الصحراء الغربية، جمهورية على الورق!

الصحراء الغربية، جمهورية على الورق!

"إن الشعب العربي الصحراوي يعلن للعالم أجمع، على أساس الإرادة الشعبية الحرة، القائمة على دعائم الاختيار الديمقراطي، عن قيام دولة حرة مستقلة، ذات سيادة وحكم وطني ديمقراطي عربي وحدوي الاتجاه، إسلامي العقيدة، تقدمي المنهج، تسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية".

هذا مما جاء في بيان إعلان المجلس الوطني الصحراوي المؤقت للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 27 فبراير 1976. أكثر من 36 سنة مرّت ولكن الجمهورية التي تسيطر على أرضها المملكة المغربية لم تبصر النور. البعض يعتبرها أحد آخر ملفّات الشعوب المستعمَرة. يقول الكاتب الأمريكي جان لامور، وهو مناضل من أجل قضية الشعب الصحراوي، إنه "يجب الاختيار بين الإبقاء على تصور سياسي قديم يعود إلى القرن التاسع عشر وبين أن نعيش عصرنا ونتبنى تصور أغلبية الأمم الأفريقية التي نشأت هي الأخرى إثر نضالات عسيرة وحديثة من أجل استقلالها".

اعلان


تأثيرات الأزمة لا تطال فقط الشعب الصحراوي، بل تنعكس على العلاقة بين دولتين عربيتين هما المغرب والجزائر. "الجزائر لا تزال على قناعة بأن توسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل تكفل الأمم المتحدة بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية يعتبر ضرورة ملحة"، قال الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في "مؤتمر دعم الشعب الصحراوي" في العاصمة النيجيرية أبوجا. هذا التصريح أدى إلى نشوب أزمة بين الجزائر وجارتها المغرب. تتالت الخطوات المغربية المعبّرة عن انزعاج "العرش العلوي" وتوّجها الملك محمد السادس، بقوله: "المغرب يرفض أن يتلقى الدروس في مجال حقوق الإنسان، خاصة من طرف مَن ينتهكون حقوق الإنسان بطريقة ممنهجة". في خضم هذا التوتر حصل الأسوأ. خلال احتجاج بعض المغاربة على ما يعتبرونه تدخلاً جزائرياً في شؤونهم الداخلية، صعد أحد المحتجين أمام القنصلية الجزائرية في الدار البيضاء إلى سطحها وأنزل العلم الجزائري. صادف وقوع هذه الحادثة في الذكرى الـ59 لانطلاق الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي!

كثيرون من العرب اليوم يعجزون عن فك "شيفرات" التصريحات حول هذه الأزمة المنسية. للصراع المستمر حالياً جذور تعود إلى الماضي البعيد.

البداية مع الأسبان

لفهم الأزمة الصحراوية يجب العودة عشرات السنوات إلى الوراء، أقلّه إلى عام 1884، حين أقرّ الأوروبيون، في مؤتمر برلين بحق إسبانيا في استعمار الصحراء الغربية. مع حركة تصفية الاستعمار التي شهدها القرن الماضي، طالبت دول عدّة بتحرير المستعمرة الإسبانية وإلحاقها بها. كان ذلك في منتصف الخمسينات. موريتانيا ادعت حقها بضم جزء من الصحراء مستندة إلى رابطة التقاليد التي تجمع شعبها بالصحراويين. المغرب طالب الأمم المتحدة بضم كل من الصحراء وموريتانيا. بين أخذ وردّ تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 20 ديسمبر 1966، قراراً يطالب إسبانيا بالقيام بالإجراءات اللازمة لتنظيم استفتاء تحت إشراف المنظمة، تطبيقاً لمبدأ حق تقرير المصير.

