الليبيون أسرى بأيدي الميليشيات!

الليبيون أسرى بأيدي الميليشيات!

في منطقة غرغور، في العاصمة الليبية طرابلس، فتحت كتائب مصراتة النار على مشاركين في تظاهرة سلمية ضد سيطرة الميليشيات. سقط 46 قتيلاً وعشرات الجرحى. الكتائب التي كانت قد قدمت إلى طرابلس، في أغسطس 2011، لتحريرها من نظام القذافي رفضت مغادرتها، رغم مناشدات السلطة الانتقالية. بعد هذه المجزرة المروّعة اضطرت إلى ذلك. ولكن لم يُقفل ملف الأمن المتفلّت مع هذه الفاجعة. ويبدو أن الليبيين سيشهدون ما هو أسوأ من ذلك!

الميليشيات: الأمر لنا

اعلان


بعد ساعات من قيام إحدى الميليشيات بخطفه من فندق في طرابلس، وجّه رئيس الوزراء الليبي علي زيدان الشكر لميليشيا مسلّحة ثانية قامت بتحريره! هذه الحادثة تعطي صورة واضحة عن تعقيدات الوضع الأمني في ليبيا.

فور سقوط نظام الرئيس الليبي السابق معمّر القذافي، وجدت الحكومة المركزية التي تولّت السلطة نفسها ضعيفة أمام سطوة الميليشيات المقاتلة. اضطرت إلى نيل رضى المجموعات المسلّحة التي كانت قد انتشرت بكثرة وذلك من خلال دمجها في أجهزة أمنية شبه رسمية.

في عهد القذافي، لم يكن هناك جيش ليبيّ ذو هيكلية تنظيمية واضحة وهذا ما صعّب مهمّة السلطات الجديدة. في ليبيا التي لا يزيد عدد سكانها عن 5،5 مليون نسمة، تنتشر حوالى 300 ميليشيا يقدّر عدد مسلحيها بحوالى 250 ألفاً موزعين حالياً على تشكيلات مختلفة ويتلقون رواتبهم من الحكومة رغم أنهم يمحضون الولاء لقادتهم لا للحكومة المركزية، وقادتهم يمحضون الولاء لأحد التيارات السياسية المتنافسة في ليبيا أو لإحدى القبائل.

يميّز البعض بين أنواع عدّة من الجماعات المسلّحة. فهناك الاتحادات الثورية التي تضم الكتائب الثورية وأبرزها في مصراتة والزنتان. وهناك الكتائب الثورية التي انفصلت عن سلطة المجالس العسكرية المحلية في المراحل المتأخرة من الحرب وتنتشر في مختلف المناطق. وهناك كتائب تأسست بعد الثورة في المناطق الموالية للحكومة أو الموالية للقذافي.

حالياً، يمكن وصف الحالة الأمنية في ليبيا بأنها فوضى منظمة من خلال لعب السلطة المركزية على التوازنات القائمة بين المجموعات المسلّحة المختلفة. لا يمكن إغفال أثر الانقسام السياسي على شكل هذه التوازنات.

حين تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الرحيم الكيب، تم تعيين أسامة الجويلي، أحد قادة المجلس العسكري للزنتان، وزيراً للدفاع. المجلس المذكور كان قد تشكّل في مايو 2011 لينسق عمل الميليشيات القبلية التي تشكلت في الزنتان وجبال النفوسة ضد نظام القذافي. وبما أن هذه الكتائب غير إسلامية، صارت وزارة الدفاع تعتبر، منذ ذلك الحين، من حصة "تحالف القوى الوطنية".

