الإخوان المسلمون بين الدعوة والسياسة

الإخوان المسلمون بين الدعوة والسياسة

في العام 1928، وبعد سنة من تخرجه من دار العلوم في القاهرة، تعاهد شاب يبلغ من العمر 22 عاماً مع ستة أشخاص على تشكيل نواة لجماعة دعوية سياسية. إنهحسن البنّا مؤسس الإخوان المسلمين هذا التنظيم الذي سيصير عنواناً إقليمياً بعد الربيع العربي.

من رحم القمع والعمل السرّي وشبه السرّي خرج الإخوان ليحكموا مصر بعد ثورة 25 يناير. كل شيء بدأ مع ذاك الشاب الآتي من أسرة ربّها عالم دين وتقيم في مدينة المحمودية في محافظة البحيرة. لم يكن البنّا يمتاز بعمق كبير في الفكر الإسلامي. أفكاره تطورت مع الوقت وشكلت إحدى الروافد الفكرية لتنظيم سيتحوّل إلى حالة شعبية عابرة للحدود.

اعلان


بدأت الدعوة الإخوانية كدعوة إسلامية عامة هدفها "توحيد قلوب" المسلمين بغض النظر عن آرائهم ومذاهبهم. لم يتوقف البنّا وأصحابه عند الخلافات في الفرعيات ورأوا أن "هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير". هي توليفة انطلق منها أب الإخوان وانعكست في نظرته إلى جماعته كمزيج من دعوة سلفية وطريقة سنّية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية.

رغم إضمارهم أهداف سياسية بعيدة المدى، إلا أن الحركة ركّزت جهودها على النشاطات الدعوية على اعتبار أن مهمتهم "إرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس"، على ما قال البنّا.

بنى الإخوان جماعة قوية ومنضبطة. في السنوات الأخيرة تحوّلت إلى حزب إيديولوجي، معظم المنتسبين إليه يكتفون بقراءة نشرة أسبوعية يوزعها مكتب الإرشاد وتتضمن عرضاً لأبرز الأحداث. حين وصلت إلى الحكم، كان يهيمن عليها المحافظون المتأثرون بكتابات سيد قطب وكتابات شيوخ سلفيين. ولكن في داخلها، كان يسير ببطء تيار إصلاحي منفتح، رغم تعرّض أنصاره إلى اتهام خطير في عرف الإخوان ألا وهو "التميّع في الأفكار". من بين هؤلاء عبد المنعم أبو الفتوح الذي كان عضواً في مكتب الإرشاد قبل فصله من التنظيم بسبب مخالفته قرار القيادة بعدم ترشح أي إخواني لمنصب رئاسة الجمهورية.

التمدد في ظل القمع

في أحدى خطبه، قال المرشد العام محمد بديع: "الله كان للظالم بالمرصاد، فبعد كل تنكيل بالإخوان كان الانتقام الإلهي شاملاً وعاماً، فعقب اعتقالات الإخوان عام 1954 كانت هزيمة العام 1956، وعقب اعتقالات الإخوان عام 1965 كانت الهزيمة الساحقة عام 1967". بعيداً عن اللغة الماورائية، يعكس قول بديع ترافق تاريخ الإخوان مع القمع.

في بداياتها شهدت الجماعة نمواً سريعاً في الأوساط المصرية لأسباب متعدّدة. أبرز هذه الأسباب هي تردي واقع المصريين الاقتصادي وردّ الإخوانيين هذا الحال إلى عدم تطبيق الإسلام. فبحسب تعبير البنّا نفسه، كان "أكثر من 60% من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان". هناك كذلك عامل سياسي يتمثل في تسهيل الحكومات في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي عملهم بهدف الحدّ من انتشار أفكار الإصلاحيين وزعماء الحركة الوطنية. كان البنّا يهاجم أعداء الحكومة على أساس "أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى" ويدعو أبناء الجماعة إلى مناصرة الملك المسلم.

إلى ذلك، كان الصراع الذي تشهده فلسطين وانخراط الإخوان في الصراع ضد اليهود والبريطانيين عاملاً آخرَ ساهم في زيادة شعبيتهم. أسّس البنّا ميليشيا راح عناصرها يتدرّبون على السلاح للجهاد في فلسطين. قامت الجماعة ببعض أعمال العنف في الداخل المصري. حينها ما كان من الممكن قمعها بسبب التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية. تأخر قرار حلّ الجماعة إلى 8 ديسمبر 1948. وفي 22 فبراير 1949 اغتيل البنّا.

