عودة الفلول

عودة الفلول

في كلّ الدول العربية التي شهدت انتفاضات مؤخراً، يعود "الفلول" إلى ممارسة العمل السياسي والتأثير بقوة على مسارات التغيير. أثبت الفلول أنهم رقم صعب لا يمكن تجاوزه، خاصة في ظل انقسام "قوى التغيير" والصراع بينها.

في التاريخ العربي الحديث، كانت كلّ الثورات والانتفاضات تنتهي بتنكيل المنتصر بخصومه السابقين ليعود ويتحوّل إلى منكّل به ما إن تتغيّر موازين القوة مرّة جديدة. كان كل "عهد جديد" يتعاطى بانتقائية مع شخصيات "العهد القديم" في مسارات "تغييرية" انتقائية وعشوائية إلى حدّ بعيد.

حديث التغيير الذي افتتح أواخر العام 2010 تضمّن خطاباً "ثورياً" يرفض كل تعاطٍ مع "الفلول". لوهلة، اعتقد الشباب الخارج إلى الساحات أنه يمتلك قدرة على إحداث تغيير جذري في المشهد السياسي في بلاده. كانت القراءة الطفولية سمة عامةً لقراءات أحداث "الربيع العربي" ولا تزال كذلك إلى حدّ بعيد!

في الذاكرة العربية مثال قريب ساهم في بلورة الوعي "الثوري" لعمليات التغيير. إنه المثال العراقي. فبُعيد إسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدّام حسين، عام 2003، حلّ الحاكم المدني الأميركي للعراق، بول بريمر Paul Bremer، حزب البعث وشكّل "لجنة اجتثاث البعث" بهدف تنقية القطاع العام من كبار أعضاء البعث، وخاصة أولئك الذين سبق أن ارتكبوا جرائم بحق العراقيين. وعندما أقرّ الدستور العراقي الجديد، عام 2005، تأسس هذا العمل من خلال "هيئة المساءلة والعدالة" التي تُعرف أيضاً باسم "الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث". حُظر حزب البعث ومُنعت رموزه من ممارسة أي عمل سياسي. في الانتخابات النيابية الأخيرة، تم استخدام هذه المواد الدستورية في عملية استبعاد أكثر من 500 مرشح.

حالياً، بعد 10 سنوات من سقوط صدام حسين، يحاول العراقيون التخفيف من الآثار السلبية لاعتماد هذه الآلية، ولكنهم أنتجوا النموذج الذي أشاع استخدام مصطلح "الفلول" بعد انتفاضات التغيير العربية.

حين بداية الانتفاضة المصرية، لم يكن الشباب المتجمّع في الساحات يفكّر في أنه، بعد سنتين، سيعود الفلول إلى لعب دور أساسي في المشهد الوطني. في الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة، تحالف كل الثوار ضد المرشح أحمد شفيق باعتباره أحد رموز النظام السابق، وفاز محمد مرسي. بعد تحوّل المزاج الشعبي في 30 يونيو وتدخل الجيش طارحاً خطة انتقالية، وما رافق ذلك من أحداث معروفة تغيّر المزاج الشعبي! نقد الإخوان أعطى صكّ براءة لسياسيين وإعلاميين كثيرين ممّن كان الثوار يصفونهم قبل فترة بأنهم فلول!

يمكن اتخاذ السياسي المصري عمرو موسى كمؤشر للتعاطي مع قضية الفلول بعد الثورة. الديبلوماسي المخضرم أكّد قبل الثورة أنه "إذا ترشَّح الرئيس مبارك فأنا سأصوت له، لأني أعرفه جيداً وأعرف طريقة إدارته للأمور"، لا بل أنه لم يتوانَ عن القول في أحد تصريحاته إن "مواصفات الرئيس تنطبق على جمال مبارك". حين اندلاع الانتفاضة المصرية دعم موسى خيار إكمال مبارك لولايته. ولكن، فور نجاح الثورة راح يسوّق لفكرة أنه كان من خصوم مبارك!

أسس "حزب المؤتمر" وانضم إلى "جبهة الإنقاذ الوطني" المناوئة للإخوان. ظهوره على منصة الجبهة أثار غضب بعض الثوار. لم يطيقوا فكرة أن يخطب فيهم أحد الفلول. أثناء الحملة الرئاسية لشفيق، سُئل الأخير عن وصف منافسه موسى له بأنه من الفلولفأجاب بسرعة: "عمرو موسى محسوب على الفلول مَعايَ". قبلها كان حمدين صباحي قد قال عنه: "أنا أعتبر عمرو موسى فرداً من النظام السابق ولن أتعاون مع أي فرد من النظام الذي سنطهّره بأيدينا مهما حدث". بعد صدور نتائج الانتخابات راح موسى ينظّر لفكرة أنه لا يوجد شيء إسمه فلول.

