حريّة، سيادة، استقلال!

حريّة، سيادة، استقلال!

اشتهر هذا الشعار في لبنان بالتحديد، نظراً لكونه البلد الصغير الذي يتعرض منذ نشأته لتدخلات وتأثيرات خارجية. لكنه كذلك شائع كنداء، خاصة فيما يتعلق بمفهوم السيادة الذي يتم الإصرار عليه كثيراً، في البلدان العربية وخارجها، لنزع الشرعية عن أية محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية لبلد ما وقد استخدم مؤخرًا من قبل المناهضين للتدخل الأميركي في سوريا. مفهوم السيادة ليس فقط جزءاً من خطاب سياسي رائج، لكنّه أيضاً مُصان قانونياً، فهو الركيزة الأساسية للنظام الحقوقي العالمي، ومؤسسة الأمم المتحدة ليست سوى تجسيد له، إذ أنّها تهدف إلى نشر السلام في العالم عبر تنظيم العلاقات بين دول ذات سيادة، دون أن تتعدى صلاحياتها حدود هذه الدول.

تاريخياً، ظهر مفهوم السيادة إثر اتفاقيات وستفاليا سنة 1648 التي أنهت الحروب الدينيّة التي استنفدت أوروبا في القرن السابع عشر. حينها جاء المفهوم ليفصل بين السلطة الدينيّة والسلطة المدنيّة، ويجعل الأخيرة السلطة الشرعيّة الوحيدة، ويربطها بإقليم محدّد، مما يمنع أية جهة أخرى من التدخل في شؤون هذا الإقليم. غير أن مفهوم السيادة نتج أيضاً عن تطور معين في الفلسفة السياسية الغربية، خاصة مع توماس هوبز في القرن السابع عشر. يُظهِر هذا التطور ارتباط هذا المفهوم بمفاهيم سياسية أساسية أخرى، فهوبز رأى أنّ الطريقة الوحيدة التي تسمح للأفراد بتحقيق مصالحهم الشخصيّة من جهة، وتمنع النزاعات بينهم من جهة أخرى، هي الاتفاق فيما بينهم على عقد اجتماعي يختارون من خلاله شخصاً أو مجموعة تحكمهم. إلى ذلك، فقد أكد هوبز على ضرورة أن تكون سلطة الجهة الحاكمة مطلقة، لتكون كلمتها هي الأخيرة، فتحول دون نشوب أي صراع حول من يحكم، ما هي حدود صلاحياته، وهذه السلطة المطلقة لا يحدّها سوى حدود بقعة الأرض التي يعيش عليها الناس الذين اختاروا (بصورة علنيّة أو ضمنيّة) الخضوع لها.

اعلان


ما يهمّنا هنا هو الربط بين السلطة والسيادة والحقوق، وهو أساسي في نظر هوبز لأنه يرى أنّ شرعيّة السلطة، لا سيما أنّها مطلقة، تأتي من قدرتها على توفير حقوق الأفراد وتحقيق حريّاتهم الشخصيّة من خلال منع أي أحد من الاعتداء على حريّة الآخر، وهذه القدرة لا تكتمل بغياب السيادة. أي أنّ فكرة أن يتمتّع الحكّام، أو الدولة بصورة عامّة، بالسيادة على بقعة أرض معيّنة بساكنيها، ترتبط بشكل ثابت بفكرة حماية الحقوق والحريّات الشخصيّة. انطلاقاً من هذه الفكرة تتجلى شرعيّة "التدخلات الإنسانية" humanitarian interventions على أساس أنّ السيادة لا تنطبق على الدول التي لا تتوفّر فيها الحقوق الأساسيّة. وهذا التفكير نفسه كان وراء مبدأ "مسؤوليّة الحماية" responsibility to protect الذي أقرته الأمم المتحدة عام 2005، كردة فعل متأخرة على مجزرة رواندا عام 1994، وهو المبدأ الذي تمّ اللجوء إليه للمطالبة بالتدخل في ليبيا سابقاً، وفي سوريا كذلك.

المطالبون بإعادة التفكير بمفهوم السيادة وبالسماح للتدخلات الخارجية يَحدّون مطالبهم بالحالات القصوى، أي البلدان التي يكون فيها انتهاك حقوق الإنسان شديداً، ويقرّ به كثيرون (استخدام الأسلحة الكيماوية يندرج في هذه الخانة). أسباب ذلك أخلاقية من جهة، كالقول إن الحقوق بحد ذاتها تختلف بين البلدان وغير متفق عليها عالمياً، وأنّه لا يمكن التكلم عن انتهاكات تستدعي التدخل في غياب تحركات شعبية داخلية معارضة، وعملية من جهة أخرى، حيث أنّ للتدخلات الخارجية تبعات تجعل، أحياناً، عدم التدخل أفضل منه، ولو كان التدخل مشروعًا من حيث المبدأ.

على أيّة حال، الفكرة الأساسيّة هي نفسها ومعناها بسيط: إن سيادة الدولة ليست فقط مرادفة للحرية والاستقلال على المستوى الخارجي، ولكن أيضاً للحرية والحقوق على المستوى الداخلي. أي أن الشعار الأصح هو: سيادة برّاً، حرية جوّاً!

التعليقات

المقال التالي