برلمانات أم حلبات مصارعة؟

برلمانات أم حلبات مصارعة؟

عام 2003، انتخب أرنولد شوارزنيجر Arnold Schwarzenegger، الممثل الشهير وبطل كمال الأجسام حاكماً لولاية كاليفورنيا. من حسن حظ العرب أنه ليس عربياً ولم ينتخب نائباً في أحد برلماناتهم! لماذا؟ بعد تكرر مشاهد الاشتباكات بين النواب بسبب الاختلاف في الرأي، تخيّلوا ماذا كان ليحصل لو أن "المدمّر" The Terminator كان حاضراً! ثم ماذا لو ساعده صديقاه، جاكي شان وسيلفستر ستالون!

العنف اللفظي!

لا يجب العتب على المواطنين العرب حين يتبادلون الشتائم على خلفية خلاف في الرأي! نخبة المجتمع السياسي العربي، وقدوة الرأي العام، تقوم بذلك!

في تونس، أدلى النائب عن الكتلة الديمقراطية منجي الرحوي بحديث إلى وسائل الإعلام تحدث فيه عن نية بعض زملائه من حركة النهضة إقرار امتيازات مالية كبيرة لهم. لم يكن النائب دقيقاً في كلامه، ففُتح الموضوع للنقاش في جلسة عامة للمجلس التأسيسي. حصل هرج ومرج فرفعت الجلسة. ولكن النائبة هاجر عزيز لم تستطع كبت غضبها. قالت للرحوي: "يا كلب نحنا نبيعوك ونشريوك يا كلب"! على الهامش، هذه النائبة من المكلّفين بوضع دستور لتونس الديمقراطية!

قبلها حصل ما هو أسوأ في لبنان، "واحة الديمقراطية في الشرق"! كان النواب يناقشون البيان الوزاري للحكومة. وخلال إلقاء النائب خالد الضاهر مداخلته قال: "نحن ندعو إلى احترام خيارات الشعب السوري ونطالب بوقف زمرة الطبالين اللبنانيين عن المساهمة في قمع وأذية هذا الشعب الأبي". امتعض من كلامه النائب البعثي عاصم قانصوه، فقال بصوت منخفض: "مين هالكلب اللي عم يحكي". زملاء الضاهر أبلغوه بالشتيمة التي تلقاها فغضب ونظر إلى قانصوه وقال له: "أنت الكلب". وقف قانصوه وحاول مهاجمة الضاهر لكن زملاءه منعوه. ألطف ما جرى حينها هو تعليق رئيس مجلس النواب اللبناني: "بسيطة يا جماعة إنهم إخوان وتعاتبوا على طريقتهم".

حصل ما حصل وعوضاً عن تبادل الاعتذارات راح النواب، بعد الجلسة، يتبادلون الشتائم ويطوّرونها! في جواب له عن سؤال حول نيته الاعتذار من زميله قال قانصوه إنه كان سيضرب الأخير "كفين نظاف" لو لم يمنع من الوصول إليه وأضاف: "اعتذر من الكلب لأن الكلب وفيّ". من جانبه كشف الضاهر أنه انتظر زميله خارج المجلس لـ"يريه قيمته"! وتابع: "قانصوه خنزير ونجس وديوث... لو اقترب مني لمسحت الأرض به ولدعسته بقدمي فهو خرفان مهرهر وأنا كالأسد الغضنفر"!

كما في لبنان كذلك في اليمن. اختلف النائب عبدالعزيز جباري والنائب علي مسعد اللهبي على خلفية نقد الأخير لتعيينات أجراها وزير الإعلام في وزارته. امتعض جباري وهبّ للدفاع عن وزير الإعلام، فوصفه اللهبي بأنه "منافق ومجامل للوزير". خرج النائبان عن طورهما وراحا يتبادلان الشتائم بصوت مرتفع!

الشتيمة لا تكفي!

