا منع ولادة ممثلين ونجوم كوميديين. بعد سقوط مبارك وسيطرة الأخوان واللحى على السلطة، حصل ما لم يكن في الحسبان، لم يقدر شبح الأخونة على إسكات عادل إمام وانطلقت ظاهرة الطبيب باسم يوسف التلفزيونية التي بدأت من اليوتيوب وتلقفها جمهور عريض، وقد ساهمت طريقة باسم يوسف الساخرة، في الحد من نفوذ موجة "الأخونة" في مصر. تلقف معارضو "الأخونة" ظاهرة يوسف لصالحهم، في وقت كان الرئيس المعزول محمد مرسي يضيق ذرعاً به ولكنه لا يقدر على منعه.

استطاع باسم يوسف بسخريته أن يعرّي ويزيل الأقنعة عن الخطب التي أطلقها مرسي قبل الثورة وخلال توليه رئاسة الجمهورية. وبعد سقوط مرسي أو عزله من الجيش المصري، كان الامتحان الجديد، فـ"السلطة السيسية"(نسبة الى وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي) العسكرية التي استفادت من ظاهرة باسم يوسف لإسقاط نظام الأخوان لم تحتمله، فمنعت الحلقة التي تناولت السيسي. على هذا، كل سلطة تحاول أن تستغل الضحك لمصلحتها، وحين لا يتناسب مع مشروعها، يتحول فعلاً مرذولاً وشيطانياً ومعادياً. كل سلطة تعادي الضحك الذي يحطم تناقضاتها.

ثمة شخصيات كوميدية عربية تنذر نفسها في خدمة تياراتٍ السياسية، عن سابق تصور وتصميم. ينطبق هذا الأمر على الفنان السوري دريد لحام المشهور بـ"غوار الطوشي"، والفنان اللبناني زياد الرحباني. هذا الأخير، منذ بداياته في السبعينات، انغمس في المشاريع السياسية اللبنانية، الأممية والعسكرية والشيوعية. بدأ في تقديم أعماله المسرحية الكوميدية وبرامجه الإذاعية مستنداً إلى قدراته الشخصية وتراثه العائلي (فيروز وعاصي الرحباني)، ثم إلى خيمة "اليسار اللبناني" التي كان لها جمهورها والمستفيدون منها. كان الرحباني في موقفه خلال السبعينات مؤيداً لـ"الحركة الوطنية" (اليسارية القريبة أكثر من القوى الإسلامية) ومعادياً لـ"الجبهة اللبنانية" (اليمينية المسيحية) والتدخل السوري الأسدي في لبنان. تم استغلال تهكمية الرحباني سياسياً على أكثر من صعيد. خلال مرحلة التسعينات تحوّل ضد الحريرية مع ميول نحو الأجهزة الأمنية، نظّر في مسرحه للعسكر وشتم من لم يعجبه. في مرحلة ما بعد "حرب تموز" (2006) صار الرحباني "الشيوعي" يضع على رأسهقبعة "حزب الله"، وبعد اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011 صار يقول إنه يؤيد نظام بشار الأسد "حتى آخر تكة"، فوجد التلفزيون السوري هالة له في أن إبن فيروز يساند نظام الأسد.

بين كل هذا، كان "أبو الزوز" و"ملك الساحة اللبنانية" كما يلقب، عنواناً للتوظيف السياسي حتى لو كانت أفكاره تتناقض إيديولوجيا مع من يوظفها، والقصد هنا موجه إلى الإعلام المؤيد لـ"حزب الله". زياد الفنان الشعبي نفسه لم ينج من مواقف محرجة أيضاً، خصوصاً حين رفع بعض طلاب الجامعة الأميركية لافتات ضده أثناء حضوره إلى الجامعة بسبب مواقفه السياسية غير المفهومة تجاه ما يجري في سوريا.

أما دريد لحام الذي اشتهر بأدوراه الشعبية في مسلسلات مثل "حمام الهنا" و"غوار الطوشي" مع أبو عنتر وحسني البورظان وفطوم حيص بيص وياسينو، فقد كان ينتقد المخابرات السورية من باب "التنفيس"، لكنه في سنواته الأخيرة صار مؤيداً لنظام بشار الأسد بشكل مطلق، وهذا النظام يجد في هذا التأييد زينة له.

حتى في خضم الأحداث الأخيرة التي شهدته سوريا بقي على موقفه، ووقف مع النظام ضد الاحتجاجات الشعبية وبإزاء هذا واجه مواقف محرجة من الناس ومنع من تصوير أحد مسلسلاته في منطقة القلمون اللبنانية، وتعرض للضرب على يد امرأة! القصة بحسب الروايات، بدأت عندما ذهبت امرأة من ريف القنيطرة إلى منزل لحام، كي تستعطفه بالتوسط لها مع النظام السوري من أجل إخراج إبنها من السجن، وكان قد مضى على اعتقاله أكثر من عشرين شهراً، ولا أحد يعرف مصيره إن كان ما زال على قيد الحياة أم لا، فما كان من "غوار" إلا أن اتهم إبنها بالإرهاب، فتلقى صفعة منها رمته أرضاً بحسب ما أوردت الأخبار.

هكذا، تتحول شخصيات كوميدية إلى زينة أو مجرد ديكور لأنظمة أو مشاريع سياسية. كما يستغل النجم أحياناً جمهور بعض التيارات السياسية لترويج أفكاره ونتاجه الفني، وأحياناً أخرى يصير ضحية سياسته، دون أن ننسى أن بعض البرامج الكوميدية تحدث اضطراباً في الشارع، كما حصل حين قلّد المخرج شربل خليل شخصية أمين عام حزب الله حسن نصرالله، إذ لجأ جمهور هذا الحزب إلى قفل بعض الطرقات اللبنانية في بيروت والمناطق بالإطارات المشتعلة احتجاجاً على تقليد شخصية باتت مقدسة بالنسبة إلى جمهورها.

كلمات مفتاحية
الـ22

التعليقات

المقال التالي