دور الإعلام في الحروب العربية، من المارش العسكري إلى صوت الناس

دور الإعلام في الحروب العربية، من المارش العسكري إلى صوت الناس

مرت الحروب العربية الخمس الكبرى (1948 النكبة، 1956 العدوان الثلاثي على مصر،  1967 النكسة، 1973 حرب أكتوبر، 1982 اجتياح بيروت) بدون إعلام يليق بحجم هذه الأحداث، ويقدّم وجهة النظر العربية، ويعبّئ الجماهير كما هو معمول في السياسات الإعلامية للدول، لا سيما تلك التي خاضت نضالاً ضد الاستعمار. نستثني من ذلك بعض الصحف والإذاعات التي لا يمكن نكران أهميتها، مثل "إذاعة القدس" التي انتهى دورها عام 1948.

لكن تاريخ الإعلام العربي والحرب يسير في ثلاثة خطوط رئيسية، خط يمثّل فترة جمال عبد الناصر، وما تلاها من تحوّل في هذا الإعلام إلى إعلام سلطة، لا يهتم إلا بما يجري في القصر وبصورة الزعيم، وخط آخر يتمثّل بظهور الفضائيات، على رأسها قناة "الجزيرة"، والخط الثالث في انتشار الإعلام البديل الذي سيرافق فترة "الربيع العربي".

من صوت المعركة إلى صوت القصر

في حقبة جمال عبد الناصر كانت الدعاية الإعلامية، والصوت العالي والابتعاد عن الحقيقة والكذب والتضليل، ما ميز "صوت العرب"، ففي حرب يونيو 67 لم تكف هذه الإذاعة عن بث البيانات التي تدعي تقدّم القوات العربية لتحرير فلسطين، في حين كانت الإذاعات العالمية، والـ bbc بالتحديد، تنقل أخبار تقدم القوات الإسرائيلية، وسحقها للطيران المصري، ويمكن سحب ذلك الكذب والنفاق على تحول الوظيفة الأساسية للمؤسسات الإعلامية إلى تأييد سياسة الحاكم والعمل على تقويتها.

الرأي والرأي الآخر

جاءت "الجزيرة" كانقلاب لمفهوم الإعلام لدى المجتمعات العربية، وكانت بالفعل صدمة حقيقية، أذ اختفت معها صورة الملك والرئيس، وظهر مكانها نقد لاذع للحكام في أحيان عديدة. عملت كذلك على تأكيد الحقوق والحريات العامة، بالإضافة إلى أنها وفّرت مساحة أكبر من الموضوعية والمصداقية، في نقل الخبر وتحليله، و ذلك ما أكسب الجزيرة مصداقية حسب الكاتب عارف حجاوي.

حروب بداية الألفية الثالثة كانت الفرصة المثالية التي استغلتها "الجزيرة" أفضل استغلال، ومن خلال قوة تغطيتها لها، ودقتها، وجرأتها، استطاعت كسب ثقة المشاهدين، هذا ما حدث في أفغانستان، وفي حرب احتلال العراق، وفي الانتفاضة الفلسطينية عام 2001، ففي هذه المحطات استطاعت المحطة الصغيرة أن تتفوق على محطات العالم الراسخة، في التغطية المهنية ومصداقية الخبر، بل زاد في الأمرسقوط شهداء من كوادر المحطة، واعتقال آخرين، بالإضافة إلى المنع والتضييق في كثير من الدول.

المحطة التي أذهلت العالم، حتى باتوا يقولون إنها تبث من دولة عملاقة اسمها "الجزيرة" وعاصمتها "قطر"، سرعان ما انتهى عصرها الذهبي في المرحلة الثانية من ثورات "الربيع العربي"، حيث تحولت المحطة ذات الشعار الكبير "الرأي والرأي الآخر" إلى موقف أحادي، سرعان ما جعلها تشبه إعلام الأنظمة. ذلك بالإضافة إلى إصرارها على تلميع التيارات الدينية، ومحاربة التيارات المدنية، وكأن هذا هو الهدف منها، ولم يعد هناك مجال لإخفائه. هكذا بات مشاهدوها في تراجع، لا سيما أن الإنترنت بات يوفر بديلاً أكبر.

