هل يعود أيمن الظواهري إلى مصر؟

هل يعود أيمن الظواهري إلى مصر؟

"خاض إخواننا طريق الديمقراطية، ومنحوا الشرعية للصناديق والانتخابات، ولم يمنحوها لله تعالى وشريعته، وكنّا قد نصحناهم أن هذا ليس هو الطريق وأن سنّة الله غالبة ولا مجال للالتفاف عليها... الطريق لتكون كلمة الله هي العليا هو صناديق الذخيرة وأن السلمية لن تغني من الحق شيئاً".

هذا مما جاء في بيان أصدرته إحدى المجموعات الجهادية المتواجدة في سيناء وتسمّي نفسها "كتيبة الفرقان"، بمناسبة تنفيذها هجوماً على إحدى البواخر في قناة السويس. البيان كان موجهاً إلى الإخوان المسلمين والسلفيين، بعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي، ويسخر من قبولهم السابق بالانتخابات كوسيلة للحكم.

هذه المجموعة الوليدة وغير المعروفة بشكل كاف لم تكن المجموعة الإسلامية الوحيدة التي تنتقد العمل السلمي في مصر. قبلها كان رئيس تنظيم القاعدة أيمن الظواهري قد نشر تسجيلاً صوتياً اختار له عنوان "صنم العجوة الديمقراطي"، انتقد فيه الديمقراطية، كما هو واضح من العنوان، وقال فيه: "لقد اجتمع الصليبيون والعلمانيون والجيش المتأمرك وفلول الرئيس السابق حسني مبارك وثلة من المنتسبين للعمل الإسلامي مع المال الخليجي والتدبير الأمريكي على إسقاط حكومة محمد مرسي". الظواهري ليس معجباً بالإخوان. سبق أن انتقدهم في مناسبات عدّة خلال فترة حكمهم. ولكنه الآن يرى فيهم شيئاً من الإسلام قضى عليه الكفار!

لم يكتف الجيش المصري بالإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، بل خلق مساراً انتقالياً يطمح إلى تجفيف هذه الجماعة لكي لا تقوم لها قائمة بعد حين. ظهر المسعى الجديد في حكم أصدرته "محكمة القاهرة للأمور المستعجلة" قضى بـ"حظر أنشطة تنظيم الإخوان المسلمين والتحفظ على أموالها العقارية والسائلة والأموال والمنقولات والعقارات التابعة للأشخاص المنتمين إليها، وتشكيل لجنة مستقلة من مجلس الوزراء لإدارة الأموال المتحفظ عليها". وينص الحكم على حظر أنشطة "أي مؤسسة متفرعة منها، أو تتبعها، أوتنشأ بأموالها، أو تتلقى منها دعماً، والجمعيات التي تتلقى التبرعات ويكون من بين أعضائها أحد أعضاء الجماعة أو الجمعية أو التنظيم".

قد يقول البعض إن هذا حكم قضائي ولا دخل للجيش المصري به، ولكن حيثيات الحكم تؤكد العكس، إذ أكدت المحكمة أن "الشعب احتمى بقواته المسلحة سيف ودرع الوطن الذي لا ينفصل عن شعبه في مواجهة النظام الظالم". القرار لا يزال قابلاً للاستئناف والبعض يعتبر أنه باطل لأن المحكمة التي اتخذته ليست القضاء الصالح. المهم أن وزارة التضامن الاجتماعي بدأت إجراءات حل "جمعية الإخوان المسلمين".

في ظل هذه التطوّرات لا وجود لمحاور إخواني قادر على التحدث باسم الجماعة. يقوم بهذه المهمّة كلّ من محمد علي بشر، وعمرو دراج، ولكن كثيرين يؤكدون عدم قدتهم على إلزام الجماعة بأيّة نتيجة يمكن أن يتوصّلوا إليها. فبعد حبس معظم قيادات الإخوان صارت الجماعة شبه مفككة. يسخر البعض من الواقع الذي آل إليه الإخوان ولكنهم بسخريتهم يتغافلون عن الخطر الكبير الناجم عن هذه التطورات.