مماطلة إسبانيا في تنفيذ تعهداتها أدت إلى ولادة "الحركة الطليعية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" بزعامة محمد سيدي إبراهيم بصيري. يعتبر 17 يونيو 1970، أبرز تاريخ في تلك الفترة. انطلقت من مدينة العيون انتفاضة الزملة التي تطالب باستقلال الصحراء. ارتكب الإسبان مجزرة رهيبة واعتقلوا كثيرين بينهم بصيري الذي لم يُعرف عنه شيء بعدها. استمرت المقاومة وأدت إلى إعلان إسبانيا قبولها بإجراء استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي. من جديد، ماطل الإسبان ما أدى إلى تأسيس "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" (جبهة البوليساريو)، عام 1973، بقيادة السيد مصطفى السيد، واندلاع حرب تحرير.

أرادت المغرب ضمان حقها في ضم الصحراء الغربية. طالبت بإحالة الملف إلى محكمة العدل الدولية، وهذا ما حصل. أعلنت المحكمة رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975، في 60 صفحة، خلصت فيه إلى "أن جميع الأدلة المادية والمعلومات المقدمة للمحكمة، لا تثبت وجود أية روابط قانونية من شأنها التأثير على تطبيق القرار 1514 المتعلق بتصفية الاستعمار ومبدأ تقرير المصير عن طريق التعبير الحر لسكان الإقليم".

الصحراء المُغرية

إسم الصحراء الغربية يوحي بأنها منطقة قاحلة لا فائدة منها، ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً وهذا ما يفسّر حدّة الصراع عليها. فللمنطقة التي تحدها من الشمال المملكة المغربية (حدود بطول 430 كلم) ومن الشمال الشرقي الجزائر (حدود بطول 45 كلم) ومن الشرق والجنوب موريتانيا (حدود بطول 1570 كلم) شاطيء بطول 1200 كلم على المحيط الأطلسي مقابل لجزر الكناري. في مجملها تبلغ مساحتها 266 ألف كلم2 وتنقسم إلى قسمين: الساقية الحمراء ووادي الذهب.

حالياً يخضع 80% من مساحة الصحراء الغربية لسيطرة المغرب التي تعتبرها "أقاليم المغرب الجنوبية". ما تبقى من مساحتها هي أرض غير مأهولة بكثافة وتشكل منطقة عازلة بين المغرب وموريتانيا. الصحراويون هم مزيج من عرب وأمازيغ ويتكلمون اللغة العربية وتنتشر بكثرة اللهجة الحسانية، وهي مزيج من العربية والأمازيغية. عام 2010، قدّر عددهم بـ 585 ألف، يعيش حوالي ربعهم في مخيمات للاجئين منصوبة في منطقة بتندوف في الجزائر. ولكن أعدادهم غير دقيقة بسبب الصراع السياسي على تعريف الصحراوي.

الصحراء الغربية - صحراويون

الصحراء هي منطقة غنيّة جداً بالثروات الطبيعية. فأرضها تحتضن كميات هائلة من الفوسفات وقد اكتشف فيها النفط، الغاز، الفحم الحجري، الحديد، النحاس، الذهب، اليورانيوم، القصدير، المنجنيز، التنجستين، الكروم، النيكل، المغنيزيوم، الزركون... إلى ذلك، تحتضن الصحراء أحد أغنى السواحل بالثروة السمكية كما تحتضن مخزوناً مهماً من المياه الجوفية، دون نسيان الإشارة إلى أهمية موقعها لإنتاج الطاقة الشمسية والهوائية.

التاريخ الحديث للصراع

لم يعجب قرار محكمة العدل الدولية المغرب خاصة وأنه فرض على إسبانيا الموافقة على استقبال لجنة أممية لتقصي الحقائق حول رغبة الصحراويين. بالتزامن مع نشر هذه اللجنة تقريرها، أعلن ملك المغرب الحسن الثاني تنظيم "المسيرة الخضراء"، في 6 نوفمبر 1975، وهي تظاهرة شعبية شارك فيها حوالي 350 ألف مغربي بهدف حث إسبانيا على الانسحاب من الصحراء. ولكن قبل ذلك بأيام، أي في 31 أكتوبر 1975، كان الجيش المغربي قد بدأ بالدخول إلى المنطقة. يعتبر البعض أن "المسيرة الخضراء" ليست سوى تمويه.

