روحاني ينظّف إيران من إرث نجاد

روحاني ينظّف إيران من إرث نجاد

في 14 يونيو الماضي وصل الشيخ حسن روحاني إلى سدّة رئاسة الجمهورية الإيرانية. فوزه في الانتخابات صدم كثيرين ممن استبعدوا فرضية خلافة أحد المعتدلين للرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد. لكن حائك السجّاد كان مدركاً أن عليه العمل بتأنٍّ، في هذه الفترة، كي لا يذهب كلّ ما راكمه طوال سنوات سدى.

مفاجآت عدّة خرجت عن دوائر القرار الإيراني منذ بداية هذا الشهر. كثرتها أربكت متابعي السياسة الخارجية الإيرانية. الواضح، حتى اللحظة الراهنة، هو أن الرئيس الجديد مكلّف بتغيير صورة إيران النجادية وأن إيران قرّرت، بعد 8 سنوات من التصادم مع المجتمع الدولي، العودة إلى نهج الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

اعلان


"عيد روش هاشاناه مبارك"، غرّد روحاني معيّداً اليهود برأس السنة العبرية. في إيران تعيش جالية يهودية يقدّر عدد أعضائها بثلاثين ألف موزّعين على طهران وأصفهان وهمدان. لكن الرئيس لم يوجّه معايدته إليهم فالتويتر محظور عليهم. أراد بحركته توجيه رسالة إلى العالم مفادها أن بلاد الفرس تتغيّر. رسالة روحاني تابعها وزير الخارجية محمد جواد ظريف، في ردّه على كريستين، إبنة النائبة الديمقراطية في الكونغرس نانسي بيلوسي Nansy Pelosi،  التي لفتت إلى أن "التهنئة بالعام الجديد ستكون أجمل إذا أنهيتم إنكار إيران للهولوكوست". قال ظريف إن بلاده لم تنكر المحرقة اليهودية "ومن كان ينكرها قد رحل، مشيراً في ما بعد إلى أنه "لا يوجد بين إيران واليهود أية عداوة، ونحن نعارض الصهيونية".

في منتصف الشهر الحالي، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مقابلة مع قناة "إي بي سي نيوز" ABC news الأميركية، أنه تبادل رسائل مع روحاني. أكّد أوباما، في رسائله، أن الولايات المتحدة مستعدة لحل القضية النووية بطريقة تسمح لإيران بإظهار أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلميّة بحتة، وليس عسكرية. بعد ساعات، نفىظريف كلام أوباما حاصراً المسألة برسالة تهنئة إلى روحاني على تولّيه منصبه. النفي الإيراني لم يدم طويلاً إذ انبرى روحاني، في مقابلة مع شبكة "أن بي سي" ABC، إلى القول أن "لهجة الرسالة إيجابية وبناءة وخطوة صغيرة، أمام مستقبل مهم للغاية".

سعياً وراء إيجاد حلّ ديبلوماسي لملفها النووي، أعادت إيران المسؤولية عن المفاوضات النووية إلى وزارة الخارجية بعد أن كانت بيد المجلس الأعلى للأمن القومي منذ العام 2005. سيتابع الخبير في العقلية الأميركية، الوزير محمد جواد ظريف، يوميات الملف الذي يعرف أسراره منذ أن كان عضواً في فريق التفاوض أيّام الرئيس خاتمي.

في أولى تصريحاته، أكّد ظريف أن تبديد المخاوف الدولية حول البرنامج النووي الإيراني "من مصلحتنا لأن الأسلحة الذرية ليست جزءاً من سياسة الجمهورية الإسلامية. لذلك، مصلحتنا هي تبديد أي غموض بشأن البرنامج النووي للبلاد". انفتاح ظريق لقي استجابة أميركية سريعة. أعلنت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة سامانثا باور أنه إذا تعاونت إيران "ستجد الولايات المتحدة شريكة مستعدة".

من ناحيته، أكّد روحاني أن بلاده لم تسع يوماً لتطوير سلاح نووي، وأنها لن تسعى إلى ذلك فى المستقبل مشيراً إلى امتلاكه السلطة الكاملة للتفاوض على اتفاق نووي مع الغرب. كلامه لاقاه أوباما بتأكيده، في مقابلة مع قناة "تيليموندو" Telemundo الإسبانية، أنه “توجد إشارات تظهر أن روحاني مستعد لفتح الحوار مع الغرب والولايات المتحدة، وهذا أمر غير مسبوق".

يتوقّع الإيرانيون نجاحهم في سياسة الانفتاح على الغرب. توقّع رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، علي أكبر صالحي، حصول انفراج في الملف النووي بحلول مارس 2014 وأكّد أنه "خلال الأشهر المقبلة سنرى انفراجة في القضية النووية، نتوقع أنه خلال أشهر سنشهد بداية مخرج لهذه القضية، لدينا مؤشرات في هذا الخصوص". الآنيُرتقب أن يلتقي الرئيسان الأميركي والإيراني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، نهاية الشهر الحالي.

