صراع كسر الإرادات في تونس

صراع كسر الإرادات في تونس

يمكن أن نصف الأزمة التي تعيشها تونس اليوم بأنها صراع كسر إرادات، بين السلطة التي تقودها حركة النهضة وبين معارضيها. حين يرى كل طرف أن مراده لا يتحقق سوى بكسر الطرف الآخر، يطول الصراع ويدفع المواطنون الثمن.

لم تبدأ الأزمة السياسية التونسية حين اغتيال النائب المعارض، محمد البراهمي في يوليو الماضي، ولا قبلها بخمسة أشهر حين اغتيال زميله شكري بلعيد. هذه الاغتيالات كثّفت أزمة كانت تعيشها تونس قبل ذلك. نهاية العام المنصرم شهدت مؤشرات عدّة على الانقسام التونسي. ففي ديسمبر ثارت "سليانة" على البطالة وعلى ممارسات جهاز الشرطة، وفي الشهر نفسه شهدت تونس تصرّفات ميليشياوية لأنصار حركة النهضة حين هاجموا مقر "الاتحاد التونسي العام للشغل" واجتماعاً لحزب "نداء تونس".

اغتيال البراهمي نقل الصراع في تونس إلى مستوى جديد. توضّحت معالم "تمترس" القوى السياسية التونسية، بعضها في مواجهة بعض. طالبت "الجبهة الشعبية لاستكمال أهداف الثورة"، التي تجمع أطراف المعارضة الرئيسيين، بحلّ المجلس التأسيسي وبـ"إلغاء المنظومة الناتجة عن انتخابات 2011". في المقابل أعلنت حركة النهضة أن سقف تنازلاتها لن يتعدّى قبولها بتعديل تشكيل الحكومة وتوسيعها. "التأسيسي خط أحمر"، قال رئيسها راشد الغنوشي. وفي الوسط طرح "الاتحاد العام التونسي للشغل" مبادرة هدفها تقريب المسافات بينهما دون أن ينجح في مسعاه حتى الآن.

طالت الأزمة السياسية المجلسَ الوطني التأسيسي. استقال أعضاء "حزب المبادرة" العلماني، مفتتحين سلسلة استقالات تجاوز عددها الستين. وفي مبادرة منه لتخفيف الاحتقان، أعلن رئيس المجلس، مصطفى بن جعفر، تعليق أعمال المجلس إلى حين حلّ الخلاف بين الأحزاب السياسية.

أطلق "الاتحاد العام التونسي للشغل" مبادرة تقترح حلّ الحكومة الحالية والتوافق على شخصية وطنية مستقلّة، تُكلّف بتشكيل حكومة كفاءات تقوم بتصريف الأعمال والإشراف لاحقاً على انتخابات شفّافة. وطالب بحلّ "روابط حماية الثورة" وبتشكيل هيئة عليا مهمّتها مراجعة التعيينات الإدارية التي تعترض عليها المعارضة، وتتهم الترويكا الحاكمة باعتماد مبدأ المحاباة فيها. حتى الآن لم تؤت المبادرة ثمارها، في ظل رفض أطراف الأزمة تقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى حلّ.

تعاطي حركة النهضة مع الأزمة التونسية ملتبس. أحياناً تظهر كقوة تريد تقديم التنازلات في سبيل تحقيق المصلحة العامة، وأحياناً يصف رئيس الحكومة علي العريض المعارضين بأنهم أنانيون وانتهازيون أو يصفهم الغنوشي بأنهم انقلابيون يريدون إشاعة الفوضى والتخريب "وهم في الأصل أقليات فاشلة". قبل يومين، وافقت الحركة على الدخول في حوار وطني “على قاعدة” مبادرة الاتحاد لتجنب تظاهرات ظاغطة هدّد بها الأخير.

بعد قليل من اغتيال البراهمي، كشفت وزارة الداخلية أن المنفذين سلفيون ينتمون إلى "أنصار الشريعة"، هذه الجماعة التي صنفتها الحكومة كجماعة إرهابية في 23 أغسطس. ولكن علاقة حركة النهضة بالسلفيين لا تزال حتى الآن ملتبسة ويكتنفها الغموض. في إحدى خطاباته القديمة، وصف الغنوشي السلفيين بأنهم "أبنائي ويبشرون بثقافة جديدة". وفي مارس 2012 أفرج عن أمير أنصار الشريعة، أبو عياض المحكوم بـ 68 سنة سجن، بموجب "عفو تشريعي عام". الأرجح أن الحركة الإسلامية حاولت في البدايات استقطاب السلفيين، ولكن مع تصاعد التوتر بين السلفيين والحركات المقرّبة من حركة الإخوان، وجدت نفسها في خلاف معهم.