فور صدور قرار المحكمة المصرية بالإفراج عن مبارك، سخر بعض الثوار من مآل ثورتهم من خلال جملة نسبوها إلى مبارك ويقول فيها: "سأنضم إلى جبهة الإنقاذ فور خروجي، بس بشرط يمشّوا عمرو موسى عشان فلول". الآن عمرو موسى هو كبير حكماء مصر ورئيس "لجنة الخمسين" المناط بها تعديل دستور 2012. ينسى المصريون التحركات التي كانت تنظم ضده ومنها وضع شباب 6 أبريل علامات X على صوره حين ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية ورفعهم لافتات منها: "يعني إيه تنتخب عمرو موسى؟ يعني نعمل ثورة علشان نجيب حدّ يخلص عليها"، و"أنا الرئيس الفلول".

تونس، من جانبها، تشهد صراعاً محموماً بين قوى الثورة على كسب الفلول، أو ما يتعارف عليه التونسيون بـ"بقايا التجمّع"، نسبة إلى الحزب الحاكم السابق وهو التجمّع الدستوري الديمقراطي، إلى صفّها. أكثرية هؤلاء تجمّعوا الآن في حزب "نداء تونس" برئاسة الباجي قائد السبسي.

كان رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، قد وصف هذا الحزب بأنه خطر على تونس. ولكن، في ما بعد، أشاد، في مقابلة أجرتها معه قناة "نسمة" بكسر الجليد في علاقة حركته بهم. بعد الأزمة التي عصفت بتونس إثر الاغتيالات السياسية التي شهدتها، تقرّب الجميع من الفلول. الرئيس منصف المرزوقي استمع إلى وجهة نظر حامد القروي (يحاول إعادة تجميع حزب "التجمّع الدستوري الديمقراطي") حول الخروج من الأزمة.

كل القوى الثورية التونسية تريد دعم الفلول لها وكلّها تعفّ عن الاعتراف بهذا التوق وتتهم خصومها بالسعي إليه! حركة النهضة التي لطالما انتقدت التعامل مع "فلول الردّة" ودعت إلى "تطهير" تونس منهم، التقى زعيمها بالسبسي في باريس. في المقابل، أعلن السبسي عن اعتزازه بتحركات "الجبهة الوطنية للإنقاذ" في مواجهة حركة النهضة، واعتبر أن الأخيرة هي "مكسب وطني". لم ينضمّ نداء تونس رسمياً إلى الجبهة. إنه الحياء. قلّة تمتلك الشجاعة للإقرار برغباتها كالقيادي في حزب العمال، الجيلاني الهمامي، الذي أكّد أن لا مشكلة في العمل مع "بقايا التجمع" في إطار جبهة إنقاذ واسعة لمواجهة "الديكتاتورية الدينية" للنهضة.

الصراع الخفي على استقطاب الفلول سيؤدي إلى أمر أكيد: لن يقرّ قانون العزل السياسي بحقهم. إعلان الغنوشي في الحوار مع قناة "نسمة" أنه "لا مجال لتمرير قانون تحصين الثورة إلا بعد الانتخابات المنتظرة نهاية العام الجاري"، هو مؤشر على ذلك.

في اليمن الذي يشكل فلوله جزءاً من النظام الجديد، تكشف أرض الواقع عن تحالفات جديدة. ترى الحوثيين المعارضين سابقاً للرئيس على عبد الله صالح يتحالفون مع الموالين له في مواجهات ضد قبائل موالية للتجمع اليمني للإصلاح.

ليبيا تشهد عراضات مسلّحة للثوار للمطالبة بتطهير الإدارات العامة من فلول القذافي، أو "الطحالب" كما يسمّيهم الليبيون. يطالبون بتطبيق قانون عزل سياسي بحقهم، وهو ما وافق عليه المؤتمر الوطني العام مبدئياً دون أن يستطيع التوافق على معايير العزل،ربما ستطال مليون مواطن! والسيء هو أن الإدارات الليبية تحتاج إلى خبراتهم! بعد فوز التحالف الوطني بقيادة محمود جبريل في الانتخابات التشريعية، اعتبر حزب العدالة والبناء (الإخوان) أنهم انتصروا بدعم من الفلول. الآن تطالب جماعات الثوار المسلحة بتطهير الجيش وقوى الأمن كشرط لانضمامها إليهما.

ليس غريباً أن يعود الفلول إلى صدارة العمل السياسي في دول الربيع العربي. الغريب هو المفاهيم الطهرانية التي تبنّاها الثوار في البدايات. كل قوة سياسية ستبحث عن حلفاء لتحقيق المصالح التي تمثلها. كون الحلفاء المحتملين فلولاً لا يغيّر كثيراً في واقع الأمر، فالشرعية الجامعة في بداية الثورة لا تعمّر إلى الأبد. كان على القوى الثورية أن تتفق على خطوط عريضة للعمل السياسي في المستقبل. لم تقم بهذا الأمر. الآن صارت مستحيلة العودة إلى الوراء.

التعليقات

المقال التالي