عيش، حرية، عدالة اجتماعية

عيش، حرية، عدالة اجتماعية

من أبرز الشعارات التي رفعتها ثورة 25 يناير في مصر كان شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وقد بقي شائعاً حتى بعد الثورة، إذ استُخدم في حملات الانتخابية التي تلتها. تأتي أهمية هذا الشعار من خلال ربطه بين مطلبين أساسيين للثورات العربية، ومبدأين أساسيين من مبادئ الفكر السياسي المعاصر: الحرية والعدالة الاجتماعية. غير أنّ العلاقة بين هذين المبدأين أكثر تعقيدًا مما يظهره الشعار، فالبعض يرى أن الجمع بينهما محفوف بشيء من التعارض.

إن مبدأ الحرية، الذي ظهر مع مفكرين مثل توماس هوبز Thomas Hobbes وجون لوك John Locke في القرن السابع عشر، بدأ كمبدأ سلبي. أي أن الحرية تم تعريفها بغياب العوائق على نشاط المرء. العوائق التي تحدّث عنها هوبز هي عوائق جسدية، كأن يمسك شخص بآخر ويمنعه من الحركة. بالنسبة لهوبز، حينما يقفز شخص من باخرة خوفاً من غرقها، فهو حرّ بقراره، أي أن الخوف والحرية متجانسان. أمّا دور الدولة، في نظر هوبز، فهو توفير الحرية الشخصية من خلال منع تعدّي الناس على بعضهم البعض. لكنّ جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau قدّم مفهوماً مغايراً للحرية، من خلال ما يُعرف بالحرية الإيجابية positive liberty. فالحرية بحسب روسو تقتضي، ليس فقط إزالة العوائق عن الأشخاص، بل تتطلّب منهم أيضاً نشاطاً سياسياً معيناً، وهو المشاركة بصنع القرار في المجتمع الذي ينتمون إليه. أن يكون المرء حُرّاً، بحسب روسو، هو أن يشارك في تقرير مصيره، ولا يكون خاضعاً، لا لخوفٍ، ولا لرغبات حاكم أو طبقة معينة من المجتمع.

من الأفكار التي طرحها روسو في هذا السياق، والتي تنقلنا إلى موضوع العدالة الاجتماعية، هي أنّ المشاركة السياسية لها مقتضياتها، ومن هذه المقتضيات توافرُ درجة معينة من المساواة، حتّى يكون جميع أفراد المجتمع مستقلّين في خياراتهم. استوحى كارل ماركس هذه الفكرة، وأدخلها في نظريته للحرية بناءً على إنهاء كلّ أنواع الاستغلال الاقتصادي، مما يمهّد لنشوء مجتمع دون طبقات، يختار فيه كلّ واحد نمط الحياة الذي يشاء.

لكنّ مفكّرين آخرين، مثل إيزايا برلين Isaiah Berlin وروبيرت نوزيك Robert Nozick، يعترضون على ربط الحرية، كما فعل روسو وماركس والتيار اليساري عامّة، بالعدالة الاجتماعية، ويفضّلون المفهوم السلبي للحرية الذي طرحه هوبز. يدور اعتراضهم حول فكرتين مرتبطتين: أولاً، إنّ العدالة الاجتماعية تعتمد على إعادة توزيع الموارد من الأغنياء إلى الفقراء، ممّا يشكّل انتهاكاً لحرية الأغنياء بالتصرّف بأموالهم. ثانياً، إنّها تتطلّب تدخّلاً من الدولة في عملية إعادة التوزيع هذه، وكلّ تدخّل للدولة يزيد من حجمها وقوّتها ممّا يهدّد حريات الأفراد المختلفة، أكانت اقتصادية أم سياسية أم فكرية. بالنسبة للفكرة الأولى، فإن الحريصين على العدالة الاجتماعية يعتبرون أنّ إعادة توزيع الموارد لا تشكّل إجحافاً بحقوق الأغنياء على أساس أنّ الأغنياء لم يجمعوا ثرواتهم وحدهم، بل هم استفادوا من المجتمع الذي يعيشون فيه، من طرقاته وموارده وقوانينه وأناسه، فتكون بذلك الضرائب التي يدفعونها جزءاً من المساهمة في بناء مجتمع لا يستطيع الأغنياء، دون ما يقدمه لهم من خدمات، أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه. أمّا بالنسبة لدور الدولة، فإن التجربة السوفياتية أظهرت بلا شك فشلَ إدارة الدولة المباشرة للاقتصاد، ولكن العدالة الاجتماعية لا تقتضي تدخل الدولة في حياة الناس كما يعتقد البعض، فالمطلوب هو تأمين البنية الأساسية basic structure كما يسمّيها جون رولز John Rawls، أي حكم القانون (ليس فقط فيما يتعلّق بالحقوق السياسية، ولكن أيضاً في المجال الاقتصادي وفي الوظائف، وحتّى في الأسرة)، وعدم التمييز على أساس الدين، العرق أو الجنس، وتوفير المدارس والجامعات الرسمية، والتأمين الصحي، حتّى يكون للجميع فرص متساوية في النجاح.

هكذا يكون الربط بين الحرية والعدالة الاجتماعية ممكناً، ولكنّه يتطلّب تفسيراً أشمل، ونظرة معينة للمجتمع وإعادة تفكير بدور الدولة في الاقتصاد... أي أنّه ليس بالسهولة أو البديهية التي يعبّر عنها الشعار أعلاه.

لبنى الأمين

أكاديمية لبنانية تدرّس النظرية السياسية في شيكاغو. كل أبحاثها وكتاباتها تدور حول ما يمكن وصفه بمسألة الشرق والغرب.

التعليقات

المقال التالي