بسبب عجز الحكومة الليبية عن ضبط الأمن، شكّل المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، عام 2012، "قوات درع ليبيا" التي تجمع كتائب ثورية عدّة. تُوازن هذه القوات، على أرض الواقع، الميليشيات القبلية ويتم التعريف عنها بأنها قوة احتياط في الجيش الليبي وهي تخضع لرئاسة الأركان العامة للجيش. وقد قامت، بعد تشكيلها، بمساعدة الجيش في استعادة هيبة الدولة في مناطق عدّة. تتوزع قوات الدرع على أربعة فرق أساسية منتشرة في وسط، غرب، شرق وجنوب ليبيا. ميول هذه الكتائب إسلامية وهي أقرب إلى حزب العدالة والبناء (الإخوان المسلمين). عارضت قبائل وازنة كقبيلتي ورفلة والزنتان (تحتفظ بسيف الإسلام القذافي في أحد معتقلاتها) هذه الخطوة، بينما رحّب بها الممتعضون من تجاوزات مقاتلي الزنتان. في الحكومة الانتقالية، عُيّن أحد قادة كتائب مصراتة (جزء من الدرع) وزيراً للداخلية ومنذها صارت الوزارة تعتبر من حصة حزب العدالة والبناء.

إلى هذه التشكيلات، تشتهر، في الشرق الليبي، كتائب شهداء 17 فبراير وكتيبة شهداء أبو سليم وكتائب الشهيد راف الله السحاتي. وكلها ترتبط بالسلطات المركزية بشكل أو بآخر. وفي الشرق أيضاً، تتمركز ميليشيا موالية للمطالبين بنشوء فيدرالية. رغم أنهم أقلية، إلا أن الفدراليين يسيطرون على الآبار النفطية ومرافئ تصديرها ويحاولون ابتزاز السلطة المركزية بحكم سيطرتهم على هذه المرافق الحيوية.

يمتعض كثير من المواطنين الليبيين من عدم حصر المهمات الأمنية بجيش وطني وأجهزة أمنية مركزية. الانقسام السياسي في ليبيا وعدم ثقة الأطراف بعضها ببعض يمنع الوصول إلى هذا الهدف. ومما يزيد من صعوبة الأمر أن بعض الدول تقوم بدعم الكتائب دون المرور بالسلطات المركزية. فقطر تقدم الدعم لكتائب مصراتة، والإمارات العربية المتحدة تدعم ميليشيات الزنتان... بين المكاسب المادية وبين خلافها على قراءة المسار السياسي الليبي، لا يوجد أي حافز أمام الميليشيات لحلّ نفسها.

الدولة الرهينة

واقعة احتجاز رئيس الوزراء عبد الله زيدان من قبل إحدى الميليشيات المتحالفة مع قوات درع ليبيا، ثم تحريره من قبل ميليشيا أخرى موالية لوزارة الدفاع تكشف طبيعة الأمن في ليبيا. ألقت أحداث 30 يونيو في مصر بظلها على المشهد الليبي. تزايدت حدّة انتقادات الإخوان لزيدان بعد زيارته لمصر في سبتمبر الماضي. اتهموه بمحاباة الجيش المصري. بعد تحريره، اتهم زيدان "مجموعة سياسية تسعى إلى إطاحة الحكومة بشتى الأساليب" بالضلوع في عملية اختطافه. قصد باتهامه أنصار حزب العدالة والبناء.

عملية أخرى ليست بعيدة لا تخلو من الدلالات. نفذت الولايات المتحدة عملية خاصة لاعتقال أبو أنس الليبي. بحسب The Telegraph، لم يكن لدى واشنطن خيار آخر لأنه ليس في ليبيا من لديه القدرة على ذلك، فالدولة الليبية عاجزة عن بسط سيطرتها على الجماعات المسلحة أو حتى عن فرض قراراتها في المجتمع، نظراً لضعف قوتها العسكرية والأمنية ونقص السلاح.

التفلّت الأمني يطال دور القضاء الليبي. تقف المؤسسة القضائية عاجزة أمام عمل الميليشيات على تطبيق "العدالة الثورية". "لا تعرف أين الحد الفاصل بين العدالة والانتقام"، يقول الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، طارق متري ويضيف: "نقول للثوار، من قيم ثورتكم الدفاع عن حقوق الإنسان لأنها كانت منتهَكة أيام القذافي، فلا يجب أن تنتهكوا أنتم هذه الحقوق. نريد أن نساعدكم. لكنهم يعتبرون أنه أمر طبيعي أن ينتقم الثوار من أعداء الثورة، فلغة المصالحة واحترام حقوق الإنسان والعفو ليست مقبولة كثيراً عندهم حتى الآن".