في 14 نوفمبر 1975، عقدت إسبانيا والمغرب وموريتانيا ما عرف بـ"اتفاقية مدريد الثلاثية". اتفقوا على انسحاب إسبانيا، في مدّة أقصاها 28 فبراير 1976، وتسليم الأرض للمغرب وموريتانيا. في المقابل نالت الدولة الأوروبية، نسبة 35% من ثروة مناجم فوسفات بوكراع وموافقة على استمرار عمل أسطول صيدها البحري في المياه الإقليمية الصحراوية.

رفض الصحراويون الاتفاقية الثلاثية. عقد ممثلوهم اجتماعاً، في 28 نوفمبر 1975، أدانوا خلاله "مؤامرة مدريد". بعد هذا بشهرين، قبل يوم واحد من الجلاء الإسباني، تم إعلان "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية". تشكلت حكومة صحراوية عملت من المنفى وأدار جيش التحرير الشعبي، بمؤازرة الجزائر، معركة ضد المغرب وموريتانيا أدت إلى انسحاب الجيش الموريتاني، عام 1978، وحلول الجيش المغربي مكانه. استمرت الحرب مع الجيش المغربي. حاولت ﻣﻨﻈﻤﺔ اﻟﻮﺣﺪة اﻷﻓﺮﯾﻘﯿﺔ (الاتحاد الإفريقي حالياً) التوسّط لإيجاد حلّ للأزمة. ولكن المغرب سحب عضويته منها، عام 1984، بسبب قبولها عضوية الجمهورية الصحراوية.

وصل عدد الدول المعترفة بالجمهورية الصحراوية إلى 75 دولة (ليس بينهم أيّة دولة أوروبية وبينهم دولة عربية واحدة هي الجزائر) في وقت كان هناك تأييد لحركات التحرّر. ولكن، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تقلص عدد هذه الدول إلى حوالى 30.

الحل الصعب

صحيح أن عدد الدول المعترفة بالجمهورية الصحراوية قليل ولكن ليس هناك أي بلد في العالم يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. منذ نهاية الثمانينات والأمم المتحدة تحث الأطراف المتنازعة على التوصل إلى حل دون نجاح. يعتبر المغرب أن جبهة البوليساريو تقوم باستغلال اللاجئين في مخيمات تندوف وتمنعهم من العودة إلى "الأقاليم الجنوبية". لا تثق بتعداد لاجئي تندوف لأن البوليساريو تمنع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين من تسجيل اللاجئين بشكل فردي. من ناحيتها، تقول البوليساريو إن المغرب يمارس القمع ضد الشعب الصحراوي وينهب ثرواته. الجزائر تدعي أن لا مطالب لها ولكنها تحتضن المطالبين بالانفصال. تقول إن موقفها نابع من تأييدها لحق الشعوب في تقرير المصير. البعض يتهمها باستغلال الأزمة الصحراوية دورياً للهروب من مشاكلها الداخلية.

في القانون الدولي، يوضح "رأي كوريل"، وهو رأي استشاري قدّمه المستشار القانوني للأمم المتحدة هانس كوريل إلى مجلس الأمن سنة 2002، أن "أي استغلال أو استكشاف للثروات الطبيعية للصحراء الغربية من طرف الحكومة المغربية يعتبر منافيا للقانون الدولي". تتحدث تقارير عدّة عن "استنزاف" المغرب لثروات الصحراء. المغرب تدّعي العكس وتقول "إن جزءاً مهماً من خيرات وثروات المناطق الوسطى والشمالية للمغرب، يتوجه لتلبية حاجيات مواطنينا في الجنوب".

بعد تدخل الأمم المتحدة، منذ العام 1985، لحلّ الأزمة، استطاعت حث الأطراف على وقف إطلاق النار منذ عام 1991. حاولت تنظيم استفتاء لتقرير المصير وأرسلت "بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية"، مينورسو، لهذا الغرض. نشب خلاف بين المغرب والبوليساريو حول هوية من يحق لهم التصويت وخرجت اتهامات متبادلة بتجنيس أشخاص للتأثير على النتيجة. فشلت المهمة واقتصر دور مينورسو على مراقبة وقف إطلاق النار.