حلّ الجماعة واغتيال مؤسسها لم يمنعاها من استكمال نشاطها. كان الإخوان جزءً أساسياً من تنظيم الضباط الأحرار. وفي أدبياتهم أن التنظيم كان إخوانياً حتى هيمن عليه جمال عبد الناصر عام 1950. الثابت أن انقلاب 1952 تم بتنسيق بين عبد الناصر والإخوان. ظنوا أن السلطة آلت إليهم، فقال والد البنّا للمصلين في المركز العام للإخوان: "اليوم تحققت رسالتكم". ولكن عبد الناصر أقصاهم وشنّ عليهم حملة قمعية قاسية مجبراً إيّاهم على افتتاح عهد من العمل السرّي تحت ضربات أجهزة المخابرات.

في عهدي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك تنوّعت السياسات تجاه الإخوان بين احتوائهم وقمعهم. بعد أحداث الجزائر عام 1991، اشتدّ عود السلطة في مواجهتهم متهمةً إياهم بالإرهاب. رغم ذلك شكلوا في السنوات الأخيرة المنافس الوحيد الجدي للحزب الحاكم على المقاعد البرلمانية.

بعد سنوات قليلة من التأسيس، أخذ الإخوان يتمددون خارج مصر. من الأردن وفلسطين إلى سوريا بدأت أفكارهم تنتشر ووصلت إلى كل مكان فيه مسلمون. كل الحركات الإسلامية تأثرت قليلاً أو كثيراً بالإخوان ومفكريهم. وفي العالم الغربي تشكلت لوبيات إخوانية شكلت صلة الوصل بينهم وبين دوائر القرار حول العالم.

يمكن اعتبار تنظيمات الإخوان المسلمين، في المرحلة الراهنة، تنظيمات وطنية تختلف سياسياً بحسب ظروف كل دولة. في بعض الأحيان يشهد التنظيم نفسه انقساماً على أساس مناطقي، كما الحال بالنسبة لإخوان سوريا التي تحتضن تياراً حموياً وتياراً حلبياً. هذه الاختلافات لا تمنعهم من الارتباط عاطفياً، فهم أبناء الجماعة نفسها، ولكنها تحول دون اعتبارهم عملياً قوة متحدة عابرة للأوطان لا سيما أن بعض الحركات الإسلامية المحسوبة عليهم تتأثر بأدبيات الإخوان بالواسطة، وليس بشكل مباشر.

السياسة المتردّدة

أول برنامج سياسي للإخوان يعود إلى العام 1953. كان مقتضباً وعاماً. في العام 2007 طرحوا برنامجاً دعا إلى رقابة رجال الدين على القوانين التي يتبناها البرلمان وإلى إنشاء وظائف رسمية دينية (ضمنياً: إقصاء الأقباط) وعارضوا تولي المرأة وظائف حكومية وطالبوا بتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي.

في 21 فبراير 2011، أنشأ الإخوان حزب الحرية والعدالة. صيغ برنامج الحزب بطريقة غامضة. استخدم مصطلح "الشورى" إلى جانب مصطلح "الديمقراطية" ما أوحى بأنه ليس سوى نتيجة تسوية بين المحافظين والإصلاحيين. ارتأى الحزب لنفسه مهمة "تعميق الأخلاق والقيم والمفاهيم الإسلامية في حياة الأفراد والمجتمع". المهم أن الحزب "المدني" المولود لم يخرج عن وصاية الحركة الأم التي يعتبر مرشدها العام محمد بديع أن "الديمقراطية لا يمكنها تحليل الحرام أو تحريم الحلال حتى لو اتفقت الأمة بأكملها على ذلك".

في الممارسة السياسية، تخبّط الإخوان حين وصلوا إلى الحكم في مصر. بعد قليل من فصل أبو الفتوح بسبب ترشحه خلافاً لقرار التنظيم، قرر الإخوان ترشيح أعتى محافظيهم، خيرت الشاطر، إلى رئاسة الجمهورية! لم يمرّ هذا القرار بلا أضرار جانبية فجزء كبير من مجلس شورى الإخوان كان يتبنى وجهة نظر المرشد السابق محمد مهدي عاكف الداعية إلى ترك حرية الاختيار لأعضاء الجماعة في الترشح والتصويت لمن يرونه مناسباً في انتخابات الرئاسة. كان هذا الميل يلاقي طموحات الراغبين في انتخاب أبو الفتوح. انقسم الإخوانيون. استقال قياديون منهم كمال الهلباوي. حذّر بديع من ترويج الأكاذيب حول الشاطر لأن دعواته مستجابة بدليل أن نظام حسني مبارك سقط بعد سبع سنوات من دعواته عليه أثناء محاكمته العسكرية! رفضت لجنة الانتخابات ترشيح الشاطر فلم يبق أمامهم سوى دعم محمد مرسي ونجحوا في إيصاله إلى الرئاسة.

