فصل الدين عن الدولة

فصل الدين عن الدولة

كرَدّة فعل على تصاعد دور الإسلام السياسي في مختلف الدول العربية، وتزايد المظاهر والنعرات الطائفية، يطالب البعض في العالم العربي بفصل الدين عن الدولة، وإنشاء دول علمانية ومجتمعات مدنية. تفترض هذه المطالب غالباً أنّ أي ربط بين الدين والحقل العام هو ربط مشين ورجعي، وأنّ المبادئ السياسية الحديثة،  تلك التي تتجلّى في الدول الغربيّة الديمقراطية، تقوم بصورة أساسيّة على رفض أي شكل من أشكال هذا الربط. يحتاج هذا الاعتقاد إلى شيء من المراجعة، فالعلاقة بين الدين والدولة في الدول الديمقراطية أقلّ بساطة ممّا يفترضه البعض.

يمكننا في البدء التفريق بين ثلاثة جوانب من علاقة الدين بالدولة: الجانب الأول يتعلّق بمؤسسات الدولة ودور الدين فيها، كأن يكون هناك مناصب سياسية لرجال الدين، أو أن يكون الدستور أو القوانين مستمدّة من نصوص دينيّة، أو أن تدعم الدولة منظمات دينيّة معيّنة. الجانب الثاني يتعلّق بالحقل العام، أي استخدام الرموز الدينيّة في الساحات العامّة، والمصطلحات والمفاهيم الدينيّة في النقاشات حول السياسة والحكم، وتواجد مجموعات الضغط الدينيّة في المجال العام. والجانب الثالث يتعلّق بدرجة التديّن لدى المواطنين أنفسهم.

اعلان


زيادة التديّن على مستوى الأفراد ظاهرة لها أسبابها المتعدّدة، ويعتبرها المحلّلون ردّة فعل على الحداثة والتغييرات التي تأتي بها إلى المجتمعات التقليدية، وهي لا تقتصر على العالم العربي أو على الشرق عامة، لكنّها تأخذ في هذه البلدان  شكلاً  مناهضاً  لتدخلات الغرب وتأثيراته على الثقافات المحليّة. فهي إذن ظاهرة مفهومة وطبيعية. إنّ المشكلة التي تثير قلق المطالبين بفصل الدين عن الدولة ليست التديّن بحد ذاته، ولكن مظاهره العلنيّة، أي ازدياد ظاهرة خروج الدين من النطاق الخاص إلى النطاق العام، كازدياد قوة الأحزاب الإسلامية في بلدان عربية مختلفة مثل مصر وتونس والأردن. غير أنّ  تواجد الأحزاب الدينية ليس بالضرورة مشكلة بحد ذاته، فعلى سبيل المقارنة، لعبت الكنائس والأحزاب الكاثوليكية في بلدان كبولندا والبرازيل، والتوجهات البروتستانتية في بلد كالولايات المتحدة، دوراً سياسياً  إيجابياً، وتموضعت إلى حد كبير في مواجهة السلطوية ودافعت عن المجتمع المدني. المشكلة ليست إذاً في تواجد الرموز والمجموعات الدينية في الحقل العام، ولكن في أجندة هذه المجموعات وقدرتها على ترجمة مطالبها إلى حجج ليست بحت دينية، أي إلى أفكار مقبولة من قبل المواطنين غير المتديّنين أو المنتمين إلى أديان أخرى. والحل بالتالي لا يمكن أن يكون عبر منع تشكيل الأحزاب الإسلامية أو الحد من نشاطها، ولكن بتشجيعها على الانخراط في العمليّة الديمقراطية وفي نشاطات المجتمع المدني، وعلى تمحورها ضد السلطوية والتعسف، وليس ضد الحريّات والحقوق.

هنا، يبقى الجانب الأول من العلاقة بين الدين والدولة، أي الجانب المتعلّق بمؤسسات الدولة ودور الدين فيها. يعد هذا الجانب الأخطر فيما يتعلّق بدور الدين في الحياة السياسية، وغالباً ما تقوم الأنظمة الديمقراطية بالفصل بين الدين والدولة على هذا الصعيد حتّى تكون مؤسسات الدولة عادلة وغير منحازة تجاه أي من المواطنين. إن الاعتراض الذي قام ضد الدستور المصري، الذي وُضع بعد الثورة، بسبب الحيّز الكبير الذي أعطاه للشريعة الإسلامية يصبّ في هذه الخانة، وهو اعتراض هام وضروري. لكن هذا لا يمنع أن يكون للإسلام مكانة في الدستور المصري، ولو بشكل رمزي، على مثال الدستور النروجي مثلاً، الذي ينص على كون العقيدة الإنجيلية اللوثرية العقيدة الرسمية، أو أن تستمرّ الدولة المصريّة في دعم جامع الأزهر مثلاً كما تقوم الحكومة الاسترالية التي تموّل بعض المدارس الدينيّة، أو أن تسمح بالتعليم الديني في المدارس الرسمية كما هي الحال في ألمانيا.

باختصار، إنّ بإمكان الدول العربية إيجاد دور للجوامع والمدارس والرموز الدينيّة في مؤسساتها الرسمية، في شكل يعبّر عن تطلّعات مجتمعاتها، ولا يشكّل إجحافاً  بحق المجموعات الدينية الأخرى، أي بدون فصل كلّي بين الدين والدولة.

التعليقات

المقال التالي