سكايب مع قائد لواء أبي ذر الغفاري

سكايب مع قائد لواء أبي ذر الغفاري

إسمه أبو سراج، ولد في دير الزور وهو اليوم "يحميها". شابٌ متديّن في أوائل الثلاثينات، متزوج وله ولدان، نشأ في بيئة محافظة، ولم يكمل دراسته الثانوية. التحق بالجيش لتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، ثم عاد إلى دير الزور حيث عمل في التجارة الحرّة. الأوضاع الاقتصادية كانت صعبة في كل المحافظة، بسبب سنوات الجفاف الطويلة وإهمال الدولة وتقاعسها عن تقديم الخدمات الأساسية لمنطقة احتضنت أولى الحضارات على الأرض وما زالت تعيش تقريباً كما كانت أيام مدينة دورا أوروبس الأثرية، رغم احتوائها على عدد من حقول النفظ والغاز المهمة المنتجة.

أبو سراج هو قائد لواء أبي ذر الغفاري، أحد الألوية المقاتلة في سوريا اليوم، والتي تشكّلت قبل بضعة أشهر. يستمدّ قوّته، بحسب قوله “من إيمانه برسالته في الحياة، ومن الإسلام” وهو على استعداد لأن يقدم روحه من “أجل الحق وما أمر به الله”.

اعلان


لقائنا به جرى عبر سكايب. أطلّ مبتسماً، معتذراً عن رداءة الإنترنت “لا تآخذوني، الكهرباء والإتصالات عندنا مو زيادة”. يضرب الطيران الحربي بحسب أبو سراج مدينة دير الزور ما يقارب مرتين يومياً (وقد وصلت غاراته أحياناً إلى ما يقارب 11 مرّة) بينما تقوم طائرات الإمداد بإنزال العتاد والتموين للجيش النظامي في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية، وذلك لكون أغلب الثكنات العسكرية اليوم في المحافظة بيد الألوية الثائرة. يشير أبو سراج إلى أن عدداً كبيراً من الثوار كانوا أعضاء سابقين في الجيش النظامي، ثم يضيف مسرعاً، وبحنكة، حتى يتمكن من إدارة الحوار “نحن لا نقتل إلا القاتل، ولا نهجم إلا على الطاغي”. لحظات فصلت هذه الكلمات عن صوتٍ صخب اتضح أنه لوصول عددٍ من الجرحى إلى المستشفى الميداني في البيت المجاور لحيث يسكن أبو سراج.

ما الذي دفعه إلى حمل السلاح؟ يسارع بالإجابة “دفاعاً عن أرضنا وعرضنا وكرامتنا. كان النظام يعتمد أسلوب ”جوّع كلبك يمشي وراك”، ولكن هذه الأيام ولّت إلى غير عودة”.

هو المقاتل الميداني، الذي يعيش نار المعركة وخطورتها بشكلٍ مباشر، له رأيه في المعارضة الخارجية. يقول بمرارة “نحن نعطي أرواحنا، نقدّم أعضاء من أجسادنا، الكثير من الرجال خسروا أطرافهم وأصبحوا مقعدين، والمعارضة الخارجية تطلب الكراسي!” فشل معاذ الخطيب في رأيه في ترؤس المعارضة، و”هو أمرٌ مؤسف”، أما بالنسبة لسليم إدريس، فهو ”ليس جديراً بالمهمة ولا وجود له في المنطقة الشرقية كما يوهم”.

الوضع الانساني في منطقتي دير الزور والحسكة مزرٍ. المياه مقطوعة، ما يضطرهم للاعتماد على مياه النهر. أما عن المساعدات الإنسانية، فيقول أبو سراج إن الحديث عن كمياتها مبالغ فيه، غير أنهم يستلمون بعضها من العشائر القائمة على آبار النفط ومن مصادر خارجية.

لا يخرج أبو سراج من المنطقة لأن العودة قد تكون صعبة، لذا فإن حركته محدودة. هو اليوم يؤمّن انشقاق رقمٍ لا بأس به من الجيش النظامي. ينظم عمليات انشقاق الجنود، محاولاً حمايتهم من التعرض للقتل وهم يفرّون من كتائبهم.

اللواء الذي يترأّسه يعدّ اليوم أكثر من ١٤٠ مقاتلاً، من جنسيات مختلفة، لا سيما من تونس والسعودية. يأتي هؤلاء المقاتلون الإسلاميّون “للجهاد في سبيل الله”، وهم لا يقومون، بحسب أبو سراج “بأي ظلم ولا يتعدّون على أحد”.

رأى أبو سراج جرائم مريعة عديدة، ما دفعه إلى حمل السلاح وقيادة اللواء. أبشع هذه الجرائم حصل في صيف 2012 عندما قرّر النظام تهويل أهالي المنطقة الشرقية “مشت الدبابات في منطقة الجورة في دير الزور على أجساد الشباب لتهويل السكان واستخدم الجيش النظامي بعضهم كدروع بشرية. تتسارع الكلمات عندما يبدأ بتذكر بعض ما شهده منذ انطلاق هذه الحرب. عدا عن استهدافه للمنازل والتجمعات المدنية، مارس الجيش النظامي أفعالاً لا تزال عالقة في ذهن أبو سراج: “كان له في الجبل المجاور لمدينة دير الزور حاجز. أوقف مرّة سيارة أجرة وأنزل منها السائق والراكب من الكرسي الأمامي وقتلوهما. كانت صبيتان تجلسان في الخلف، عرّوهما من ملابسهما، وأجلسوهما على الدبابات في حرارة تتجاوز الأربعين درجة. حرارة يمكن استخدامها لغلي القهوة!. بين القبور، في الجبل المجاور أيضاً، ُوجدت أكثر من 112 جثة، وقد وثّقت ذلك قناة العربية”. يؤكد أبو سراج الحديث عن وجود مقاتلين إيرانيين في المنطقة الشرقية "يرتدون مفاتيح حول رقابهم، يقال لهم أنها مفاتيح الجنة”. يعتبر قائد اللواء أنه لولا وجودهم وغيرهم من المرتزقة، لما كان الأسد اليوم في الشام.

يؤمن بأن الدولة الإسلامية اليوم واقع، ويعتبر أن هناك حملات تقام لتشويه فكرتها وصورتها. كل فصائل المعارضة برأيه، مهما كانت انتماءاتها، تساعد بعضها البعض للوصول الى غاية واحدة هي إضعاف الجيش النظامي”. عند حديثنا عن الدولة الإسلامية، نسأله عن الوجود المسيحي في محافظة دير الزور. يسارع إلى التأكيد بأن “المسيحيين جزء من النسيج في المنطقة، منهم من يعارض النظام ومنهم من يسانده”، ويؤكد على أنهم “يعاملونهم بالمعروف” ويحرصون على أن “لا يتعدّوا عليهم أبداً”.

لا فكرة لدى أبو سراج عن المستقبل، “هذا شيء لا يعلمه إلا الله تعالى”. الأمر الوحيد الذي يثق فيه اليوم، هو إيمانه بأن “دين محمد هو أفضل طريق لحكم سوريا”.

كريم سقّا

ناشر ورئيس تحرير رصيف22

التعليقات

المقال التالي