بعض النواب لم يكتفوا بالشتائم، بل حاولوا الاعتداء على زملائهم! مسكين المواطن العربي الذي يرى هذه المشاهد ثم يدعوه أحدهم إلى ندوة حوارية تتحدث عن تقبّل الاختلاف!

في تونس، كان المجلس التأسيسي يناقش مشروع قانون. اختلف النائب إبراهيم القصاص، سائق التاكسي قبل فوزه في الانتخابات، مع زميله. تطور الخلاف فتقدّم القصاص ناحية الأخير وحاول الاعتداء عليه بآلة حادة (قيل أنها سكين قبل أن يتبيّن أنها قلم). الاعتداء بواسطة قلم! مشهد يتكرّر في الأفلام!

في العراق أدّى اعتراض النائب صادق الركابي على فقرة في مشروع قانون يناقشه مجلس النواب إلى غضب زميله بهاء الأعرجي فتبادلا الشتائم وتشابكا بالأيدي. الأمر نفسه حصل بين النائبين خالد شواني من التحالف الكردستاني، ورئيس "كتلة تغيير" المنضوية ضمن التحالف نفسه لطيف مصطفى، بسبب خلاف على قانون انتخابات مجلس محافظة كركوك. تبادلا الشتائم، وهجم النائب شواني على لطيف حاملاً بيده قنينة ماء، إلا أن نواباً حالوا دون تطور المشاجرة.

في الأردن، تبادل النائبان زيد شقيرات ومحمد الظهراوي الشتائم والتراشق بأكواب المياه البلاستيكية ثم اشتبكا بالأيدي على خلفية نقاش حول تشكيل لجان تحقيق متعلقة بتدقيق سجلات دائرة الأراضي. تدخل زملائهما منع وقوع الأسوأ.

البرلمانات ساحات حرب!

كان البرلمان الأردني يناقش المنحة الخليجية المقدّمة إلى الحكومة وكيفية الاستفادة منها. راح النائب يحيى السعود يصرخ ضد تدخل الحكومة. غضب منه قصي الدميسي فخلع حذاءه وركض نحوه لضربه به. حينها، نزع السعود حزام سرواله واتجه نحو المهاجم ولكن تدخل باقي الزملاء حال دون استمرار الاشتباك.

السعود يشتهر بمشاكساته. هذه ليست المرّة الأولى التي يلجأ خلالها السعود إلى "حجّة الحذاء" لاقناع زملائه! فقد سبق له، خلال مناقشة قانون الانتخابات، أن رشق النائب جميل النمري بحذائه وتبادل معه الشتائم واللكمات. ومرّة أخرى، اعتدى على زميله معتز أبو رمان بعد أن طلب منه الأخير عدم مقاطعة رئيس الوزراء عبد الله النسور، فما كان منه إلا أن سدّد له لكمتين على وجهه!

في الأردن أيضاً، اعتدى النائب خالد بزبز الحياري على زميله نضال الحياري بسبب خلاف في الرأي حول ارتفاع أسعار المشتقات النفطية. دفاع نضال الحياري عن رئيس الوزراء الأردني أغضب زميله. نقل نضال الحياري إلى مستشفى مجاور لمبنى البرلمان. من ألطاف القدر أنهما ينتميان إلى العشيرة نفسها! كذلك غضب النائب عبد الله عبيدات من دفاع زميله طارق خوري عن النظام السوري فحصلت "طوشة" تخللها الضرب وتبادل العبارات النابية.

مؤخراً، طرح النائب العراقي، العضو في "القائمة العراقية"، حيدر الملا مسألة انتشار صور الإمامين الخميني والخامنئي في شوارع بغداد معتبراً إيّاها "انتهاكاً لسيادة العراق". حصل سجال حول المسألة بينه وبين من يعتبرون أنهما من مراجع الشيعة بغض النظر عن جنسيتهما. طالب الملا بإزالة هذه الصور. اعترض النائب المنشق عن "التيار الصدري" كاظم الصيادي واتهم زميله بالطائفية. احتدّ السجال وشارك فيه آخرون ثم اتجّه الملا ناحية الصيادي وسدّد له لكمة!