أمام هذا المأزق، حاول ممثل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بنزاع الصحراء، جيمس بيكر، عام 2000، تقريب المسافة بين الأطراف دون أن ينجح في مسعاه. تحدث لأول مرّة عن منح سكان الصحراء حكماً ذاتياً. في زحمة محاولات إيجاد حلّ، اقترحت الجزائر تقسيم الصحراء على أساس إعطاء المغرب إقليم الساقية الحمراء (ثلثي المساحة) وإعطاء البوليساريو إقليم وادي الذهب. رفضت المغرب المس بوحدتها الإقليمية.

عام 2003، عدّلت الأمم المتحدة مشروعها ودعت إلى خطة قوامها: ﺣﻜﻢ ذاﺗﻲ ﻟﻠﺼﺤﺮاوﯾﯿﻦ ﻟﻔﺘﺮة ﺗﺘﺮاوح ﻣﺎ ﺑﯿﻦ 4 إﻟﻰ 5 ﺳﻨﻮات يتم بعدها إجراء اﺳﺘﻔﺘﺎء ﻟﺘﺤﺪﯾﺪ ﻣﺼﯿﺮ ﺳﻜﺎن اﻹﻗﻠﯿﻢ ﺑﻌﺪ ھﺬه اﻟﻔﺘﺮة. رفضت المغرب المشروع.

الصحراء الغربية - صورة لجنديات

جولات عدّة من المفاوضات جمعت المغرب والبوليساريو ولكنها لم تؤدّ إلى نتيجة. آخر تنازلات المغرب كان تقديمها، عام 2007، مبادرة تنص على أن يمارس سكان الصحراء، سواء الموجودين في الداخل أو الخارج، "الحكم الذاتي للصحراء، داخل الحدود الترابية للجهة، ومن خلال هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية، وفق المبادئ والقواعد الديمقراطية".

الصحراء وحقوق الإنسان

آخر السجالات الكبيرة حول حقوق الإنسان في الصحراء الغربية يعود إلى 8 أوكتوبر 2010، حين فككت القوات المغربية مخيم إكديم إزيك في مدينة العيون وهو مخيّم كان قد استقر فيه 15 ألف صحراوي احتجاجاً على ظروف معيشتهم. اعترفت المصادر الرسمية المغربية بمقتل 12 شخصاً مدعية أن بينهم عشرة من قوى الأمن. ولكن جبهة بوليساريو تحدثت عن مقتل العشرات وجرح أكثر من 4500 آخرين.

البرلمان الاوروبي ناقش تقريراً حول وضعية حقوق الإنسان في الصحراء أعدّه البرلماني الأوروبي، تشارلز تانوك. اتهم التقرير المغرب باستغلال للثروات الطبيعية في الصحراء الغربية وانتقد عملية تفكيك مخيم إكديم إزيك وأبدى القلق من عمليات تعذيب يتعرض لها السكان وانتهاكات لحقوق أخرى.

في شهر نيسان من كلّ عام، يمدّد مجلس الأمن مهمة مينورسو. هذا العام سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى توسيع صلاحيات البعثة لتشمل مراقبة حالة حقوق الإنسان في الصحراء. قامت المغرب بحملة ديبلوماسية واسعة أسفرت عن تعديل واشنطن مسودّة مشروعها. صدر القرار واكتفى بحث الأطراف على احترام حقوق الإنسان. قرار العام 2012 لم يطالب المغرب بأكثر من "تحسين الوضع".

بعد ذلك أعدّت وزارة الخارجية الأميركية، بناء على طلب الكونغرس، تقريراً حول حقوق الإنسان في الصحراء. أتى ذلك بمقتضى قانون يوجب مراقبة حقوق الإنسان في الدول التي تُقدَّم لها المساعدة العسكرية .لم تعجب النتيجة المغرب فوصفه بأنه "منحاز واختزالي وغير متوازن".

فهل ينجح الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان حيث فشلت السياسة؟ صار نيسان القادم قريباً. ولكن، يبدو أنه ليس من مصلحة أحد إغضاب المغرب من أجل قضيّة فقدت احتضان العالم بعد تراجع الاهتمام بحق الشعوب في تقرير مصيرها!

التعليقات

المقال التالي