قبل هذا كانت الجماعة الدينية قد أثبتت للرأي العام أنها تحترف تغيير وعودها! فبعد أن قالت إنها ستنافس على ثلث المقاعد في الانتخابات التشريعية، لم تلبث أن زادت رغبتها إلى النصف لينتهي الأمر بمنافستها على كل المقاعد.

المقهور صار قاهراً

بعد المتغيّرات السياسية التي شهدتها مصر عقب ثورة 25 يناير، ظنّ الإخوان أن الحياة السياسية تنتهي بوصولهم إلى السلطة. لم يراعوا التعددية السياسية والتنوّع الاجتماعي في مصر. في البدايات اعتبر حسن البنّا أن "الإسلام هو دين الوحدة في كل شيء... لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه". حينها كان يرى أن هدف حركته يقضي بـ"أن تحل هذه الأحزاب جميعاً وتُجمع قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها". لا شك في أن عقوداً من العمل غيّرت هذه النظرة التبسيطية للسياسة ولكن يبقى أن الجماعة لم تتوصّل إلى تبنّي رؤية واضحة حول ضرورة التعددية الحزبية في مجتمع ديمقراطي.

أثبت الإخوان عدم قدرتهم على تحمل شركاء في إدارة الشأن العام. استفزوا الأقباط في مناسبات عدّة. أقال الرئيس مرسي مستشاره لشؤون البيئة القيادي السلفي الدكتور خالد علم الدين. عملوا على أخونة الدولة من القاعدة كما تبيّن من الملف الذي أعدّه حزب النور السلفي وأحصى فيه توظيف 12 ألف إخواني في وظائف مختلفة.

بعد الثورة اعتبر المرشد بديع أن "إرادة الله (تشاء) أن يعود الإخوان ويفتتحوا مقرهم الجديد فوق جبل المقطم، تلك القمة التي دفنت فيها رفات شهدائهم الذين قضوا في السجن الحربي". ولكن، على هذا الجبل اشتبك الإخوان مع معارضيهم في "جمعة ردّ الكرامة" لأنهم تظاهروا ضد سياساتهم. تحولوا إلى "المقهور الذي بات يقهر"، بحسب وصف ناشطين مناوئين لهم.

خريف الإخوان؟

بعد وصولهم إلى السلطة في مصر، صار الإخوان عنواناً إقليمياً يمتد من تونس إلى سوريا مروراً بمصر وليبيا وتركيا والأردن. لم تحتمل التوازنات الإقليمية صعودهم المدوّي. تنظيم الإخوان الذي قبّل مؤسسه يد الملك عبد العزيز عام 1936 صار يعتبر تهديداً لأنظمة الخليج الملكية المتوارثة. تضافر هذا الخوف مع الاعتراض الشعبي على سياساتهم ومع قلق الجيش على حصته من السلطة المصرية، فكان نهار 3 يوليو.

هل انتهى الإخوان بعد التظاهرات الشعبية التي عارضت حكمهم وامتطاها الجيش؟ في المشهد المصري يصعب توقع ذلك كما يصعب توقع المنحى الذي ستتخذه الجماعة. فهي ككل تنظيم سياسي يتأثر بمحيطه تماماً كما يؤثر فيه. لن تتحدد توجهاتهم المستقبلية بتأثير من معارضي حكم الإسلاميين فقط بل ستتأثر أيضاً بحراكهم الداخلي وبتنافسهم مع السلفيين ودعاة الفضائيات...

الآن يمكن حصر ثلاثة تيارات داخل التنظيم: المحافظون، السلفيون المعتدلون المتأثرون بفكر المؤسس، والإصلاحيون المتأثرون بأدبيات مختلفة. تجارب قمع الإخوان السابقة تفيد بأنهم حين يتعرضون للقمع يخرج منهم تياران أساسيان: تيار يقوم بمراجعة وتيار يتشدّد وينشد العنف. لمن ستكون الغلبة؟ هذا رهن بمتغيرات كثيرة لا يمكن حصرها. ولكن من المؤكد أن إقصائهم عن السلطة لن يستطيع إخراجهم من المشهد المصري طويلاً.

download (2)

التعليقات

المقال التالي