لا للإمبريالية

لا للإمبريالية

الإمبريالية جزء أساسي من تاريخ العالم العربي ومن تجربة الدول العربية الحديثة، والعديد من الإتجاهات السياسية في العالم العربي، خاصة اليسارية والقومية منها، قامت بطريقة محوريّة على مناهضة الإمبريالية. انتشر هذا الشعار بصورة كبيرة في الحقبة الناصرية، ولكنّه عاد لاحقاً ليتّخذ وجوهاً مختلفة، فيركّز على الاستعمار، ليس فقط السياسي (أي تدخل الدول الكبرى، والولايات المتحدة خصوصاً، في شؤون الدول الأصغر) ولكن أيضاً الاستعمار الاقتصادي (هيمنة التوجّه النيوليبرالي على الاقتصاد العالمي) والاستعمار الثقافي (سيطرة المفاهيم والقيم الغربيّة على ثقافات الدول المختلفة). والجدير بالملاحظة هنا هو غياب هذا الشعار عن الثورات العربيّة الأخيرة.

قد يكون سبب وأهميّة هذا الغياب القناعة بأنّ مشكلة الحكم الاستبدادي، في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، مشكلة داخليّة إلى حد كبير، وليست مفروضة من الخارج. لكن السبب الآخر الذي يستدعي التوقف عنده هو أنّ الثورات العربية لم تتوقف عن المطالبة بشكل بسيط ومباشر بقيم كالحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما لم تطالب بشكل رئيسي بقيم إسلاميّة مثلاً، أي أنّها استخدمت مفاهيم غربيّة، وباستخدامها لهذه المفاهيم، قدّمت نقداً ضمنياً لفكرة الإمبريالية الثقافية والاقتصادية.

قد يرى البعض أنّ الحريّة وحكم الشعب والمساواة ليست قيماً غربيّة ودخيلة على العالم العربي وعلى الشرق في شكل عام، بل هي قيم تتشاركها ثقافات مختلفة، فلها مثيلاتها في الإسلام والكونفوشيوسية مثلاً، وليست حكراً على الغرب. ولكنّه، ولو كانت هنالك فعلاً أفكار شبيهة في الثقافات المختلفة، فإنّها لم تتبلور في الصورة المتواصلة والمحوريّة التي تبلورت فيها في التراث الغربي، حيث طرح سقراط وأفلاطون فكرة علاقة الفرد بالمجتمع، وقدّم أرسطو تصنيفاً لأشكال الحكم، كانت الديمقراطيّة إحداها، وأضاف هوبز فكرة العقد الاجتماعي المبني على الحريّة الفرديّة، ورسّخ ماركس أهميّة المساواة. هذا لا يعني أنّ الفكر الغربي تطوّر في عزلة من العالم الخارجي، فالفلاسفة الغربيّون كانوا على معرفة واسعة، وإن لم تكن دقيقة، بأفكار مستمدّة من العالم الآسيوي والأفريقي التي كان المستشرقون الأوروبيون يأتون بها إلى بلادهم، وهذا لا يعني أيضاً أنّهم لم يتواطؤوا مع النشاطات الاستعمارية لبلادهم، فوجدوا تبريرات مختلفة لعدم تطبيق قيم العدالة والحريّة التي دعوا إليها على الشعوب المحتلّة. غير أنّ التاريخ الملتبس للتراث الفكري الغربي لا يمنع من الاعتراف بالأفكار والقيم الجديرة التي أنتجها.

والاعتراف بالمصدر الغربي لقيم الديمقراطية والحرية الفردية وحكم القانون لا يجعل من تبنّيها غير مقبول أو مستغرباً. فمفهوم الدولة القومية بحد ذاته، وما يتصل به من مفاهيم كالسيادة والحدود وحكم القانون، نتج عن تطوّر أوروبا في القرن السابع عشر إثر اتفاقيات وستفاليا Westphalia سنة 1648، وقد انتشرت الدولة القومية من خلال الاستعمار الأوروبي وتفكك الإمبراطوريات القديمة كالصينية والدولة العثمانية. ومع تبنّي الشعوب الحديثة الاستقلال تنظيمَ الدولة القومية بصفته التنظيم السياسي الوحيد القائم، كان لا بد من تبنّي القيم التي تتماشى معه، والتي ليس من المستغرب أن تكون نتجت أيضاً عن التجربة والتراث الغربي. بعبارة أخرى، لا يتماشى رفض قيم الديمقراطية والحرية الفردية مع القبول بنظام الدولة القومية، ومن يرفض الأفكار السياسية الغربية اليوم مضطر لرفض المسار التاريخي الذي أنشأ الدول الحديثة.

لقد نجحت الثورات العربية إذاً في نقل إشكالية استخدام القيم الغربيّة إلى إشكالية كيف يكون هذا الاستخدام ناجحاً ومبتكراً، فعمليّة الاستيراد نفسها يمكنها أن تكون خلّاقة، والتحدّي الذي تواجهه الدول العربية هو كيفيّة تفسير وتطبيق قيم، كحكم الشعب أو العدالة الاجتماعية، بما يتناسب مع مميّزات وتاريخ وثقافة كل دولة، أي كيفيّة تبنّي القيم الغربيّة من دون أن نعتبر أنفسنا، أو يعتبرنا غيرنا، خاضعين للإمبريالية الفكرية الغربيّة.

لبنى الأمين

أكاديمية لبنانية تدرّس النظرية السياسية في شيكاغو. كل أبحاثها وكتاباتها تدور حول ما يمكن وصفه بمسألة الشرق والغرب.

التعليقات

المقال التالي