وضعية السلطة التونسية الحالية برمّتها ملتبسة. بعد صدور نتائج أول انتخابات تونسية بعد الثورة، في 23 أكتوبر 2011، شكلت حركة النهضة (36،97% من أعضاء المجلس التأسيسي) ترويكا سلطوية بالمشاركة مع حزبين غير إسلاميين، "المؤتمر من أجل الجمهورية" (أعطي منصب رئاسة الجمهورية)، و"التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" (أعطي منصب رئاسة المجلس التأسيسي). حين اغتيال شكري بلعيد، استقال أمين عام النهضة رئيس الوزراء حامد الجبالي بسبب عدم موافقة حلفه على تشكيله حكومة تكنوقراط، فاضطرت الترويكا إلى تشكيل حكومة يرأسها وزير الداخلية في الحكومة السابقة علي العريض. تدنّى مستوى تأييد الترويكا في البرلمان بعد أن فقد حليفا النهضة حوالي نصف أعضائهما وكان هذا دليلاً على تراجع تأييد الترويكا.

ولكن الأهم أنه، قبل إجراء الانتخابات، كانت القوى السياسية التونسية قد اتفقت على انتخاب مجلس تأسيسي لمدّة عام واحد فقط، تكون مهمته الأساسية وضع دستور جديد للبلاد تعقبه انتخابات تشريعية ورئاسية جديدية. لم يتم احترام هذه المهلة بسبب الخلاف على الدستور. هذا الواقع وضع التونسيين في موقع ملتبس: فمن ناحية هناك سلطة قانونية، ومن ناحية ثانية ترتكز هذه السلطة إلى تأييد مجلس تأسيسي تجاوز عمره السنة التي انتخب على أساسها التونسيون.

أشهُرُ الأزمة التونسية كشفت عجز المعارضة عن قيادة تغيير كبير يستند إلى الشارع، وعن لجوئها إلى خطوات متسرّعة. في 2 أغسطس دعت إلى "اعتصام الرحيل" في ساحة باردو، وفي 23 منه نظمت "أسبوع الرحيل". مرّ الوقت ولم يتحقق الرحيل وفشلت المعارضة في حشد أكثر من عشرات آلاف قليلة من المشاركين في التظاهرات التي دعت إليها.

مؤخراً اعترف الغنوشي بأن "وجود شارعين في تونس بات أمراً واقعاً". أشهر الأخذ والردّ لم تذهب هدراً. الآن المشهد هو التالي: تقبل حركة النهضة بتشكيل هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات القادمة، وتقبل بتحديد سقف زمني لإنجاز الدستور وترفض حكومة تكنوقراط، لكنها تقبل بتشكيل حكومة وحدة وطنية. في المقابل اكتسبت المعارضة زخماً شعبياً جديداً بإعلان حركة "نداء تونس"، ويعتقد أنه أكبر أحزاب المعارضة، تأييده لمطالبها. الأخير ومعظم المعارضين يرفضون الاستفتاء على السلطة لشكّهم بنزاهة مؤسسات الدولة.

حين أعلن الأمين العام لـ"الاتحاد العام التونسي للشغل" حسين العباسي، إيقاف المشاورات، دعا الأحزاب كافة إلى تقديم "تنازلات حقيقية" و"تنازلات موجعة" من أجل مصلحة البلاد وإنقاذها من الانهيار. مؤخراً دعت النقابة الوطنية للإطارات الدينية في تونس، في بيان بعنوان "عن أي عيد تتحدثون؟" إلى إضراب أئمة وخطباء المساجد في عيد الأضحى، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ثبت للجميع أن المماطلة وإعلاء سقف المطالب لن يحققا سوى إدامة عمر الأزمة وتردّي أوضاع التونسيين. المطلوب الآن تحويل الأزمة من صراع كسر إرادات إلى حوار يدخله الجميع بنيّة تقديم تنازلات، ليس فقط من أجل تونس، بل من أجل إنجاح الربيع العربي.

التعليقات

المقال التالي