في الفترة الذهبية لقناة "الجزيرة"، وصل تأثيرها لدرجة عالمية كبيرة، أرغمت الكثير من الدول الكبرى على محاولة مخاطبة الرأي العام العربي. بدأ ذلك مع قناة "الحرة" التي أرادت تسويق فكرة احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة، وكرّت المسبحة، إذ أطلقت إيران قناة "العالم"، وبريطانيا "بي بي سي العربية"، وروسيا "روسيا اليوم"، وفرنسا "فرانس 24"، وألمانيا "دويتشه فيله"، بالإضافة إلى إطلاق "سكاي نيوز العربية". الآن بعد فترة طويلة من إطلاق هذه المحطات، بات من الواضح أن المحطة الوحيدة التي حاولت الحفاظ على الأسس المهنية، بشكل نسبي، هي "بي بي سي العربية"، في حين ذهبت بقية المحطات لتكون مجرد معبّر عن رأي حكوماتها، وهو رأي بات يعرفه المواطن العادي، ويحصل عليه من مواقف زعماء تلك الدول، من خلال انغماسه في الحدث السياسي خلال الربيع العربي، دون اضطراره إلى متابعة الكثير من هذه الأقنية.

يبقى أنّ "الجزيرة" سجّلت سقوطها المدوي في مصر، فرغم القرار بمنع بثها، والهجوم على مقرها هناك، إلا أنها باختيارها الاصطفاف المفضوح إلى محور الإخوان، خسرت قيمة شعارها الأول الذي رفعته وكرسته طوال عمرها على الأثير العربي، وباتت مجرد منبر مؤدلج.

إعلام المواطن

الثورات العربية التي استفادت كثيراً من مواقع التواصل الاجتماعية في اندلاعها، استطاعت أن توجد إعلامها الخاص على هذه المواقع، لا سيما في بلد مثل سوريا. عانت  الثورة السورية من تعتيم منقطع النظير، ولأجل هذا بالذات، وبكل تحدٍّ، أطلق كل حيّ صفحة باسمه، وخلال مدة وجيزة، استطاعت هذه الصفحات أن تتحوّل إلى منابر محلية تنقل مجريات الأحداث، وتوثّق يوميّات السكّان، وتقدم الإرشادات والنصائح والتوجيهات الأمنيّة.

ساهمت هذه الصفحات في توضيح الوقائع واستجلائها، كما ساهمت لاحقاً بالقدر ذاته في التشويش والإرباك، بسبب تعقيدات الوضع السوري المنقسم والمفتت، فالانقسام بين هذه الصفحات سار في عنوانين عريضين: «تنسيقية» و«شبكة»، الأولى معارِضة والثانية موالية. الخبر الواحد ليس واحداً فيهما، بل خبران متناقضان ومتضاربان، بنبرة عدائية حادة، تنتمي إلى الانقسام الحاصل على الأرض وفي الواقع.

التّاريخ السوري موجود في كلّ هذه الفوضى، في كلّ هذا الضباب، في صدقه أو كذبه، في جودته أو ركاكته. وهذه الصفحات، أياً كان الرأي الراهن بها، هي سردية خبرية محلية، واكبت الألم والنّزيف، ولن يكون بمقدار مؤرخ المستقبل أن يتجاهلها، فهي على الرغم من كل شيء، كانت تعرض المشهد.

كذلك كان الأمر في مصر من خلال صفحات مثل "مصريين"، وفي تونس من خلال "نواة"، حيث أثبت رجل الشارع أنه جدير بأن يشكّل الإعلام الذي يشبهه ويعبّر عنه، ولعلنا نجد في مشاهد "يوتيوب" الرديئة من الصراحة والحقيقة ما لا نجده في منبر احترافي.

لكن مشكلة الوسائط المتعددة، على أهميتها، تبقى في أنها تعكس مجانية الموت، ورخص الكائنات، وسهولة القتل والذبح أيضاً. الوسائط المتعددة حتى الآن، عربياً بشكل عام، تدور في رصد الواقع بدون رصد أسئلته.

التعليقات

المقال التالي