هنا، يمكن الاستفادة قليلاً من دروس التاريخ. القرار الصادر عن المحكمة يشبه قراراً صدر أيام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. ففي 5 ديسمبر 1954، حلّت الجماعة وبعدها بحوالي شهرين صدر قرار بمصادرة أموالها. "الحلّ الناصري" دفع بعض شباب الجماعة إلى تأسيس تنظيم سرّي جهادي عام 1958. كان بين هؤلاء أيمن الظواهري!

استمر النهج الناصري في التعامل مع الإخوان في ظل حقبة الرئيس أنور السادات. تفكيك الجماعة ولّد جماعات كثيرة صغيرة تتبنّى العنف منهجاً لها. أنشأ الدكتور صالح سريّة، عام 1973، تنظيم "الفنية العسكرية" وكفّر كل من خالفه الرأي. كان هدف سريّة القادم من حيفا إلى مصر الخروج على السادات. تواصل مع شخصيات إسلامية عرّفته إليها زينب الغزالي. كتب "رسالة الإيمان" التي تدعو إلى الجهاد من أجل إقامة الدولة الإسلامية. إذا صدق طلال الأنصاري (أحد قيادات التنظيم الذى قام بالهجوم على كلية الفنية العسكرية في العام 1974) في مذكراته فإن عمل هذا التنظيم كان مدعوماً في الخفاء من الإخوان بشكل يسمح لهم بتبنّيه إن نجح وبالتنصّل منه إن أخفق. وبرز "تنظيم الجهاد" بقيادة محمد عبد السلام فرج الذي كتب كتاب "الفريضة الغائبة" (أي الجهاد) والذي خطط لاحقاً لاغتيال السادات عام 1981. كذلك أنشأ الدكتور فضل (عبد القادر عبد العزيز) الجماعة الإسلامية ونظّر للحل الإسلامي العنفي في كتابه "العمدة في إعداد العدّة".

كان أيمن الظواهري عضواً في تنظيم الجهاد، منذ بداياته ثم صار أميره ومنظره في بداية الثمانينات من القرن الماضي. بعد اغتيال السادات تم اعتقاله فقضى 4 سنوات في السجن قبل أن يطلق سراحه لعدم ثبات أيّة تهمة عليه. في السجن، تطرّف الظواهري ودارت الأيام إلى أن صار الإرهابي رقم واحد في العالم.

في مقابل كل الحركات الإسلامية العنيفة المذكورة أعلاه برز خط آخر معتدل داخل الإخوان. سنة 1977 أصدر المرشد العام حسن الهضيبي كتاب "دعاة لا قضاة" يدعو إلى حصر عمل الجماعة في الدعوة السلمية. أتى هذا العمل كثمرة لمراجعات أجرتها قيادات الإخوان في السجن.

استمر عمل المجموعات الإسلامية العنفي حتى منتصف تسعينات القرن الماضي. بعض العنفيين راجعوا أفكارهم. نبيل نعيم، العضو السابق في تنظيم الجهاد (يسوّقهالإعلام المصري كمؤسس لهذا التنظيم!) ينتقد الآن السلفية الجهادية ويعتبر أنها "بكل طوائفها خوارج" كما يحمّل الإخوان المسؤولية عن كل العنف الحالي. قبله، كان الدكتور فضل قد هاجم تنظيم القاعدة وانتقد العنف المسلح، أكان في الغرب أو في الدول الإسلامية. ولكن، حصلت هذه المراجعات بعد عقود من العنف الذي راح ضحيته كثير من المصريين.

لماذا هذه العودة إلى التاريخ؟ ببساطة لكي نستشرف المستقبل في مصر. المسار المصري بعد 3 يوليو شبيه جداً بما كان يحصل في الماضي. يريد البعض تجفيف حركة الإخوان. دون شك، إن هذا الحلم مستحيل. ستقوم قيادات في الجماعة بمراجعات ستخلص إلى أن نهج الاستئثار بالحكم ليس قويماً. ولكن في المقابل، ستبرز مجموعات إسلامية عنيفة ترى الحلّ بصناديق الذخيرة وبالتنسيق مع تنظيم القاعدة ورئيسها المصري الظواهري. إذا استمرت السلطة المصرية في نهجها الحالي، فإن التاريخ سيعيد نفسه ولن يخرج المصريون من دوّامته القاتلة.

التعليقات

المقال التالي