لا للطائفيّة

لا للطائفيّة

تعتبر الطائفية مرادفًا للحالة السياسية في لبنان منذ زمن طويل. لحقت بها الحالة العراقية، بعد الغزو الأميركي، حتّى أنّه سرى تعبير "لبننة" العراق. أمّا "الربيع" العربي فقد أنتج في لبنان حملة وشعار "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي"، ثمّ ما كان به إلاّ أن أفرز نعرات طائفية بدءاً من مصر، وصولاً إلى سوريا.

مشكلة الطائفيّة مشكلة معقّدة تختلف باختلاف تاريخ وتركيبة البلدان التي تعاني منها، ولكن يمكن تجزئتها. هنا نتناول موضوع الهويّة الطائفيّة، كهويّة فرديّة وجماعيّة. كثيراً ما توصف الهويّة الطائفيّة  بالهويّة الرجعيّة، وتعتبر مضادة للهويّة الوطنيّة. هناك إعلان تلفزيوني لأحد البنوك في لبنان، عُرض منذ بضع سنوات ولاقى شعبيّة كبيرة، يعبّر عن هذا الاعتقاد. ففي الإعلان، يظهر أشخاص من بلدان عدّة على الشاشة، كلّ منهم يعرّف عن نفسه بحسب بلده (أنا فرنسية، أنا مكسيكي، أنا ألمانية، إلخ) وعندما يأتي دور اللبنانيين، يعرّفون عن أنفسهم بحسب مذهبهم (أنا شيعي، أنا سنيّة، أنا أرثودوكسي، إلخ). والمغالطة في هذه المقاربة لها جانبان: الجانب الأوّل، والذي سنعود إليه لاحقاً، هو أنّه ليس صحيحاً أنّ الناس في البلدان الأخرى يتماهون في صورة أولى مع أوطانهم (وليس مع مجموعاتهم الإثنية، اللغوية، الدينية، الجنسيّة، إلخ). أمّا الجانب الثاني من المغالطة، فهو التسليم بأنّ الهويّات الوطنيّة هي بالضرورة أفضل من الهويّات الجماعيّة (الطائفيّة، الإثنيّة، إلخ). فالهويّة الوطنيّة ليست هويّة اختياريّة (لا يختار الإنسان أين يولد ومن أي أهل)، وهي هويّة تقسّم بين الناس بشكل عشوائي وتشجّع تفضيل أبناء الوطن على أبناء البلدان الأخرى بطريقة ليست دائماً سليمة، وأبشع مظاهرها الحروب بين البلدان.

هذا لا يعني أنّه لا يمكن إنتاج هويّة وطنيّة تختلف عن الهويّات الجماعيّة، ولكن ثمّة شروط ضروريّة كي تصبح الهويّة الوطنيّة نتيجة قرار ونشاط إرادي، كتوفّر المشاركة لكل أبناء الوطن بصنع القرار السياسي، وحكم القانون، والعدالة الاجتماعيّة. عندما لا تُستوفى هذه الشروط، لا يمكن القول إن التماهي مع الوطن هو أسمى من التماهي مع الهويّات الجماعيّة. هذا النوع من التفضيل المجرّد جزء من خطاب عصراني modernist قد مضى زمانه.

من ناحية أخرى، فإنّ مسألة الهويّات الجماعيّة مسألة تواجهها بلدان متعدّدة كما أشرنا أعلاه، ولو لم تكن الهويّات هذه طائفيّة. ففي الهند تقسيمات جغرافيّة لغويّة وثقافيّة، وفي ماليزيا جماعات إثنيّة مختلفة، وفي سويسرا جماعات لغويّة وإثنيّة. وقد تكاثرت الدراسات حول التعددّية الثقافية multiculturalism وأصبحت مرجعاً لسياسات الدول، والدراسات هذه كلّها تعترف بأهميّة الهويّات الجماعيّة وتحاول التوفيق بينها وبين الهويّة الوطنيّة من خلال إعطاء الجماعات حيّزاً من الإستقلاليّة الثقافيّة. مثلاً، مُنح سكّان كيبيك في كندا حق استعمال لغتهم، كما أعفيت بعض الجماعات من بعض القوانين التي تتعارض مع معتقداتها، مثل إعفاء أتباع الديانة السيخيّة الهنديّة الذين يعتمرون عمامات خاصة من قانون لبس الخوذات الواقية لسائقي الدرّاجات الناريّة. الفيلسوف الأميركي جون رولز John Rawls، وهو من أهم المفكرين السياسيين في القرن العشرين، يدعو إلى نظام سياسي يقوم على احترام المعتقدات الدينيّة للأفراد والجماعات، حتى في الحياة السياسيّة ومسائل الشأن العام، ولكن من خلال تشجيع الجماعات الدينيّة على دعم مطالبها في المجال العام بحجج يمكن للمواطنين الآخرين والجماعات الأخرى تقبلها. وحدهم المسؤولون عن الشأن العام، أي الحكّام وأصحاب المناصب السياسية، منوط بهم التفريق الكلّي بين معتقداتهم الشخصية وعملهم السياسي.

هكذا ، فإن المطلوب ليس نبذ الهويّات الطائفيّة أو اعتبارها رجعيّة أو المطالبة المطلقة بالمواطنيّة. المطلوب هو أوّلاً خلق الشروط الضروريّة لجعل الهويّة الوطنيّة هويّة تستحق التماهي معها، وثانياً، قبول الهويّات الطائفيّة كهويّات طبيعيّة، ولكن مع إدماجها بطريقة مبتكرة وعادلة في النظام السياسي.

لبنى الأمين

أكاديمية لبنانية تدرّس النظرية السياسية في شيكاغو. كل أبحاثها وكتاباتها تدور حول ما يمكن وصفه بمسألة الشرق والغرب.

التعليقات

المقال التالي