شعبان في دولة مصرية واحدة!

شعبان في دولة مصرية واحدة!

"إحنا شعب وانتو شعب" غنّى الفنّان المصري علي الحجّار. ليست أغنيته سوى تعبير فنّي يعكس حالة انقسام اجتماعي عامودي نتج عن سياق افتُتح في 30 يونيو.

فور نزول المصريين إلى الشوارع في 30 يونيو، اعتراضاً على حكم الإخوان المسلمين، بدأت ظاهرة لافتة تعمّ الأوساط المصرية. راح معارضو الإخوان المسلمين يُخرجون مناصري هذه الجماعة من دائرة الانتماء إلى الهويّة المصريّة. منذ 25 يناير والمصريّون يبحثون عن هويّة جديدة لهم تجمع ما بين خصوصيتهم المصريّة التي سبق وردّها طه حسين إلى الفرعونية وما بين نظام ديمقراطي يطمحون إلى بنائه. وعليه، فإن ما أُخرج من دائرته الإخوان ليس شيئاً متبلّراً حتى اللحظة بل هو مفهوم لا يزال في إطار التشكّل.

لم تنجح القوى الثورية المصريّة في البناء على مفهومي الحرية والكرامة الذين طالبت بهما الجماهير في 25 يناير. بقيا مفهومين مجرّدين غير صالحين لتأسيس هوية الدولة المصرية التي كانت تتشكّل. وحين آن أوان استحقاق الانتخابات، حققت جماعة الإخوان تفوقاً شعبياً ملحوظاً سمح لها بتسلّم مقاليد الحكم. عند هذه اللحظة اختلطت الأمور كثيراً في وعي المصريين، هم الذين لم تكن أهدافهم مرتّبة وواضحة في أيّة لحظة بعد إسقاط الرئيس حسني مبارك.

عندما نزل المصريون في "مليونية لا للإرهاب"، في 26 يوليو الماضي، ظهرت للعيان بداية تشكّل مفهوم جديد للدولة المصرية في ذهنية الجماهير، مفهوم يجمع بين الشعب والجيش ويضعهما في مواجهة الإرهاب، وهو اصطلاح مطّاط ينطبق حالياً على الإخوان وربّما يتمدّد لينطبق على مجموعات إسلامية أخرى في المستقبل القريب. على اللافتات التي رفعوها كتب المتظاهرون: "الجيش مفوّض للقضاء على الإرهاب"، "الجيش والشعب ضد الإرهاب"، "الشعب يفوّض السيسي والجيش في القضاء على الإرهابيين"، "الجيش مكلف بحماية الشعب من الإرهاب"، "مؤيدون لموقف الجيش والشرطة للقضاء على الإرهاب". الأهم من هذه اللافتات والأكثر قدرة على توليد الدلالات كان "غزو" صور الفريق أول عبد الفتاح السيسي للتظاهرة وكان تحليق طوافات الأباتشي، على علو منخفض، فوق الحشود وإلقائها عليهم أعلاماً مصرية وبطاقات ملوّنة بألوان العلم المصري كُتب عليها: "إلى الشعب الذي وقف إلى جانب جيشه".

تحلُّق "الشعب" حول الجيش ما كان ليتمّ من دون شيطنة القوة التي انقلب عليها الجيش. بدأت القوى السياسية الملتفّة حول المؤسسة العسكرية تنفي صفة المصري عن أعضاء الإخوان. جماعة الإخوان "ما هي إلا جماعة شريرة"، قالت الدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية في جبهة الإنقاذ. وهُم "قوى الظلام والإرهاب" كما قال رئيس مجلس الوزراء، حازم الببلاوي، بعد ردّة فعل الإخوان على فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة. منذ يومين، كتب يحيى الجمل، في صحيفة "المصري اليوم": "يبدو أن المعركة بين قوى النور وقوى الظلام ستستمر طويلاً... وتقديري أن قوى النور تتزايد يوماً بعد يوم ولو بقدر محدود، خاصة بعد ثورة 30 يونيو".

