ثورة الجياع في السودان

ثورة الجياع في السودان

منذ الاثنين الماضي، تشهد مدن عدّة في السودان تحركات شعبيّة ضد النظام الحاكم. ردّ النظام بقتل واعتقال مئات المتظاهرين. ككل التحرّكات التي شهدتها الدول العربية في الفترة الأخيرة، تراوح وصفها من اعتبارها "ثورة" إلى تصنيفها كـ"أعمال تخريبية".

تشهد السودان تحرّكات معارضة للنظام تعتبر الأوسع منذ إنقلاب عمر البشير في العام 1989. سيّر المتظاهرون مسيرات احتجاجية في مدن الخرطوم، أم درمان، ود مدني، بور سودان، عطبرة وغيرها. الشرارة كانت إعلان الحكومة رفع الدعم عن الوقود ما يعني زيادة حادة في ارتفاع أسعاره.

الرئيس السوداني عمر البشير قال: "إننا سنمضي في قراراتنا لأننا بدونها ستنهار الدولة السودانية" مشيراً إلى اعتقاده بأن "الشعب السوداني سيقدر موقف حكومته". ما لم يقدّره البشير هو أن تكون السياسة الاقتصادية الجديدة شرارة تطلق مسار محاسبة نظامه عن كل سياساته الاقتصادية وغير الاقتصادية.

يحاول النظام السوداني التقليل من أهمية الاحتجاجات. تارة يتهم عناصر من "الجبهة الثورية" (الفصيل المسلّح الذي يقاتل النظام في دارفور) بتحريك المتظاهرين، وتارة أخرى يتحدث وزير الداخلية ابراهيم محمود عن "عناصر مخرّبة" وعن أن "أرقام الوزارة تفيد بأن الناس ماتت بسبب الفوضى التي وقعت، ونحن نقوم الآن بمتابعة الموضوع".

"منظمة العفو الدولية" و"المركز الإفريقي لدراسات العدل والسلام"، وثقتا، بعد خمسة أيام من بدء الاحتجاجات، سقوط 50 قتيل بإصابات في الرأس والصدر. معظم الضحايا لا يتجاوز عمرهم الـ26 عاماً، ما يؤكد أن الشباب السوداني ضاق ذرعاً من نظامه السياسي.

وزارة الداخلية السودانية أعلنت عن اعتقال 600 شخص "لمشاركتهم في أعمال التخريب". ما لم يقله بيان الوزارة هو أن بين "المخربين" الأمين السياسي للحزب الشيوعي السوداني وقيادات في حزب البعث السوداني والحزب الوحدوي الديمقراطي الناصري وحزب الأمة القومي وحزب المؤتمر الشعبي وحزب المؤتمر السوداني.

قررت الحكومة السودانية اعتماد الخيار الأمني والتعتيم الإعلامي على ما يجري في البلاد. تم اغلاق مكاتب قناتي "العربية" و"سكاي نيوز عربية". "إن الإعلام صنع الثورات"، هكذا برّر وزير الخارجية السوداني علي كرتي الخطوة محذراً من محاولة صنع ثورة في السودان عبر وسائل الإعلام. صحافيون سودانيون عديدون أضربوا عن العمل اعتراضاً على "التوجيهات الأمنية" التي تلقوها.

المحتجون لجأوا إلى الإعلام البديل. راحوا يصنعون الأخبار بهواتفهم الذكية وينشرونها على مواقع التواصل الإجتماعي. بدأت تنتشر الفيديوهات التي توثق قمع الاحتجاجات بعنف وهذا ما لم يعجب السلطة. "معظم الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي هي من مصر"، قال وزير الداخلية!

شعارات المتظاهرين تؤكد أن المسألة لا تقتصر على انتقاد الخطوة الاقتصادية الأخيرة. إلى جانب شعار "لا لرفع الأسعار" صرخوا: "حرية، حرية"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "يسقط حكم الجيش"، و"البشير قاتل". هي مجموعة تراكمات عمرها 24 عاماً من حكم البشير انفجرت الآن بمناسبة قرار الحكومة.

بعد انفصال جنوب السودان وتحوّله إلى دولة مستقلة في تموز 2011، فقد السودان 75% من ثروته النفطية ما فاقم من الأزمة الاقتصادية. الخيارات الاقتصادية التي يمكن أن تتبنّاها أيّة حكومة ليست كثيرة. في يونيو من العام الماضي شهدت السودان احتجاجات مماثلة اعتراضاً على إجراءات تقشفية أعلنت عنها الحكومة. حينها، رأى الزعيم السوداني المعارض حسن الترابي أن السودان سينضم قريباً إلى قافلة الربيع العربي. ولكن الاحتجاجات لم تستمر.