عام 2006، وعلى خلفية نقاش الموازنة العامة للدولة البحرينية، قال النائب الشيخ عبد الله العالي في مداخلته: "هناك مرتزقة يأتون بهم من الخارج للعمل في وزارة الدفاع". كلامه أغضب زملاءه الموالين للحكومة. حاول رئيس المجلس خليفة الظهراني منع النائب من استكمال مداخلته فأغلق "ميكروفونه" ولكنه لم يتوقّف فرفع الجلسة. حدثت مشادات بين النواب.

ـ قال محمد خالد مخاطباً العالي: "زين جدّي... سوّد الله وجهك".

ـ العالي: "سوّد الله وجهك أنت يا حقير".

ـ خالد: "سوّد الله وجهك ولعنة على أمثالك. لا تصرخ انت مو في مأتم".

تدخّل النائب الموالي وقال لخالد: "لا تسب المأتم. لا تسب المأتم يا حمار". وحين كان خالد يتوجه للخروج من قاعة المجلس لحق به الموالي وعند باب القاعة سدّد لكمة إلى عينه اليمنى!

الإشتباك الأظرف أتى من الكويت. عام 2011، حصل اشتباك بين النواب داخل البرلمان شارك فيه سبعة نواب في مشهدية يمكن وصفها بفيلم "أكشن" بدوي. كانوا يناقشون قضية المعتقلين الكويتيين في غوانتانامو  بحضور وفد من المحامين الأمريكيين، فقال النائب الشيعي حسين القلاف: "إن معتقل غوانتانامو وضع لمن شارك في أفغانستان وبالتالي أكثر الذين خرجوا من هناك أسسوا القاعدة وهي على رأس الإرهاب، واستغرب أن يأتي نائب ويدافع عن الإرهاب". امتعض منه النائب السلفي محمد هايف فتلاسنا وشارك في السجال زملاء آخرون.

هذا لم يكن سوى المقدمات. بدأ فيلم "الأكشن". لوّح القلاف بعصاه في وجه النائب جمعان الحريش فمسك الأخير العصا ولفها على عنق القلاف. حاول القلاف لكم الحربش. تفادى الحربش اللكمة وسدد لكمة خاطفة قوية إلى زميله مسقطاً عمامته عن رأسه. هبّ النائب الشيعي عدنان المطوع للدفاع عن القلاف وتضارب بالعقال مع النائب فلاح الصواغ. شتم عشيرة العوازم التي ينتمي اليها النائب الأخير فثار النائب سالم نملان العازمي وضربه طارحاً إيّاه أرضاً إلى جانب القلاف. انتهت الجلسة ونُقل القلاف الى المستشفى!

الحلّ الأردني

كل هذه النماذج لم تشف غليل بعض النواب الأردنيين. خلال أحد النقاشات، شهرالنائب شادي العدوان مسدسه، ولكن ما بقي لديه من عقل حال دون أن يستخدمه، لحسن الحظّ!

أما الذروة فلم تكن هنا. استكمالاً لمشاجرة سابقة شهدت تراشقاً بالأحذية وتبادل اللكمات والضربات بالأحزمة، قام النائب طلال الشريف باقتحام بهو مجلس الأمة الأردني بسلاح حربي "إي كيه 47" وهاجم زميله النائب قصي الدميسي وأطلق عليه النار ولكن، لحسن الحظ، حال تدخل زملاء آخرين دون أن يصاب الدميسي.

هذا غيض من فيض ما شهدته البرلمانات العربية. أمام هذه الأحداث تصير مزحة أفكار انتشار العنف بسبب الأفلام الغربية. نخبة العرب لا تحترم الرأي الآخر وتنقل ثقافتها العقيمة إلى الجمهور. فهل يمكن أن نعتب على المواطنين العاديين بسبب عدم تقبّلهم للرأي الآخر؟

كلمات مفتاحية
الـ22 العنف

التعليقات

المقال التالي