تتكرّر الاشتباكات بين الميليشيات المتنافسة وتتكرّر مشاهد إطلاق الميليشيات النار على متظاهرين يطالبون بحلّها. قبل اشتباكات طرابلس الأخيرة حصل الأمر نفسه في مدينة بنغازي. لا يمرّ أسبوع دون خروج خبر عن اشتباك أو عن اغتيال شخص أمني متهم بالولاء لنظام القذافي، مع أن النظام سقط منذ وقت طويل! في ظل هذا الوضع، تتخوّف بعض الدول الغربية من تحول ليبيا إلى ملاذ للجماعات الإسلامية المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة.

في نهاية الأسبوع الأول من الشهر الحالي، توفي زعيم ميليشيا متأثراً بجروح كان أصيب بها قبل أيام عند حاجز لكتيبة من الثوار السابقين في سوق الجمعة، أحد أحياء شرق العاصمة. وانتقاماً لمقتله، جاءت عناصر ميليشوية مسلحة من مدينة مصراتة على متن مركبات مجهزة بمدافع مضادة للطائرات، وتوجهت إلى المكان وأقفلت الطريق المؤدية إلى الحي، وأرعبت السكان. ومنذ أيام وقعت مجزرة الغرغور.

YEMEN-UNREST-QAEDA-TRIAL

الميليشيات والاقتصاد

تردي الحالة الأمنية ينعكس سلباً على الاقتصاد الليبي. ففي بلد تعتمد موازنته على الصادرات النفطية بنسبة 95%، تراجع تصدير النفط من مليون ونصف مليون برميل من النفط يومياً، قبل الثورة، إلى حوالي 600 ألف برميل حالياً. المنشآت النفطية خاضعة لسيطرة ميليشيات تبتز الحكومة المركزية وشركات النفط.

أنشأت الميليشيات اقتصادها الخاص. بعضها متورط في تهريب الأسلحة والمخدرات واللاجئين. فوق ذلك هي ترهق الاقتصاد الليبي. مؤخراً، قالت صحيفة فايننشال تايمز Financial Times إن "الرواتب التي يحصل عليها عشرات الآلاف من الثوار المسلحين بعد دمجهم في القوات المسلحة والشرطة الليبية، ساهمت في تضخم فاتورة رواتب القطاع العام لهذه السنة وصولاً إلى 16 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من ضعف الميزانية التي كانت مخصصة لموظفي القطاع، خلال حكم نظام الزعيم الليبي السابق العقيد معمر القذافي، والتي كانت 6.6 مليار دولار".

في مقابل الداعين إلى حل الميليشيات، تخرج أصوات تدعو إلى حمل السلاح. مفتي الديار الليبية، الشيخ الصادق الغرياني، دعا الثوار إلى "أن يرجعوا إلى السلاح ليحموا بلادهم لأن المعركة الآن بين الحق وأزلام النظام وجهات مشبوهة تعينهم وتثير الفوضى وتمنع الدولة من أن تقوم بواجباتها". برأيه، إن "أهداف الثورة أصبحت في مهب الرياح بعدما تمكن أعوان النظام السابق من التغلغل من جديد في مؤسسات الدولة والسيطرة على الإعلام والفساد والتخريب".

أمام هذه التعقيدات لا أمل بحل قريب في ليبيا. فالمصالح متداخلة بشكل يمنع حل الميليشيات وضم عناصرها إلى الجيش وقوات الشرطة. من بين مطالب بعض الميليشيات يخرج مطلب انضمامها الى القوات الرسمية كجماعة لكي لا تخسر هيكليتها وتأثيرها. لا شك بأن أي حل مرتقب يجب أن يبدأ من السياسة، أي من الاتفاق على شكل ليبيا المستقبل وعلى موقع الجماعات الليبية من الدولة الجديدة.

التعليقات

المقال التالي