يعتبر السودانيون أن بلادهم لا تعاني من أزمة موارد بقدر ما تعاني من الفساد. فالسودان يحتل مرتبة متقدمة على لوائح الفساد التي تصدرها المنظمات الدولية. 48% من الشعب السوداني يتناول وجبة واحدة في اليوم بسبب تردّي الوضع الاقتصادي وفي دارفور وكردفان ترتفع النسبة إلى 80%. من ناحية ثانية تقيّد السلطة الحريات منذ فترة طويلة. تضع منظمة "مراسلون بلا حدود" السودان في المرتبة 170 من أصل 179 دولة بحسب مؤشر حرية الصحافة. وانتقدت منظمة "العفو الدولية"، في تقرير أصدرته في العام الماضي، ممارسة الرقابة على وسائل الإعلام منذ انتخابات 2010.

المزاج الشعبي ليس متجانساً في السودان. البعض يريد استمرار الانتفاضة حتى تنحّي البشير وحكومته عن السلطة والبعض الآخر يبحث عن حلّ انتقالي. نشأت مجموعات شبابية جديدة. إحداها، "تحالف شباب الثورة السودانية" تطالب بحل ثوري جذري.

تم تأسيس "تنسيقية قوى التغيير السودانية" التي تضم تحالف شباب الثورة السودانية، ونقابات مهنية وتحالف منظمات المجتمع المدني. في بيانها الأول، أكدت أن الثورة مستمرة ولا عودة إلى الوراء. اتهمت السلطة بـ"قهر وقمع الشعب السوداني" وبـ"إشعال الحروب وتقسيم البلاد ونهب مقدرات وثروات الشعب السوداني باسم الدين". أمام هذا التوصيف تطالب التنسيقية بـ"تنحي النظام فوراً وحل كل أجهزته التنفيذية والتشريعية، وتكوين حكومة انتقالية تضم كل أطياف الشعب السوداني تتولى إدارة البلاد لمرحلة انتقالية مقبلة، والمحاسبة والقصاص لكل من شارك في جرائم القمع والتعذيب والقتل في حق أبناء الشعب السوداني، وإيقاف الحرب الدائرة فوراً، ووضع الأسس للسلام المستدام عبر عملية مصالحة وطنية شاملة تخاطب بذور الأزمة السودانية". التنسيقية ناشدت "كافة الشرفاء في الجيش والشرطة ألا تتلوث أيديهم بالمشاركة في سفك دماء أبناء الشعب السوداني، وألا يشاركوا مع ميليشيات النظام ومرتزقته في جريمة قتل الشعب السوداني".

من جانبها، دعت أحزاب المعارضة التقليدية كـ"حزب الأمة"، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي وحزب "المؤتمر الشعبي"، بزعامة حسن الترابي، مناصريها إلى المشاركة في التظاهرات وتكثيفها. من بين الشباب السوداني تخرج أصوات تعتبر أن هذه الأحزاب صارت بالية ولا يمكن الاعتماد عليها.

يعتبر الصادق المهدي، أن "ما يحدث الآن فى السودان ثورة حقيقية" ويطالب بدستور جديد ونظام توافقي. ولكن يفضّل حلاً توافقياً للأزمة من خلال "اقتناع النظام بمائدة مستديرة تؤدي إلى خريطة طريق لنظام جديد بالتراضي". "نفهم حماس الشباب لكنا نسير وفق خط مدروس وممنهج"، يقول. معارضوه يتهموه بالتملّق للنظام لأن ابنه يشغل منصب مستشار الرئيس البشير.

ومن "حزب المؤتمر الوطني" و"الحركة الإسلامية" الحاكمين خرجت أصوات تنتقد طريقة تعامل الحكومة مع الاحتجاجات. قدّم حوالى 30 من قياداتهما مذكّرة إلى الرئيس تطالب بالتراجع عن الخطوة الاقتصادية الأخيرة وداعية إلى إيجاد حلّ توافقي للأزمة يشارك فيه الآخرون. ولكن لا يبدو أن السلطة تريد التراجع.

الشعب السوداني عرف الانتفاضات الشعبية التي تطيح الرؤساء في تاريخه الحديث على عكس دول الربيع العربي. عام 1964 ثار ضد نظام الفريق ابراهيم عبود الذي تسلّم السلطة بعد انقلاب 1958. حينها، انحاز الجيش إلى جانب الشعب، وشهد السودان ولادة حكومة مدنية حكمت حتى مايو من عام 1969. وفي العام 1985 ثار على حكم جعفر النميري الذي كان قد انقلب على الحكومة عام 1969. ومرّة أخرى انحاز الجيش للشعب وأدار مرحلة انتقالية، لمدّة سنة، انتهت بانتخابات جاءت بحكومة الصادق المهدي إلى حين انقلاب البشير.

الاحتجاجات السودانية بدأت من حيث لم تصل بعد ثورات الربيع العربي أي من الجانب الإقتصادي الذي لم يجد له حلاً في أيّ من الدول التي أطاحت بأنظمتها. لا يبدو أن التحركات ستتوقف. إذا ما استمر الحلّ الأمني، يتخوّف الكثيرون من تكرار السيناريو السوري في السودان.

التعليقات

المقال التالي