قبل التقدّم في مسار العلاقة الإيرانية الأميركية شهدت العلاقة الإيرانية البريطانية انفراجاً هاماً. فقد سبق وأعلن روحاني أنه سيلتقي وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ في نيويورك في خطوة ستفتتح العمل على إعادة العلاقات الديبلوماسية بين الدولتين بعد أن قطعت في نهاية العام 2011، على خلفية أزمة اقتحام المتظاهرين المتشددين مقر السفارة البريطانية في طهران.

توجّه إيران الرسائل في كل الاتجاهات. أبدى روحاني حرص طهران على "أن يكون مضيق هرمز مضيق السلام و الصداقة"، هذا المضيق الذي لطالما هدّد بإقفاله الرئيس السابق نجاد. وعلى خط العلاقة مع المملكة العربية السعودية، أصدر المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية السيد علي خامنئي أمراً بتعيين علي شمخاني ممثلاً له، ولمدة ثلاثة أعوام، في المجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة أولى ستؤدي إلى تعيينه أميناً عاماً للمجلس. شمخاني هو إيراني عربي يتحدّر من منطقة الأهواز وكان قد منحه الملك السعودي ميدالية الملك عبد العزيز بن سعود تقديراً لدوره الكبير في تعزيز العلاقات الإيرانية العربية. ومن هنا يمكن فهم دعوة الملك السعودي للرئيس الإيراني إلى المشاركة في موسم الحج هذا العام. حتى اللحظة لم يجب روحاني على الدعوة. يبدو أن إيران تركّز جهودها على تعزيز علاقاتها بالدول الغربية ما سينعكس حكماً على علاقاتها بالدول العربية المتحالفة مع الغرب.

وليكتمل مشهد التغيير في إيران قام روحاني بخطوات عدّة موجّهة إلى الداخل. تم تعيين مرضية أفخم متحدثة باسم وزارة الخارجية في سابقة وضعها روحاني في إطار "حملة ترمي إلى تحرير ورفع شأن النساء في إيران". بعدها، أفاد الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية أن الرئيس طلب من قوات الشرطة الامتناع عن اتباع الأساليب المتشددة في تطبيق القوانين المتعلقة بالمظهر. تزامنت الخطوة مع صدور عفو عن المحامية الايرانية نسرين سوتوده التي دخلت السجن في أغسطس 2010 على خلفية دفاعها عن حقوق الإنسان وعن معتقلي "الثورة الخضراء". قرار العفو شمل أيضاً 13 شخصية معارضة اعتقلوا خلال الحركة الاحتجاجية في العام 2009 ومن المتوقّع أن يتم الإفراج عن حوالى 300 آخرين. يريد روحاني إزالة إرث نجاد الثقيل.

القرار الإيراني واضح بتوكيل مهمّة التعبير عن مواقفها إلى ديبلوماسيين مخضرمين وبكم أفواه العسكر المتشددين الذين شطّوا في التصريحات السياسية والاستراتيجية في عهد نجاد. طلب روحاني من الحرس الثوري الابتعاد عن السياسة والتفرّغ لـ"الاهتمام بشؤون الأمة" ، ولاقاه الخامنئي بقوله إنه "ليس من الضروري أن يمارس الحرس الثوري نشاطات سياسية". لكن في الوقت نفسه ذكّر الرئيس الجديد بأن للحرية حدوداً في إيران حين طالب قيادات الحرس بالبقاء متيقظين على "التيارات الانحرافية".

هل قررت إيران التخلّي عن طموحاتها النووية وإجراء تغييرات جذرية في علاقاتها مع محيطها ومع العالم؟ في كلام أدلى به مؤخراً، لفت السيّد الخامنئي إلى تأييده لـ"الليونة البطولية" التي يفتتحها روحاني. ما هي هذه السياسة الجديدة؟ يعتبر المرشد الأعلى أن "المصارع الفني يبدي الليونة أحياناً لسبب فني، إلا أنه لا ينسى من هو خصمه وما هو هدفه الأساس".

يؤكد الوليّ الفقيه أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترفض السلاح النووي انطلاقاً من عقيدتها ومبادئها الإسلامية، وليس من أجل أميركا أو غيرها". إنه الخطاب الإيراني الكلاسيكي الذي يؤكد أن لا أهداف عسكرية من وراء البرنامج النووي الإيراني. من ناحيته، يلفت "المصارع الفنّي" حسن روحاني إلى أن حكومته "لن تتخلى قيد أنملة عن حقوقها المطلقة" في المجال النووي. من دون شك سيرتدّ الانفتاح الإيراني إيجابياً عليها، ولكن حلّ أزمتها مع المجتمع الدولي سيكون رهناً بمدى ليونة المصارع.

التعليقات

المقال التالي