غول لأردوغان "إنها السياسة الخارجية يا غبي"

غول لأردوغان "إنها السياسة الخارجية يا غبي"

"إنها السياسة الخارجية يا غبيّ". بهكذا قول يمكن للرئيس التركي عبد الله غول أن يتفوّق على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أيّة مناظرة يمكن أن تجمعهما قبيل الانتخابات الرئاسية التركية المقبلة.

عدّادات الساعة السياسية التركية كلّها تشير إلى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة التي ستجري بعد أقل من عام. رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ربط خوضه السباق برغبة حزبه في ذلك. لم ينسَ نفي وجود أية خلافات بينه وبين الرئيس عبد الله غول، ولكن مؤشرات عدّة تؤكد أن ثنائي العدالة والتنمية يختلفان كثيراً حول السياسة الخارجية للدولة التركية.

تصريحات غول، في الفترة القصيرة الماضية، توحي بأن الرئيس التركي يريد قلب الطاولة على أردوغان وحليفه وزير الخارجية أحمد داود أوغلو. هذا التباين الآخذ في الازدياد يؤكد أن المسألة لا تقتصر على تبادل للأدوار، بل هي أكثر من ذلك. هي رسائل يوجهها غول إلى أعضاء العدالة والتنمية وقاعدته الانتخابية وإلى الممتعضين من مسار السياسة الخارجية التركية خلال العامين المنصرمين.

أردوغان، الرجل الأول في حزب العدالة والتنمية، يضع نصب عينيه الوصول إلى سدّة الرئاسة. يريد أن يتحوّل إلى فلاديمير بوتين تركي من خلال تغيير النظام السياسي التركي وتحويله إلى نظام رئاسي. التنافس الخفي بينه وبين الرجل الثاني في الحزب ليس جديداً. في آخر انتخابات برلمانية أقصى أردوغان عن لوائح الحزب "الغوليين" واستبدلهم بشخصيات مؤيدة له. لم يرد أن يقف أحد أمام طموحاته. لكن لا يبدو أن غول سيرضى بلعب دور ميدفيديف.

يتفق الزعيمان التركيان على الخطوط العريضة لمسار الاقتصاد التركي. في السياسة الداخلية لا تباينات واضحة بينهما. طبيعة المجتمع التركي لا تسمح بولادة هكذا تباين؛ فكل انفتاح على الأكراد والعلويين سيتم دفع فاتورته من رصيد الحزب في أوساط القوميين وأنصار الإسلام التركي. لهذا فإن ميدان المبارزة سيكون في السياسة الخارجية.

مؤخراً، عبّر غول عن امتعاضه من المتحمسين لتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري قبل الاتفاق على استراتيجية سياسية واضحة. "إذا لم توجد استراتيجية سياسية، فلا نتيجة ترجى من أي تدخل عسكري في سوريا"، قال لصحافيين رافقوه على متن الطائرة التي أقلته إلى نيويورك، مبتعداً عن رفيق دربه الذي يدعو إلى توجيه ضربة قاسية تؤدي إلى سقوط النظام السوري بغض النظر عن تبعاتها.

لم يكتف غول بهذا القدر، بل اعتبر أن "تركيا معنية مباشرة بالراديكالية المتعاظمة وتأثيرها على التجارة ومشكلة اللاجئين السوريين". تجاوز تصريحات داود أوغلو التي تحمّل الأسد المسؤولية عن تنامي التطرّف داخل مجموعات المعارضة المسلّحة. نظرة غول تتقاطع مع الأتراك الذين بدأوا يرفعون الصوت عالياً محذرين من مخاطر الإسلاميين المتطرفين على تركيا. اكتفى غول بالتحذير من "الراديكالية". استخدم ذات المصطلح الذي يستخدمه أردوغان وأوغلو ولكنه تجاوزهما باعتبار أن تركيا معنية بإيجاد حلول لهذا الخطر المحتمل.

غير بعيد عن الشأن السوري، دعا غول إلى مشاركة إيران في اجتماع جنيف القادم .برأيه لا يجب استبعادها، "وأي مؤتمر في جنيف من دون إيران لن يصل إلى أيّة نتيجة" فـ "إيران من اللاعبين الأساسيين في سوريا. والمهم تأمين مشاركة إيران بصورة بناءة، ذلك أن الوضع في سوريا بالنسبة إليها مسألة وجودية، وهي تراه تهديداً لها. المهم هنا العمل على تقديم الضمانات لإيران بأن إنهاء النظام السيء في سوريا لا يشكّل تهديداً لها". هي إشارة على امتعاض الرئيس التركي من فشل سياسة "صفر مشاكل" التي وُعد بها الأتراك، ولكنها تحوّلت إلى مادة تستخدم للتهكّم على العدالة والتنمية. غرّد غول، بحرّية، بعيداً عن أردوغان المقيّد بتحالفه مع السعودية فيما خص الشأن السوري وهو آخر ما يربط بين الدولتين بعد الخلاف الناجم عن دور السعودية المضاد لحركة الإخوان المسلمين.

سعي غول إلى ردم الهوّة التي خلقها أردوغان مع إيران، حين هددها وحزب الله بأن دورهما السلبي في سوريا سينعكس عليهما، استفاد من وصول حسن روحاني إلى الرئاسة الإيرانية، ووصفه بأنه "فرصة للحوار والتصالح"، ووصف بلاده بأنها "بلد براغماتي".

تصريحات غول المبتعدة عن أردوغان وصلت إلى رؤيته لعلاقة بلاده مع إسرائيل. فيمقابلة أجرتها معه مؤخراً صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نوّه بأهمية اللقاءات السرية التي تجري بين الجانبين وأشار إلى ضرورة تواصلها "برغم الخلافات". يسعى الرئيس إلى تجاوز آثار نوبة الغضب غير الديبلوماسية التي اعترت أردوغان بعد إسقاط حليفه المصري محمد مرسي حين اتهم إسرائيل بتدبير الانقلاب عليه. رئيس الحكومة يفضل تأجيل المصالحة مع اسرائيل إلى ما بعد الانتخابات القادمة وعلى الأرجح لن يغامر غول بأكثر من بعض التصريحات المعتدلة، لأن إسرائيل لم تستجب بعد لكامل المطالب التركية، ولأن المواقف المعارضة لإسرائيل مكسبة شعبياً.

تمايز الرئيس التركي عن صديقه يتجلّى أحياناً في مواقفهما من الأحداث الداخلية. فإن كانا شبه متوافقين على معظم المسائل، إلا أن تعاطي غول مع أحداث تقسيم، على سبيل المثال، كان أكثر ليونة من تعاطي أردوغان.

في كل الحالات يرتبط مستقبل الصراع على الرئاسة بين قائدي العدالة والتنمية بنجاح أردوغان في تعديل الدستور التركي لتعزيز موقع رئاسة الجمهورية. في حال فشله، ربما ينتقل الصراع بينهما على منصب رئاسة الحكومة.

التعليقات

المقال التالي