في هذا السياق أتت أغنية علي الحجّار التي يقول فيها: "إحنا شعب وانتو شعب / إلّي هزّ القلب منّا عمرو ما هزّلكوا قلب" بينما تمرّ في الـ"فيديو كليب" صور للجيش المصري تعود إلى حرب 1973! تتضمّن أغنية الحجّار معالم الهويّة المصرية الجديدة الساعية إلى خلق صورة محبّبة للجندي المصري: "إحنا مصري بسيط وراضي / عسكرى جاي من النجوع / يِسمع الراديو الصُغَيَّر والآذان يملاه خشوع". وتصل الأغنية إلى خاتمتها بإقصاء الإخوان ودعوتهم إلى مغادرة مصر: "ولأن مصر المؤمنة قبل التاريخ في دمّنا / عمرنا ما ها نبقي زيّك ولا انت ها تكون زيّنا / لِمّ غنمك أو جِمالك والعشيرة والخيام / خد زعيقك خد صريخك / خد فتاويك واللجام / وابعد بعيد عن أرضنا".

هويّة مصر الجديدة الآخذة في التشكّل بدأ برسم معالمها الجيش المصري في 28 يناير، حين هتف الجنود المصريّون، من على دبابات الجيش: "الشعب والجيش إيد واحدة". تراجعت هذه الهويّة بعد أحداث محمد محمود حين رفع المتظاهرون شعار "يسقط يسقط حكم العسكر". دارت حياة المصريين وعادت إلى نقطة البداية. ففي وعيهم الجماعي ثورتان أبطالهما قادة عسكريون، هما ثورتا أحمد عُرابي وجمال عبد الناصر.

في مقابل الهويّة التي تقصي الإخوان تتراجع الهويّة التي عمل الإخوان، خلال فترة حكمهم على صياغة معالمها. لا ينفي الإخوان صفة المصريّة عن معارضيهم. حين فوزه في الانتخابات ألقى الرئيس المصري الخطاب الشهير الذي أثار سخرية كثيرين من المصريين وقال فيه: "الأهل الكرام من قالوا لي نعم ومن قالوا لي لأ كلهم أبناء مصر كلهم أهلي وعشيرتي لهم مكانة غالية في قلبي". ولكن لم ينجح الإخوانيون في قبول معارضيهم كمواطنين كاملي الأهلية لأنهم لم يستطيعوا تجاوز تصوّرهم عن "المواطن المؤمن".

ردّاً على الحجّار، نشر المنشد ياسر أبو عمّار أغنية قال فيها: "ليه تفرق بينا ليه أنا مش مصري ولا إيه" وأضاف: "بيقولوا شعب وهُمَّ شعب / كلنا شعب / بس انتوا ناس واحنا ناس". ولكن لم يطل الأمر بأبو عمّار حتى فضّل الإخوان على خصومهم بقوله: "مصر بالنسبالنا أزهر مصر في القرآن كنانة / مش مجرد أوضة تسهر فيها بين أحضان فلانة"، في صورة تعكس عدم قدرة الإخوانيين على تجاوز مفهوم "الشعب المؤمن".

في الخلاصة، يعمل معارضو الإخوان على بناء هويّة الدولة المصرية وفق مفهوم "الدولة الشرطي" التي تتجلّى سلطتها في المؤسسات العسكرية القوية مهملين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الأخرى. يحاولون بناء الإسلام المصري على الفلسفة العربية (فقط لأنها تتعارض مع التصوّرات الأصولية والسلفية للإخوان) وعلى التديّن الشعبي. تقول أغنية الحجّار: "إحنا شايفين ابن سينا وابن رشد والحسين". في مواجهتهم لم ينجح الإخوانيون في حلّ إشكاليّة المواءمة بين مفهوم الأمة الإسلامية التي لا تعترف بالحدود وبين ضرورة الانكفاء الوطني.

في مصر ليس هناك شعبان. هناك شعب مصري واحد منقسم يتصارع أبناؤه على شكل الدولة الجديدة. أحد أبعاد الأزمة المصريّة يعود إلى عجز العرب عن حلّ معضلة العلاقة بين الحداثة والتراث. معارضو الإخوان يحاولون الاكتفاء بالشكل الحداثي للدولة بينما يحاول الإخوان إحياء التراث في قالب حداثي متجاهلين مقتضيات الحداثة.

التعليقات

المقال التالي